تصحيح المسار:

أساليب تعافي الدول من خبرات التاريخ السلبية

Trending Events - Future Concepts - - مفاهيم المستقبل باحث متخصص في العلاقات الدولية، مص -

ارتبطت تجارب التحول السياسي في عدد كبير من الدول خلال العقود الماضية بصياغة أطر للتعافي من الخبرات التاريخية السلبية التي شهدتها هذه الدول، وهي الخبرات التي تكفلت بإنتاجها تفاعلات داخلية وخارجية، لعل أبرزها حالات الاستعمار وانهيار الإمبراطوريات والحروب الخارجية التي خاضتها بعض الدول وأدت إلى تكريس مظالم تاريخية قوضت بشكل أو بآخر صورة هذه الدول وسمعتها، فيما كان ثمة جانب آخر متصل ببنية مجتمعات ما بعد الاستعمار، والتي اتسمت بدرجة كبيرة من القمع والصراعات الإثنية، وأسست نماذج لمجتمعات هشة ينتشر بها العنف.

اأولاً: �سيا�سات الاإنكار والن�سيان

لقد كان تجاوز الخبرات التاريخية السلبية أمراً ضرورياً للدول لإعادة إنتاج هويات وطنية جديدة تحقق درجة من الاستقرار الممتد، ناهيك عن إعادة صياغة صورة الدولة وسمعتها أو بمعنى آخر صناعة "علامة وطنية" إيجابية للدولة National( Brand) تتجاوز ماضيها السلبي.

ويرتبط ذلك بالتحولات التي شهدتها أدوات السياسة الخارجية والعلاقات بين الدول والتركيز على الصورة الخارجية للدولة وسمعتها التي تستند على تاريخها الوطني، و"الانتقال من العالم الحداثة القائم على الجغرافيا السياسية والسلطة إلى عالم ما بعد الحداثة المُستند بشكل جوهري إلى الصور والنفوذ"، وفقاً لرؤية "فان بيتر هام") .)

1

وتواجه الدول أثناء تعاملها مع الخبرات التاريخية السلبية معضلة الإنكار ورفض الاعتراف بتعقيدات الماضي، ويعد الاعتراف شرطاً أولياً لتأسيس نماذج مغايرة للماضي السلبي، حيث كانت مشروعات الاعتراف وإحياء الذاكرة حاضرة في تجارب دول، مثل ألمانيا وجنوب أفريقيا ورواندا. وكانت هذه المشروعات جزءاً من نماذج تحول أوسع نطاقاً تبدأ بالاعتراف بما جرى من مظالم لبعض الجماعات أو حتى الدول الأخرى، وتكتمل بأطر للتعويض والتصالح والدمج لتجنب تكرار خبرات الماضي.

وعلى النقيض من ذلك، تجادل بعض الأدبيات بأن التغاضي عن الخبرات التاريخية السلبية، وتجنب استعادة هذه الخبرات للذاكرة الحاضرة يمكن أن يسهما في استقرار المجتمع بزعم أن ذلك يمنع إحياء الصراعات القديمة، وعادة ما يكون هذا النموذج مرتبطاً بطبيعة الأنظمة السياسية القائمة في الدول ومدى اتصالها بالماضي، إذ قد يكون الحكم بإدانة الماضي إضعافاً لشرعية هذه الأنظمة وآلية للضغط عليها.

وتقدم الصين أحد النماذج المهمة في هذا السياق، حيث سعت بكين عبر عقود إلى تقويض أية سرديات تاريخية يمكن أن تستدعي تاريخ الحزب الشيوعي في الصين منذ حقبة "ماو تسي تونج" وما ارتبط بهذا التاريخ من خبرات سلبية.

لقد تبنى الحزب الشيوعي، المسيطر على مقاليد السلطة في الصين، سياسة إنكار لم تقتصر فقط على تجنب إصدار أي اعتذار عما جرى في الماضي، أو ظهور مشروعات للذاكرة يمكن أن تلقي الضوء على المظالم التاريخية، ولكنها امتدت لتشمل محاولة إخفاء أية سرديات تاريخية تناقض الرواية الرسمية التي تتبناها السلطة،

وهو ما انطوى على تدخل ورقابة لمنع نشر مقالات ودراسات يمكن أن تفتح المجال لمراجعة تاريخ الحزب الشيوعي) .)

