نموذج بوتين:

محاكاة السياسات الروسية في الانتخابات الصربية

Trending Events - Future Report - - باحثة في العلاقات الدولية - القاهرة - د.إيمان أحمد عبدالحليم

أدى تمكـــن رئيس الـــوزراء الصربي ألكســـندر فوتشـــيتش، من حســـم الانتخابـــات الرئاســـية من الجولـــة الأولى فـــي 2 أبريل 2017، لتصاعـــد الانتقادات الأوروبيـــة واتهامه بمحاولة محاكاة نمـــوذج الرئيـــس الروســـي فلاديمير بوتيـــن فـــي الهيمنة على مؤسســـات الدولة كافة، خاصة في ظل تزايد مؤشـــرات التقارب بيـــن فوتشـــيتش وبوتين، وســـعي الأخير للاعتمـــاد على صربيا في تفكيك المشـــروع الأوروبي في البلقـــان والضغط على الجبل الأســـود التي انضمت لحلف الناتو، وكوســـوفو وغيرها من دول البلقـــان المتحالفة مع المعســـكر الغربي.

اأولاً: النظام الانتخابي ال�سربي

يرجع تأســـيس النظـــام الانتخابي الحالي في صربيـــا إلى مرحلة إعادة بناء مؤسســـات الدولة عقب إبعاد ســـلوبودان ميلوســـيفيتش ســـلمياً عن الســـلطة في أكتوبر من عـــام 2000، إذ مزج النظام الانتخابـــي بيـــن مزايا النظـــم البرلمانيـــة والرئاســـية من خلال توزيع للســـلطات يعطي الســـلطة التشـــريعية صلاحيات واسعة في مقابل منح بعـــض الصلاحيات التنفيذية لرئيـــس الجمهورية. وتمثـــل "الجمعيـــة الوطنية" الســـلطة التشـــريعية، وتضم 250 عضـــواً يتم انتخابهم بنظام التمثيل النســـبي مـــن خلال التصويت لقوائـــم الأحزاب التي يشـــترط حصول كل منها على نســـبة 5% من أصـــوات الناخبين كي يتـــم تمثيلها في "الجمعيـــة الوطنية"، باســـتثناء الأحزاب القوميـــة للأقليات، التي يكفيهـــا الوصول إلى نسبة 1(% 0.4.)

وتســـببت التعدديـــة الحزبية والنظـــام الانتخابـــي القائم على التمثيل النســـبي في عدم تمكن أي حزب مـــن الحصول على عدد المقاعد الكافِ لتشـــكيل الحكومة بمفرده وشـــيوع نمط الحكومات الائتلافيـــة، حيث يتولى رئاســـة الوزراء رئيس الحـــزب الحائز علـــى الأكثرية ويقوم بتشـــكيل الحكومة وصياغـــة البرنامج الذي يتم عرضه على الســـلطة التشـــريعية للحصول علـــى الثقة)2.)

وفـــي مقابل الســـلطات الواســـعة لرئيس الحكومـــة، يلاحظ أن رئيـــس الجمهورية يحظـــى ببعض الصلاحيـــات المهمة مثل اقتـــراح التشـــريعات، وتعيين رئيس للـــوزراء رســـمياً، وتعيين الســـفراء وكبار المســـؤولين في الجهاز الإداري للدولة، بالإضافة لذلك يـــؤدي الرئيس صلاحيـــات رمزية تتمثل فـــي الحفاظ على الســـيادة الوطنيـــة وتمثيل الدولة فـــي الداخل والخـــارج، كما يعد الرئيس غير مســـؤول أمـــام الجمعية الوطنية، حيـــث يتم انتخابه بصورة مباشـــرة من قِبـــل الناخبين، ولمدة خمســـة أعوام، يمكن أن تجـــدد مـــرة واحدة فقط عبـــر الانتخاب)3.)

