الملامح الخطرة لصفقات تاريخية قسمت أقاليم العالم

Trending Events - Future Report - - إنـــــذار: -

‪)1945 - 1494(‬

تعــد مشــروعات إعــادة هيكلــة الأقاليــم مــن ثوابــت التفاعــات الدوليـة التـي ترجـع للعصـور الإمبراطوريـة السـابقة علـى نشـأة الـدول القوميـة، ففـي لحظـات تاريخيـة مفصليـة يتـم عقـد صفقات كبــرى بيــن القــوى الدوليــة الرئيســية لإعــادة ترتيــب الأوضــاع فـي إقليـم معيـن ممـا يرسـم الحـدود السياسـية ويشـكل التفاعـات الجيوسياســية فــي هــذا الإقليــم علــى مــدار فتــرة ممتــدة تتجــاوز عقـود وربمـا قـرون طويلـة.

وعلــى مــا يبــدو أن منطقــة الشــرق الأوســط تشــهد مرحلــة تاريخيـة مماثلـة حاليـاً مـع تصاعـد التدخـات الإقليميـة والدوليـة والتحــولات التدريجيــة فــي خريطــة الإقليــم وتغيــر طبيعــة الوحــدات الأساســية وتفاعاتهــا وطــرح مشــروعات متعــددة لإعـادة هيكلـة الإقليـم وبنـاء نظـام إقليمـي جديـد تتفـاوت مامحـه الرئيســية باختــاف مصالــح الأطــراف التــي تطــرح هــذه المشــروعات المتعارضــة.

ويســعى هــذا العــدد مــن تقريــر المســتقبل لعــرض أبــرز الاتفاقيـات الدوليـة التـي سـاهمت فـي تشـكيل المامـح الأساسـية لبعــض أقاليــم العالــم، وذلــك مــن خــال اســتعراض معاهــدة توردســياس )1494( الخاصــة بتقســيم أمريــكا الاتينيــة بيــن إســبانيا والبرتغــال، ومعاهــدة صلــح ويســتفاليا )1643(، التــي أنهــت حــروب الثاثيــن عامــاً فــي القــارة الأوروبيــة، ومؤتمــر برليــن )1884 – 1885( الخــاص بتقســيم غــرب أفريقيــا بيــن القــوى الاســتعمارية الأوروبيــة، واتفاقيــة ســايكس بيكــو ‪1916(، 1915(–‬ التــي مثلــت تفاهمــات بريطانيــة – فرنســية لتقسـيم المشـرق العربـي، فضـاً عـن معاهـدة فرسـاي )1919،) التـي مثلـت أحـدى تسـويات الحـرب العالميـة الأولـى، ومؤتمـر يالطــا )يوليــو 1945(، التــي مثلــت أحــد أهــم المؤتمــرات التــي تـم الاتفـاق فيهـا علـى تسـويات الحـرب العالميـة الثانيـة، ورسـم مامــح النظــام الدولــي التالــي للحــرب.

ويمكـن الخـروج مـن هـذه الاتفاقيـات بعـدد مـن الاسـتنتاجات، تتمثــل أولاهــا فــي أن أيــاً مــن هــذه الاتفاقيــات التــي حــددت المامــح الأساســية لحــدود الإقليــم المعنــي، لــم تســتطع تحقيــق الاسـتقرار سـوى لفتـرة معينـة، وأنـه عـادة مـا اندلعـت صراعات وحــروب تاليــة أعقبتهــا تســويات مختلفــة لتحقيــق الاســتقرار، وعلــى ســبيل المثــال، فــإن رســم مامــح القــارة الأوروبيــة فــي شـكلها الحديـث اسـتلزم علـى الأقـل ثـاث محطـات رئيسـية بـدءاً مــن صلــح ويســتفاليا ومــروراً بتســويات الحربيــن العالميتيــن الأولــى والثانيــة.

