عودة اليسار:

انحسار التيارات المحافظة في انتخابات النرويج

Trending Events - Future Report - - مدرس مساعد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية ـ جامعة - رغدة البهي

تصاعدت حدة الجدل حول قضايا الهجرة والعمل والطاقة والمناخ بين الأحزاب السياسية النرويجية، على الرغم من أن الانتخابات البرلمانية المقبلة في النرويج سوف تعقد في سبتمبر 2017، إذ انعكست أجواء الاحتقان والتوتر المصاحبة للانتخابات في الدول الأوروبية الرئيسية، مثل فرنسا وألمانيا، لتضفي زخماً على التنافس السياسي بين القوى الرئيسية في النرويج، قبل البدء الرسمي للحملات الانتخابية، في ظل صعود تأييد حزب العمل الممثل لقوى اليسار في النرويج.

اأولاً: النظام الانتخابي النرويجي

تُصنف النرويج ضمن النظم الملكية البرلمانية، حيث يحدد الملك يوم الانتخابات البرلمانية التي تعقد عادة يوم الاثنين في النصف الأول من شهر سبتمبر. ووفقاً للدستور النرويجي أيضاً، يتم انتخاب النواب بنظام الانتخاب الفردي في بعض الدوائر، والتمثيل النسبي في عدد من الدوائر والمقاطعات الانتخابية.

وتُقسّم النرويج إلى 19 دائرة انتخابية، ويتباين عدد النواب من دائرة إلى أخرى تبعاً لمساحة كل منها وحجم سكانها. ويبلغ عدد النواب المنتخبين 150 نائباً ‪Constituency Representatives(‬ ،) ويخصص تسعة عشر مقعداً – أي مقعد واحد لكل مقاطعة - كمقاعد عامة تعويضية لاستدراك أي مشكلات في النتائج الرسمية المعتمدة، حيث لا توجد انتخابات تكميلية)1.)

يحق لجميع المواطنين النرويجيين الذين تزيد أعمارهم على 18 سنة التصويت في الانتخابات، ويجب أن يكونوا قد وصلوا إلى هذا العمر بحلول نهاية العام الذي تجرى فيه الانتخابات. كما يحق لمن أقام بالنرويج لمدة عشر سنوات على الأقل الترشح للانتخابات البرلمانية، باستثناء قضاة المحكمة العليا وموظفيها)2.)

وينطبق هذا على أعضاء المحكمة العليا والموظفين العاملين في السلكين الدبلوماسي والقنصلي. ويقر البرلمان صحة الانتخاب بالنسبة لأعضائه، وله سلطة النظر في الطعون على القرارات المتعلقة بالنزاعات حول حق الاقتراع.

ويضع الدستور وقانون الانتخابات الصادر عام 2002 مسؤولية إجراء الانتخابات على عاتق وزارة الحكم المحلي والبلديات، وعلى أثر التعديلات الإضافية التي صدرت عام 2005، حدد قانون الانتخابات أربعة هيئات انتخابية هي: مجالس الانتخابات، التي تنتخبها مجالس البلديات، ولجان مراكز الاقتراع، التي تعينها مجالس البلديات، ومجالس انتخابات المقاطعات، التي تنتخبها مجالس المقاطعات، ومجلس الانتخابات الوطني، الذي تعينه الحكومة في العام الذي يشهد الانتخابات البرلمانية)3.)

ولا يعد مجلس الانتخابات الوطني هيئة دائمة، حيث تنتهي فترة ولايته بالتصديق على نتائج الانتخابات البرلمانية. ويتألف المجلس من خمسة أعضاء على الأقل. ويُرشِح كل حزب حاصل على مقاعد في البرلمان رجلاً وسيدة لعضوية المجلس، حيث تقوم الحكومة بتعيين أحدهما عضواً والآخر عضواً احتياطياً. وتنحصر صلاحيات المجلس في توزيع المقاعد التعويضية على المستوى الوطني، وإخطار مجالس انتخابات المقاطعات بنتائج الانتخابات، والنظر في الشكاوى)4.)

وتتكون السلطة التشريعية في النرويج من مجلس واحد يسمى "ستورتينج" Stortinget(،) مقره أوسلو، ويضطلع بمهمة مراقبة الحكومة، وسن القوانين، ويتم انتخابه مرة واحدة كل أربع سنوات. ولا يقر الدستور النرويجي إجراء أي انتخابات مبكرة، فلا يمكن حل البرلمان من دون تعديل الدستور.

مدرس مساعد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية ـ جامعة القاهرة

وقد أجريت آخر انتخابات في سبتمبر 2013، والتي أسفرت عن فوز حزب العمل بحوالي 55 مقعداً، ليصبح بذلك أكبر أحزاب المعارضة، فضلاً عن فوز حزب المحافظين بـ 48 مقعداً، ليشكل – بالتحالف مع حزب التقدم - حكومة يمين الوسط بقيادة إرنا سولبرج، وقد حازت على ثقة كل من الليبراليين والديمقراطيين المسيحيين، ومن المقرر إجراء الانتخابات البرلمانية النرويجية القادمة في 11 سبتمبر20175(.)