2

واكتسبت "أساليب النسيان" ‪Techniques of(‬ Forgetting) زخماً متزايداً في التاريخ الصيني، ولعل هذا هو ما عبر عنه عالم فيزياء الفلك الصيني "فانج ليزي" Fang( Lizhi) في عام 1990 حينما كتب أن هدف "السياسة الرسمية هو إرغام المجتمع على نسيان تاريخه، خاصة التاريخ الحقيقي للحزب الشيوعي الصيني، وفي إطار إرغام المجتمع على النسيان المستمر، تتطلب السياسة عدم السماح بظهور أي خطاب أو كتاب أو وثيقة أو غيرها من المصادر تتضمن تفاصيل وأحداثاً تاريخية ليست في مصلحة الشيوعيين الصينيين") .)

3

وكان لاتجاهات الإنكار والتجاهل تجلياتها أيضاً، وإن كان بصورة مختلفة، في دول أخرى على غرار تركيا وروسيا، فتركيا تستحضر "سياسة الإنكار" عند التعاطي مع قضية الأرمن، حيث تنكر أنقرة رواية تعرض الأرمن لجرائم عرقية على يد القوات التركية إبان الحرب العالمية الأولى، وتستدعي تركيا في هذا الإطار خطاب المؤامرة كآلية معززة للإنكار، ويفترض الخطاب الرسمي التركي أن "ادعاء حدوث إبادة جماعية للأرمن على أيدي القوات التركية هو بمنزلة أداة للضغط على الأمن القومي والمصلحة الوطنية ومحاولة فرض الحصار الدبلوماسي على الدولة التركية") .)

4

وعلى صعيد آخر، تنبت روسيا سياسة تجاهل الخبرات التاريخية السلبية لاحتواء الانتقادات للتاريخ السوفييتي، لاسيما حقبة ستالين، فخطاب السلطة المراوغ يتجنب وصف الأعمال التي ارتكبها نظام ستالين بأنها جرائم ويركز على وصفها بالأخطاء ويتم تبريرها بالظروف السياسية وسياقات الحرب آنذاك. وهكذا يبدو التاريخ بالنسبة للنظام الروسي - من وجهة نظر "نيكيتا بيتروف" ‪Nikita Petrov(‬ ) - "أداة لتعزيز أيديولوجية الدولة ولا يتم التعامل معه بصورة موضوعية") .)

5

لم تتوقف سياسة الإنكار عند حدود الداخل الروسي ولكنها امتدت إلى الجمهوريات السوفييتية السابقة عبر الضغط على هذه الجمهوريات لمنعها من فتح ملفات الحقبة السوفيتية ومحاسبة المسؤولين عما جرى من جرائم خلالها، وهو ما ظهر في العلاقات بين روسيا وكل من لاتفيا وأستونيا.

وقد أطلقت موسكو حملات دعائية للاحتجاج على سياسات الدولتين وذلك على خلفية إدانة السلطات اللاتفية في عام 2004 ل"فاسيلي كونونوف"، القيادي العسكري السابق بالقوات السوفييتية، بجرائم حرب لمشاركته في قتل تسعة أشخاص غير مسلحين في قرية "مازي باتي" بجمهورية لاتفيا في عام 1944. وفي عام 2008 قامت أستونيا بمحاكمة الموظف الشيوعي السابق "أرنولد ميري" بسبب دوره في عمليات الترحيل الجماعي للمواطنين الأستونيين عام 1949 .)

6(

ثانياً: دوافع «الم�سالحة مع التاريخ»

ثمة تحولات كثيفة ومتلاحقة شهدها المجتمع الدولي خلال العقود الماضية زادت من أهمية تعافي الدول من خبراتها التاريخية السلبية، فالمجتمعات باتت تدرك أن الإرث التاريخي السلبي سيقيد كثيراً من حركتها ويدفع نحو العنف في لحظة ما، ومن جهة أخرى فإن استمرار التجاهل لتجاوزات الماضي ينطوي على تحديات خارجية للدولة ويجعلها عرضة لضغوط مستمرة وانتقادات دولية، فضلاً عن تراجع قدراتها التنافسية في مواجهة الدول الأخرى.

وتستهدف الدول من خلال عملية التعافي إنهاء المعاناة التي يمر بها المجتمع وصياغة إطار جديد للتعايش والسلام بين أفراده، وإصلاح المؤسسات كضمانة لعدم تكرار مأساة الماضي، وبوجه عام تتمثل محفزات التعافي من خبرات الماضي في إعادة بناء الهوية الوطنية للدولة، وإعاة صياغة سمعة الدولة وصورتها الخارجية، أو بمعنى آخر إنتاج العلامة الوطنية للدولة ‪.)Nation Branding(‬

1- إعادة بناء الهوية الوطنية: ارتبط الكثير من تجارب التعافي من خبرات الماضي بعمليات صياغة هوية وطنية مغايرة للدولة تحدث قطيعة مع الماضي الذي سادته ممارسات التفرقة العنصرية، والكراهية المتبادلة بين الطوائف المجتمعية، كما في حالة جنوب أفريقيا ورواندا أو حتى الشعور بالتفوق العنصري كما في حالة النازية في ألمانيا.