ومـن جهـة ثانيـة، فـإن اتفاقيـة سـايكس بيكـو لـم تكن هـي التي رســمت الحــدود الحديثــة لــدول الشــرق الأوســط، ولكــن أعقبهــا العديـد مـن الاتفاقيـات، ومـن ذلـك معاهـدة لـوزان عـام 1923، والتــي بموجبهــا تخلــت تركيــا عــن قبــرص ومصــر والســودان والعــراق وليبيــا، وفــي المقابــل ضمــت إليهــا جــزءاً كبيــراً مــن المـدن السـورية مثـل ميرسـين واضنـه وغـازي عنتـاب وأورفـا، والعديـد مـن المـدن الأخـرى التـي كانـت تابعـة لسـوريا.

ولا يختلـف الأمـر كثيـراً بالنسـبة لقـارة أمريـكا الاتينيـة، فقـد أدت اتفاقيـة توردسـياس إلـى تقسـيم النفوذ البرتغالي – الإسـباني فـي أمريـكا الاتينيـة، ولكـن الحـدود بيـن دول القـارة تـم رسـمها لاحقـاً بعـد سلسـلة مـن الحـروب والصراعـات واتفاقـات السـام.

أمـا ثانـي هـذه الاسـتنتاجات فيتعلـق بـدور العوامـل الخارجيـة فـي تشـكيل مامـح الأقاليـم خـارج القـارة الأوروبيـة، فقـد لعبـت القــوى الأوروبيــة الاســتعمارية دوراً كبيــراً فــي ترســيم الحــدود فـي المنطقـة العربيـة والقـارة الأفريقيـة وأمريـكا الاتينيـة، ومـع ذلــك فإنــه فــي بعــض الحــالات الاســتثنائية لــم يكــن دور القــوى الكبـرى العامـل الحاسـم الوحيـد، فقـد حاولـت الـدول الأوروبيـة المنتصــرة فــي الحــرب فــرض إرادتهــا علــى الدولــة العثمانيــة المنهزمـة مـن خـال اتفـاق سـيفر 1920، إلا أن تركيـا رفضـت هــذه الاتفاقيــة، وتــم التوصــل لاتفــاق آخــر ممثــل فــي معاهــدة لــوزان عــام 1923.

وفــي ضــوء مــا ســبق، يمكــن القــول إن حــل صراعــات المنطقـة لا يتـم بالضـرورة مـن خـال التقسـيم والفصـل، بـل مـن خــال إعــادة بنــاء الدولــة الوطنيــة، علــى الرغــم ممــا تواجهــه مـن أزمـات حقيقيـة، إذ إن أي إعـان لدويلـة جديـدة فـي المنطقـة سـوف يترتـب عليـه خلـق صراعـات جديـدة تمتـد لعقـود. وعلـى الرغــم مــن أن دور القــوى الكبــرى ســوف يكــون محوريــاً فــي أي تقسـيم محتمـل للمنطقـة، فـإن إرادة القـوى الإقليميـة قـد تحـد

مــن الاندفــاع فــي هــذا الاتجــاه. ويمكــن القــول إن الأطروحــات التـي تـروج للتقسـيم باعتبـاره الحـل الأمثـل لصراعـات المنطقـة تتجاهـل العديـد مـن المعطيـات، والتـي يمكـن إجمالهـا فيمـا يلـي: 1- تجاهـل دروس الماضـي: إذ إن أحـد الـدروس الأساسـية التـي يقدمهــا لنــا الاتحــاد الأوروبــي هــو حتميــة التنــوع، وصعوبــة تأسـيس الدولـة القوميـة، أي الدولـة التـي ينتمـي كل مواطنيهـا إلى قوميــة واحــدة، فقــد كانــت أحــد الأســباب التــي أدت إلــى انــدلاع الحــروب التــي شــهدتها أوروبــا، خاصــة الحربيــن العالميتيــن الأولــى والثانيــة، هــو إقامــة الدولــة القوميــة، فقــد ســعت ألمانيــا فـي الحـرب العالميـة الثانيـة إلـى ضـم الأقاليـم التـي يعيـش بهـا السـكان الناطقـون بالألمانيـة، والذيـن تـم فصـل بعضهـم فـي إطار تســويات الحــرب العالميــة الأولــى المذلــة التــي فرضــت علــى برليـن. وقـد أدركـت أوروبـا بعـد سلسـلة مـن الحـروب الطاحنـة، الدينيـة والقوميـة، أن الحـل لا يكمـن سـوى فـي التسـامح.