وتتم تســـمية المرشـــحين للانتخابـــات من خـــلال الأحزاب السياســـية والائتلافـــات الحزبية، كما يُطلب من المرشـــحين جمع ما لا يقل عـــن 10 آلاف توقيع صحيح من الناخبين المؤهلين قبل خوض الانتخابـــات. ولكي يتم انتخابه من الجولـــة الأولى، يجب أن يحصل المرشـــح الفائـــز على ‪+1" "50%‬ مـــن الأصوات، وإذا لم يحصل أي مرشـــح على هذه النســـبة يخوض المرشـــحان الحاصلان على أكبـــر عدد من الأصوات جولـــة انتخابات ثانية، فـــي غضون 15 يوماً مـــن الجولة الأولى))4

ثانياً: نتائج الانتخابات الرئا�سية

شـــهدت صربيا في 2 أبريـــل 2017، انتخابـــات عامة لاختيار رئيـــس جديـــد، تنافس خلالهـــا 11 مرشـــحاً، وتمثلـــت النتيجة

باحثة في العلاقات الدولية - القاهرة

الأبـــرز للانتخابـــات فـــي تمكن رئيـــس الوزراء الحالي ألكســـندر فوتشـــيتش، من الفـــوز في الجولة الأولـــى ومـــن دون الحاجة لجولة إعادة ثانية، بحصوله على نســـبة 55% مـــن أصـــوات الناخبيـــن، وبعـــدد 2 مليون صـــوت تقريباً، متقدمـــاً بفارق شاســـع عن أقرب منافـــس له من ضمن المرشـــحين العشـــرة، مرشـــح يســـار الوسط ساســـا جانكوفيتـــش، الذي حصل على حوالـــى 16.36%، وليكون فوتشـــيتش ثامن رئيس للجمهورية الصربية) 5 .)

وينتمي فوتشـــيتش - البالغ من العمـــر 47 عاماً - إلـــى "الحزب التقدمـــي الصربـــي"، وهو جناح منشـــق عن "الحـــزب الراديكالي الصربـــي" الذي كان فوتشـــيتش نائبـــاً عنه فـــي البرلمـــان وأميناً عامـــاً له في عـــام 1995، عندما وقعت مذبحة "سريبرينيتســـا" بالبوســـنة والهرســـك، لكنه غادر صربيا في عام 2008، وعمل على تأســـيس حزب أكثر اعتـــدالاً مقارنة بــــالحزب الراديكالي الصربـــي، وكان ذلـــك بمنزلـــة القطيعة لفوتشـــيتش مع ماضيه ا لمتطر ف .

شـــغل فوتشـــيتش مناصب متعـــددة من بينهـــا وزارة الدفاع في عـــام 2012، ورئاســـة الـــوزراء بعد حصـــول حزبه على الأكثريـــة البرلمانيـــة في عـــام 2014، وهو ما تكـــرر في عام 2016، حينمـــا تمكن مـــن الاحتفاظ بالأكثريـــة البرلمانية وقيادة الحكومـــة الائتلافيـــة عقب الانتخابـــات التشـــريعية التي أجريت في عـــام 6( 2016.)

ولم يكن فوز فوتشـــيتش مفاجأة لمتابعي الشـــأن الصربي في ظل تأكيد اســـتطلاعات الرأي على تمتعه بشـــعبية كبيرة بســـبب نجاحـــه فـــي تحقيق الاســـتقرار السياســـي لصربيا خـــلال فترة حكمه كرئيـــس للـــوزراء، والأداء الاقتصادي الجيـــد لحكومته، وانقســـام أحزاب المعارضة وتشـــتت أصوات كتـــل المعارضة بين 10 مرشـــحين)7.)

وجـــاء في المركز الثانـــي في الانتخابات ساســـا جانكوفيتش وزير الاقتصاد الصربي الســـابق، بعد حصولـــه على 16.6% مـــن الأصـــوات)8(، وربما كانـــت المفاجأة الأكبـــر هي حصول الممثـــل الكوميدي لـــوكا ماكســـيموفيتش البالغ مـــن العمر 25 عامـــاً على المرتبـــة الثالثة بحصوله علـــى 9.4% من أصوات الناخبيـــن، ليتغلب بذلك على العديد من السياســـيين المخضرمين، مـــن بينهم وزيـــر الخارجية الأســـبق فوك يريميتـــش، في نتيجة ربمـــا تدل علـــى تراجـــع ثقـــة الناخبين فـــي الطبقة السياســـية التقليدية وســـعي الناخبين للســـخرية من النخب السياســـية)9.)