وتعد جنوب أفريقيا ضمن الدول التي شهدت عملية إنتاج هوية وطنية وقامت بصياغة شعارات لإعادة بناء الهوية من قبيل "أمة قوس قزح" ‪Rainbow Nation(‬ ) و"الوحدة من خلال التنوع" ‪Unity Through Diversity(‬ ) علاوة على ذلك، فإن البرامج التعليمية التي تبنتها كل من جنوب أفريقيا ورواندا كانت تستهدف في المقام الأول تشييد هوية وطنية جديدة) .) 7

2- صياغة "العلامة الوطنية": فرضت التحولات في النظام الدولي بفعل تأثيرات العولمة والتنافسية بين الدول والمجتمعات الاهتمام بسمعتها وصورتها الخارجية باعتبارها تسمح للدولة بتعزيز نفوذها الخارجي والاندماج بصورة أكبر في النظام الدولي وما يترتب على ذلك من مكاسب.

فإرث الماضي السلبي يعرقل من قدرة الدولة على تشييد صورة إيجابية لها. وتستند الدول على صورتها الخارجية في بناء شبكة من التحالفات الدولية وبالتالي توسيع النفوذ الخارجي للدولة،

تهدف الدول من خلال عملية التعافي من الخبرات التاريخية السلبية إلى إنهاء المعاناة التي يمر بها المجتمع وصياغة إطار جديد للتعايش والسلام بن أفراده، وإصلاح المؤسسات كضمانة لعدم تكرار مأساة الماضي، وبوجه عام تتمثل محفزات التعافي من خبرات الماضي في إعادة بناء الهوية الوطنية للدولة، وإعاة صياغة سمعة الدولة وصورتها الخارجية، أو بمعنى آخر إنتاج العلامة الوطنية للدولة.

ومن منظور الدبلوماسية العامة يتم التركيز على "كسب قلوب وعقول البشر في جميع أنحاء العالم") .)

8

وتفترض الأدبيات أن الدول يمكنها أيضاً أن تطور اقتصاداتها عبر إنتاج "علامات وطنية" مميزة وتنافسية، والتي تجعل لدى الدول والمجتمعات الأخرى تصورات إيجابية تجاه الدول وتجعلهم أكثر استعداداً لشراء منتجات وخدمات هذه الدول، وبالتالي فإن استمرار الإرث التاريخي السلبي من دون معالجة يمكن أن يشكل مدخلاً للترويج لسمعة غير طيبة ووصم الدولة بانعدام الأمن ‪Insecurity Branding(‬ ) وتكون لها انعكاسات كارثية على الدولة وقدرتها على استغلال مواردها وتطوير اقتصادها) .)

9

ثالثاً: مداخل «احتواء الما�سي»

لا تؤسس سياسة الإنكار والإخفاء مساراً مستقراً للتعافي من المشكلات التاريخية لأنها تترك المظالم التاريخية من دون معالجة حقيقية، وهو ما يعني استمرار مغذيات الكراهية الكامنة داخل المجتمع والتي قد تدفع في مرحلة ما إلى العنف إذا خرجت الأمور عن سيطرة السلطة، ومن ثم يشكل الاعتراف بمشكلات الماضي المدخل الأساسي للتعافي من الخبرات السلبية. وفي هذا السياق، يشير استقراء تجارب الدول إلى عدد من آليات التعافي الرئيسية، يتمثل أهمها فيما يلي: 1- مشروعات الذاكرة: تركز "مشروعات الذاكرة" على إحياء الذكرى Commemoration() للأحداث المؤلمة في تاريخ المجتمع للتذكير بمعاناة الضحايا وتحذير المجتمع من إمكانية تكرار هذه الأحداث.

ويُعد الفيلسوف والمحلل النفسي الألماني "كارل ياسبرز" من أهم المفكرين الذين أكدوا فكرة الذاكرة باعتبارها المدخل الجوهري للتخلص من إرث الماضي حيث اعتقد أن التعافي يمكن أن يتم من خلال "زراعة الحقيقة" ‪Cultivation of Truth(‬ ) وخلص إلى أن المجتمع الألماني بعد النازية يمكنه أن يتصالح مع ماضيه فقط من خلال "الوعي التاريخي" ‪Historical Awareness(‬ ) وبالتالي التأسيس لنموذج أخلاقي واجتماعي مستقر) .)