ومـن جهـة أخـرى، فـإن القـارة الأوروبيـة فـي أعقـاب الحرب العالميــة الثانيــة، لــم تســتطع إقامــة الدولــة القوميــة الخالصــة، علـى الرغـم مـن الجهـود التـي بذلـت فـي هـذا الإطـار، خاصـة بعــد أن اســتقبلت عــدداً كبيــراً مــن المهاجريــن، ســواء لتحريــر أراضيهــا المحتلــة، مــن النــازي فــي أوروبــا، أو لتحقيــق النمــو الاقتصــادي فــي أعقــاب الحــرب، وبالتالــي فــإن مســاعي دولــة قوميــة تهيمــن عليهــا قوميــة واحــدة هــو أمــر يخالــف التطــور الطبيعــي للمجتمعــات.

ويطـرح المشـرق العربـي الإشـكالية نفسـها، فإقليـم كردسـتان حاليــاً يضــم، دون احتســاب المناطــق المتنــازع عليهــا، أقليــات مــن العــرب والتركمــان والمســيحيين، وبالتالــي فــإن أي دويلــة جديــدة ســوف يتــم إنشــاؤها ســوف تقــوم علــى تعــدد القوميــات، ونظــراً لأن إقليــم كردســتان العــراق يعانــي أزمــة فــي نظــام الحكـم، وغيـاب الديمقراطيـة، فإنـه ليـس هنـاك ضمـان بـأن يتـم احتـرام حقـوق تلـك الأقليـات، أي أنـه لـن يكـون هنـاك مسـتقبل أفضــل للأقليــات فــي أي دويلــة جديــدة ناشــئة بالمنطقــة. 2- انتفـاء الاسـتقرار: تتمثـل إحـدى الحجـج الأساسـية التـي يتـم الترويـج لهـا مـن أجـل إقامـة اتفاقيـة إعـادة ترسـيم حـدود المنطقـة هـو تحقيـق الاسـتقرار، فهـم يرجعـون حالـة عـدم الاسـتقرار التـي تشـهدها منطقـة الشـرق الأوسـط إلـى الترسـيم المصطنـع لحـدود المنطقــة، ويطرحــون عاجــاً لهــا مــن خــال إعــادة التقســيم، وإقامــة دويــات جديــدة، ومــن تلــك الأطروحــات مــا طرحــه السـناتور جوزيـف بايـدن فـي عـام 2006 فـي مقـال رأي كتبـه فـي مجلـة النيويـورك تايمـز يـرى فيـه أن تحقيـق الاسـتقرار فـي العــراق يتطلــب تقســيم العــراق إلــى ثاثــة أقاليــم شــبه مســتقلة للشــيعة والســنّة والأكــراد. وفــي نوفمبــر 2015، كتــب الســفير الأمريكـي السـابق إلـى الأمـم المتحـدة، جـون بولتـون، أن هزيمـة "داعــش" تتطلــب الجمــع بيــن اســتخدام القــوة العســكرية وإقامــة دولـة سـنية جديـدة فـي شـمال شـرق سـوريا وغـرب العـراق.

ويتجاهــل أنصــار هــذا الــرأي دروس التاريــخ الحديــث قبــل القديـم، فلـم يرتبـط بإقامـة دولـة جنـوب السـودان في عـام 2011، تحقيـق الاسـتقرار، فعلـى الرغـم مـن إنهـاء الانفصـال للحـروب والصراعــات الأهليــة بيــن شــمال الســودان وجنوبــه بصــورة جزئيــة، فإنــه كتــب بدايــة جديــدة للحــرب الأهليــة الداخليــة بيــن الميليشـيات المسـلحة المواليـة لـكل مـن سـيلفا كيـر، رئيـس دولـة جنــوب الســودان، ونائبــه الأول ريــاك مشــار، ولــم يفلــح اتفــاق السـام الموقـع فـي عـام 2015 فـي إنهـاء حـدة الحـرب الأهليـة.