وفـــي المقابل فقـــد القوميـــون المتطرفون معظـــم الدعم الذي تمتعـــوا به في فتـــرة ســـابقة، ولم يتمكن فويســـلاف شيشـــيليرئيـــس "الحـــزب الراديكالـــي الصربـــي" الـــذي برأتـــه محكمة الجـــزاء الدولية الخاصـــة بالنظر في جرائم الحرب بيوغوســـلافيا العـــام الماضي من ارتـــكاب جرائم الحرب ضد الإنســـانية - من الوصول إلى نســـبة 5% من الأصوات. والحال نفســـه بالنســـبة لزعيم حركـــة "دفيري" اليميني المتطرف بوســـكو أوبرادوفيتش، الذي له تقريباً خطاب وآراء شيشـــيلي نفســـها، فقـــد كانت نتيجته أســـوأ بحصوله على نســـبة 2.3% من أصـــوات الناخبين)10.)

ثالثاً: انتقادات المعار�سة ال�سيا�سية

علـــى الرغم من أن الفوز الكبير الذي حققه ألكســـندر فوتشـــيتش كان متوقعـــاً، خصوصـــاً أن البلاد تمكنت في فترة حكمه رئيســـاً للـــوزراء منـــذ عـــام 2014 ، من تســـجيل نمو اقتصـــادي بلغ 2.8% فـــي عـــام 2016، فضـــلاً عن تراجـــع الديـــون العامة للدولـــة)11(، فقد شـــهدت صربيا احتجاجات شـــعبية تواصلت على مدى أســـبوع، مع اتهام المرشـــح الحاصل علـــى المركز الثاني، ساســـا جانكوفيتش، الرئيس الجديد بارتـــكاب مخالفات أثرت على نزاهـــة الانتخابات، داعيـــاً لإعادة فرز الأصوات بشـــكل جزئي، وهـــي المرة الأولـــى التي يتحدث فيها أحد خصوم فوتشـــيتش عن مخالفات خـــلال الاقتراع)12.)

ويرتبـــط ذلـــك بالاتهامـــات التـــي واجههـــا الرئيـــس الجديد باحتـــكاره نســـبة 58% مـــن وقـــت الدعاية في وســـائل الإعلام الرســـمية بالمقارنـــة مـــع جانكوفيتـــش، الذي حصـــل على 7% فقط، وذلـــك فضلاً عـــن تغطية أنشـــطته كرئيس للـــوزراء)13،) كما تصاعدت الاتهامات لفوتشـــيتش، وحزبه بالســـعي للاستحواذ على الســـلطة والتوســـع في صلاحيات الرئيس لإعادة إنتاج نظام ســـلوبودان ميلوســـوفيتش، إذ يفترض أن الســـلطات التنفيذية في

صربيا منوطة أساســـاً برئيس الوزراء، مقابل المنصب الشـــرفي للرئيـــس، ممـــا يثير علامـــات اســـتفهام حول هدف فوتشـــيتش التحـــول لخـــوض انتخابات الرئاســـة، بعـــد أن عقـــدت صربيا انتخابـــات برلمانية مبكـــرة في عـــام 2016، كان يمكن أن تبقيه فـــي منصبه القـــوي حتى عـــام 14( 2020.)

وفي هـــذا الإطار رأى بعض المتابعين أن وصول فوتشـــيتش للرئاســـة يعد تعزيزاً لهيمنة "الحزب التقدمـــي الصربي" الحاكم، باحتكار منصبي الرئيس ورئاســـة الحكومـــة، وفي ظل الائتلاف البرلماني الـــذي يقوده الحزب في البرلمـــان ويضمن له الأغلبية. فيمكن لفوتشـــيتش اختيار خليفـــة موالياً له من حزبـــه الذي يقود الائتـــلاف البرلماني كرئيس للوزراء، ومن ثـــم التحكم مجدداً في تشـــكيل الحكومـــة الصربية المقبلـــة، وهذا النوع مـــن الترتيبات ليـــس جديداً تمامـــاً على السياســـة الصربية، فهناك ســـوابق لها، أبرزها خلال الولاية الرئاســـية الثانية لبوريـــس تاديتش، من عام 2008 إلـــى عام 2012، حيث قاد "الحـــزب الديمقراطي"، أكبر حزب فـــي صربيا في ذلـــك الوقت، وعيّن ميركـــو كفيتكوفيتش، وهو سياســـي غير حزبي، رئيســـاً رســـمياً لمجلس الوزراء، لكنه أبقى على الســـلطة الحقيقية فـــي يده)15.)