10

وتعد مشروعات الذاكرة جزءاً مركزياً في مسار التعافي لألمانيا من تاريخ النازية، ولهذا طرح الفنان الألماني "جونتر ديمنيج" في عقد التسعينيات مشروعه "حجر عثرة" حيث تم وضع لوحات نحاسية صغيرة في أرصفة المدن والبلدات الألمانية خارج المنازل التي عاش فيها ضحايا القتل النازي قبل أن يلقي القبض عليهم، وتحمل اللوحات أسماء الضحايا وتواريخ وأماكن ميلادهم وموتهم. وسرعان ما أصبح المشروع شائعاً كطريقة لإحياء ذكرى ضحايا النازية) .)

11

واستدعيت مشروعات الذاكرة مجدداً في خضم تعافي جنوب أفريقيا ورواندا من آثار الفصل العنصري وجرائم الإبادة العرقية، فقد شهدت جنوب أفريقيا عدة مشروعات من بينها "حديقة الحرية" في بريتوريا ومتحف "التمييز العنصري" ومتحف "هيكتور بيترسن" التذكاري. وتقوم أوغندا بإحياء ذكرى جرائم الإبادة العرقية في شهر أبريل من كل عام، فضلاً عن ذلك فقد تم إنشاء مشروعات للذاكرة من قبيل "الموقع التذكاري للإبادة الجماعية" في كيجالي ومركز "منع الإبادة الجماعية" بمورامبي) .) 12

2- الحقيقة والمصالحة: قدمت تجارب لجان الحقيقة مقاربة جديدة للمصالحة في مراحل ما بعد الصراعات في ظل ما انطوت عليه من اعتذار عن أحداث الماضي وطلب الغفران من الضحايا وذويهم، ناهيك عن الوصم الأخلاقي لأحداث الماضي أو ما يطلق عليه جون برايثوايت ‪John Braithwaite(‬ ) "الوصم المُحترم" ‪Respectful Shaming(‬ ) الذي يعامل الشخص على أنه "شخص جيد قام بفعل سيئ ويتم إنهاؤه بالتوبة والمغفرة" وهكذا يكون الإحراج والوصم بهدف إعادة الدمج) .)

13

ولقد تأسست "لجنة الحقيقة والمصالحة" في جنوب أفريقيا بعد انتهاء نظام الفصل العنصري كآلية للتعافي المجتمعي، واستند عمل اللجنة إلى فكرة محورية مفادها أن كشف الحقيقة خطوة أولية نحو التعافي المجتمعي، لاسيما أنها أتاحت الفرصة للضحايا وذويهم لاستجواب مرتكبي الجرائم، ومن ثم كانت اللجنة آلية لتفعيل مقاربة التسامح والتوثيق العلني لشكاوى وآلام الضحايا واعتراف المعتدين المتورطين في الجرائم خلال حقبة الفصل العنصري، وقد اعتبر هذا التوثيق العلني نوعاً من التعويض المعنوي للضحايا) .)

14

وعرضت اللجنة، لتحفيز الإخبار بالحقيقة، منح العفو عن المتهمين في الدعاوى المدنية والجنائية إذا تمكنوا من إقناع اللجنة بأنهم قد ارتكبوا الجرائم لتحقيق أهداف سياسية. وفي الوقت ذاته، تم تكليف اللجنة بمهام تحديد طبيعة التعويضات التي يمكن تقديمها للضحايا، وإجراءات دعم الضحايا، وطرح توصيات حول إعادة تأهيل المتورطين في الجرائم، بالإضافة إلى الإصلاحات المؤسسية المطلوبة لضمان عدم تكرار تجربة الماضي) .)

15

3- العدالة الانتقالية: يتم توظيف العدالة الانتقالية ضمن سياقات ما بعد الصراعات، وتعرف الأمم المتحدة مفهوم العدالة الانتقالية بأنه "مجموعة العمليات والآليات المرتبطة بسعي المجتمع لتفهم تركة من تجاوزات الماضي بغية كفالة المساءلة، وإقامة العدالة، وتحقيق المصالحة") (. وقد كانت الإرهاصات الأولى لفكرة

16 العدالة الانتقالية في أعقاب الحرب العالمية الثانية مع المحاكمات التي أجريت لقيادات النظام النازي في ألمانيا.