ولا يقـدم الكيانـات المقترحـة للتقسـيم فـي المشـرق العربـي أي آمـال لمصيـر مختلـف، فإقليـم كردسـتان العـراق، وعلـى الرغـم مــن أنــه الكيــان الفيدرالــي المؤهــل نظريــاً لاســتقال، فإنــه لــم يســتطع حتــى الآن إقامــة مؤسســات موحــدة للحكــم، فاتــزال الإدارة الكرديـة فـي الشـمال تعانـي انقسـاماً بيـن حـزب الاتحـاد الوطنـي الكردسـتاني وحركـة التغييـر فـي السـليمانية مـن جانـب، والحــزب الديمقراطــي الكردســتاني فــي أربيــل ودهــوك مــن جانـب آخـر، وتعانـي أزمـة حكـم، مـع انتهـاء ولايـة رئيـس إقليـم كردسـتان مسـعود البرزانـي فـي عـام 2015، ورفـض التجديـد لـه، وإصـراره علـى البقـاء رئيسـاً للإقليـم. 3- إعــادة إنتــاج الصراعــات: إذ إن التقســيم ينتــج عنــه تحويــل الصراعــات الداخليــة إلــى صــراع دولــي، ولعــل مــن الأمثلــة الواضحــة فــي هــذا الإطــار هــو تقســيم شــبه الجزيــرة الهنديــة، وإقامــة دولتــي الهنــد وباكســتان، إذ إن التقســيم لــم ينــه الصــراع بيــن المســلمين والهنــدوس، بــل أدى إلــى نشــوب نــزاع إقليمــي بيــن البلديــن حــول كشــمير، نتجــت عنــه ثــاث حــروب، فضــاً عــن المناوشــات الحدوديــة التــي تندلــع بيــن البلديــن بصــورة دوريــة.

وتعــد هــذه إحــدى المشــاكل الأساســية التــي تناقــض دعــاوى التقسـيم بحجـة تحقيـق الاسـتقرار، حيـث إن الصراع علـى الحدود والمـوارد بيـن الدويـات الجديـدة هـي التـي سـتقوض الاسـتقرار، خاصــة مــع تركــز الثــروات النفطيــة فــي شــمال العــراق فــي المناطــق المختلطــة عرقيــاً، وحاجــة الدويــات الجديــدة إلــى المـوارد الطبيعيـة لإيجـاد المقومـات الاقتصاديـة لإقامـة الدولـة، وبطبيعــة الحــال، فــإن التداعيــات المترتبــة علــى الصراعــات الدوليـة لـن تقـل عـن نظيرتهـا الداخليـة، وهـو مـا يثيـر التسـاؤل حـول جـدوى الانفصـال إن لـم يترتـب عليـه تحقيـق الاسـتقرار. 4- إدارة مختلفــة للصــراع: الصراعــات الداخليــة لــم يترتــب عليهــا فــي كل الأحــوال تحقيــق الانفصــال، لتحقيــق الاســتقرار، وشـهد التاريـخ العديـد مـن الحـالات التي تمـت تسـوية الصراعات مــن خــال تســوية ســلمية، علــى الرغــم ممــا تعرضــت لــه مــن انتكاســات، ومــن ذلــك التجربــة البريطانيــة مــع الجيــش الجمهـوري الإيرلنـدي فـي إيرلنـدا الشـمالية، والـذي كان يسـعى لاســتقال عــن بريطانيــا، وعلــى الرغــم مــن امتــداد الصــراع لفتــرة زمنيــة طويلــة، وانتــكاس التســويات الســلمية فــي غيــر مـرة، فإنهـا توصلـت فـي النهايـة لاتفـاق سـام فـي عـام 2007. ومـن الأمثلـة كذلـك التجربـة الكنديـة مـع إقليـم كيوبيـك، والـذي ســعى لانفصــال فــي أكثــر مــن مــرة، ولكنــه ظــل فــي النهايــة جـزءاً لا يتجـزأ مـن الدولـة الكنديـة.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.