رابعاً: م�ستقبل علاقة �سربيا بالاتحاد الاأوروبي

أثـــرت نتائج الانتخابـــات على ملف عضوية صربيـــا في الاتحاد الأوروبي، فعلى مدار ســـنوات ســـعت صربيـــا لعضوية الاتحاد، وقدمـــت طلبهـــا بهذا الشـــأن قبـــل 4 ســـنوات، وقام فوتشـــيتش بـــدور محوري فـــي مفاوضات الانضمـــام التي تضمنـــت إبرام اتفاق مع كوســـوفو عـــام 2013، يمنح الإقليم بعض الســـلطات والصلاحيـــات، حيـــث دعا فوتشـــيتش إلـــى "تناســـي الماضي والتفكير في المســـتقبل")16.)

وعقـــب فـــوزه فـــي الانتخابـــات، أعـــاد فوتشـــيتش تعهده بالاســـتمرار فـــي طريق انضمام بـــلاده إلى الاتحـــاد الأوروبي، وأيضـــاً تعزيز العلاقات الودية مع روســـيا والصيـــن، وقال: "لقد أظهر الناخبـــون الطريق الذي يريدون أن تســـلكه صربيا، والتي ســـتبقى على المســـار الأوروبـــي والإصلاحي، ولكنها ســـتبقى أيضـــاً صديقه لروســـيا والصين")17.)

وبينمـــا كان التعهـــد بالانضمام للاتحـــاد الأوروبي هو الذي دفـــع حزب فوتشـــيتش إلى الســـلطة فـــي عـــام 2012، إلا أنه خـــلال الانتخابـــات الأخيرة لـــم تركز برامج معظم المرشـــحين علـــى عضوية الاتحـــاد الأوروبـــي بـــذات القـــدر، خاصةً أن اســـتطلاعات الرأي قـــد أظهرت تراجع تأييـــد الانضمام للاتحاد الأوروبي بيـــن المواطنيـــن الصربيين)18.)

ويرجـــع التغير فـــي الموقف الصربـــي تجـــاه الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي للدعم المالي والعســـكري والسياســـي الواســـع الذي تلقته صربيا من روســـيا لإبداء تشـــدد أكبـــر تجاه الاعتراف باســـتقلال كوســـوفو، ولمواجهة ســـعي جمهورية الجبل الأســـود للانضمام للاتحـــاد الأوروبي)19.)

وقـــد أثـــر الرئيس الروســـي فلاديمير بوتين، علـــى توجهات فوتشـــيتش خـــلال زيارته روســـيا في الأســـبوع الســـابق على الانتخابـــات وحصل على وعد بمنح بلاده المزيد من المســـاعدات العســـكرية في إطار ســـعي روســـيا لتشـــكيل تحالف قوي للدول الســـلافية الأرثوذكســـية في البلقان)20.)

وختامـــاً، من المرجـــح أن يؤدي هذا التقارب مع روســـيا إلى توتـــر علاقـــات صربيا مع الاتحـــاد الأوروبي وتأجيـــل مراجعة ملـــف عضويتها، في ظل تصاعـــد الانتقادات مـــن جانب قيادات الـــدول الأوروبيـــة للانتخابـــات الصربية، والاتهامـــات الخاصة بنزوع فوتشـــيتش إلى احتكار الســـلطة في محاولة لتكرار نموذج هيمنـــة الرئيس الروســـي فلاديمير بوتين على مؤسســـات الدولة الروســـية، كما أن التقارب مع موســـكو ســـيزيد مـــن احتمالات الصـــدام بين صربيا والدول الرئيســـية بالاتحـــاد الأوروبي.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.