وشهدت بعض التجارب الدولية محاكمة للمسؤولين عن أحداث الماضي بموازاة لجان الحقيقة والمصالحة، وذلك على غرار سيراليون في مرحلة ما بعد الحرب الأهلية، حيث قام المجتمع الدولي برعاية عمل لجنة الحقيقة والمصالحة، وكذلك محاكمة مرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان.

وفي حالة رواندا تم استحضار نمط العدالة التقليدية المعروف ب "جاكاكا" Gacaca() وشهد هذا النظام التقليدي محاكمة 400 ألف مشتبه بارتكابهم جرائم إبادة جماعية، وذلك خلال 12 ألف

محاكمة عقدت بين عامي 2002 و2012 وكانت تنعقد هذه المحاكم في ساحات القرى في جميع أنحاء رواندا حيث استمعت إلى أكثر من مليون قضية وأشرف عليها قضاة لديهم صلاحية إصدار الأحكام بالسجن) .)

17 4- التجديد السلمي: يطرح مايكل بوج ‪Michael Pugh(‬ ) مصطلح "التجديد السلمي" ‪Peaceful Regeneration(‬ ) كمدخل لعملية تعافٍ مستدامة في مجتمعات ما بعد الصراعات، لاسيما أنه يعبر عن "عملية التكيف الاجتماعي والسياسي والاقتصادي لظروف السلام، والتي تتيح لأفراد المجتمع، بما في ذلك أولئك الذين تم إقصاؤهم وتهميشهم في سياق العنف، أن يساهموا في تحديد أولويات الأهداف المستقبلية، والتي تتجاوز هدف البقاء") .)

18

وتبدو تجارب التعافي من الخبرات التاريخية السلبية محكومة بعدد من الإجراءات لعل أبرزها عمليات الدمج المجتمعي لكافة الفئات، وتبني برامج للتوعية المدنية وصياغة مناهج التعليم على النحو الذي يكرس لتعايش سلمي داخل المجتمع ويقوض سرديات التطرف والتمييز.

وثمة جانب آخر مهم متعلق بعملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية باعتبارها أحد محفزات الاستقرار المجتمعي في مرحلة ما بعد الصراعات، وشرعت دولة رواندا بعد الإبادة العرقية في برنامج للتنمية يركز على قضايا الرعاية الصحية الريفية والتعليم، وعلى الرغم من الإشكاليات التي اعترضت هذا البرنامج فقد حقق بعض الإنجازات وأهمها خفض معدل وفيات الأطفال بنسبة تقرب من 50% خلال الفترة من 2000 إلى 2015 وقد وصفت منظمة اليونيسيف هذا الإنجاز بأنه "أحد أهم الإنجازات في تاريخ البشرية") .)

19 وفي السياق ذاته، تكتسب مسارات التعافي التاريخي وجاهتها من النظر إلى الدولة بوصفها رابطة بين الأجيال ‪Intergenerational Association(‬ ،) بحسب تعبير "جانا ثومبسون"، يتولى فيها الأفراد المنتمون لكل جيل مهمة صيانة وإصلاح المؤسسات والممارسات ونقلها إلى الأجيال التالية، وهو ما يتضمن أيضاً مسؤولية تصحيح إخفاقات الماضي وتقديم تعويضات عن ممارسات الأجيال السابقة المتجاوزة لمبادئ الإنصاف والعدل) .)

20

وتواجه تجارب التعافي من الخبرات التاريخية السلبية تحديات متعددة في ظل تنامي موجات التطرف العالمي بتجلياتها الدينية والقومية، وما يرتبط بها من محاولة استعادة الماضي وتعقيداته وإعادة تصويرها كما لو كانت جزءاً من الكرامة الوطنية، وليس أدل على ذلك من نموذج "النازيين الجدد" في ألمانيا والتيارات اليمينية المتطرفة في أكثر من دولة غربية والتي تستغل "الفرص السياسية" المتاحة لديها من أجل نشر خطابها وحشد التأييد الجماهيري لها.

ختاماً، يظل نجاح تجارب التعافي التاريخي مرهوناً بقدرة الدول على مواجهة تلك التحديات عبر الاستدعاء المستمر لفترات الماضى وأزماته ومشروعات إحياء الذاكرة وتخليد الذكرى التي تذكر المجتمع بمراحل تاريخية كانت موسومة بالكراهية والمظالم، ومن ثم ضمان وجود كتل مجتمعية متماسكة تحافظ على مسار التصالح وتحول دون الارتداد إلى هذا الماضي.

محمد بسيوني عبدالحليم باحث متخصص في العلاقات الدولية، مصر

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.