ثانياً: خريطة القوى ال�سيا�سية

تصف الأدبيات النظام الحزبي النرويجي بالتعددي غير المستقر)6(، إذ يبلغ عدد الأحزاب الرئيسة ذات الثقل السياسي سبعة أحزاب)7(، يتميز كل منها بالاستقرار الداخلي والتماسك وانتشار القواعد الشعبية)8(، وتتمثل أهم الأحزاب المشاركة في الانتخابات التشريعية في سبتمبر 2017 فيما يلي: 1- حزب العمل: يعد أكبر الأحزاب في البرلمان الحالي بعد حصوله على 55 مقعداً في سبتمبر 2013، ويصف نفسه بأنه حزب اجتماعي ديمقراطي من يسار الوسط، ويرأس الحزب وزير الخارجية السابق "جوناس جاهر ستور" الذي شغل منصب زعيم الحزب وزعيم المعارضة منذ يونيو عام 2014، وينادي الحزب بدولة الرفاهية، والتوزيع العادل للثروة.

وتمكن حزب العمل من البقاء في صدارة الأحزاب عندما استمر على رأس الحكومة على مدى ثلاثين عاماً، كما حصل في انتخابات عام 1985 على 71 مقعداً.

وتتميز برامج الحزب بالراديكالية على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي، ويؤيد التخطيط المركزي والتدخل الحكومي في الاقتصاد، وقاد الحزب محاولة ربط النرويج بالسوق الأوروبية المشتركة، ولكنه تخلى عن ذلك بعد أن أظهر الشعب ممانعته لهذا التوجه. ولذلك قام الحزب بتغيير بعضاً من ثوابته ومنهجه، وتحول إلى سياسة السوق الحرة والخصخصة، مما أدى إلى تحول مؤيديه عنه عام 2001، إلا أنه استعاد موقعه في الصدارة لدورتين انتخابيتين متتاليتين بعد أن حصل على أعلى عدد من المقاعد في عامي 2009 و20139(.)

2- حزب المحافظين: وهو أكبر حزب في الحكومة الحالية، ويشغل حالياً 48 مقعداً، بعد أن حصل على ما يقرب من 27% من الأصوات، زعيم حزب المحافظين هو رئيس الوزراء إرنا سولبرج.

وينتمي حزب المحافظين إلى تيار يمين الوسط في المشهد السياسي النرويجي، ويؤيد رسمياً أيديولوجية محافظة ليبرالية، ويدافع الحزب عن الحقوق الشخصية، والمسؤولية الاجتماعية. شكل حزب المحافظين لأول مرة في عام 1981 حكومة أقلية، أصبحت فيما بعد حكومة أغلبية بعد تحالفها مع حزبي الوسط والشعب المسيحي. وبتحالفه مع حزب التقدم، شكل حزب المحافظين الحكومة الحالية. 3- حزب التقدم ‪:)Progress Party(‬ يقود حزب التقدم سيف جنسن، وقد نجح الحزب في الفوز بحوالي 29 مقعداً في الانتخابات السابقة، ويدافع عن اقتصاد السوق وحرية التجارة، رافعاً شعار "دعه يعمل، دعه يمر". 4- الحزب الديمقراطي المسيحي ‪Christian Democratic(‬ :)Party وهو حزب وسطي يقوم على القيم الديمقراطية المسيحية، وقد نجح في الفوز بعشرة مقاعد في الانتخابات السابقة، ويقود الحزب "كنوت أريلد هاريد"، وشارك في انتخابات عام 2013 كداعم لائتلاف يمين الوسط بقيادة المحافظين، وللحزب آراءٌ محافظة تعارض القتل الرحيم، والإجهاض. 5- حزب الوسط ‪:)Centre Party(‬ هو خامس أكبر حزب في المجلس التشريعي النرويجي، بفوزه بعشرة مقاعد. ويقوده "تريجفي سلاغسفولد فيدوم". ويدافع الحزب عن المساواة الاجتماعية وحماية البيئة. 6- الحزب الليبرالي ‪:)Liberal Party(‬ يشغل حالياً 9 مقاعد في البرلمان النرويجي، ويركز على القضايا البيئية والتعليم، والأعمال التجارية الصغرى، والقضايا الاجتماعية، وله علاقة وثيقة بالديمقراطيين المسيحيين. 7- حزب اليسار الاشتراكي ‪:)Socialist Left Party(‬ هو ثاني أصغر حزب في البرلمان بحصوله على سبعة مقاعد فقط، ويعتبر نفسه اشتراكياً ديمقراطياً وبيئياً، يناصر دولة الرفاهية، وفرض الضرائب على الأثرياء، وترأس الحزب - منذ عام 2012 –" أودون ليسباكين." 8- حزب الخضر‪Green Party(‬ :) قدم أول ظهور له في البرلمان النرويجي في انتخابات عام 2013، وحصل على مقعد واحد من منطقة أوسلو. وحزب الخضر ليس لديه زعيم رسمي، وإنما لديه اثنان من المتحدثين الوطنيين، هما: "ون إينا باسثولم" و"راسموس هانسون". وينأى الحزب بنفسه عن كونه يمينياً أو يسارياً ويقدم نفسه بصفته حزباً بيئياً، يناصر قضايا الاستدامة الايكولوجية، وحماية البيئة)10.)

وفي الفترة التي تسبق الانتخابات البرلمانية، تجري منظمات عدة استطلاعات لرأي الناخبين، كان آخرها استطلاع الرأي الذي أجرته شركة نورفاكتا لاستطلاعات الرأي ‪Norfakta poll(‬ ) والذي حصد فيه حزب العمل غالبية الأصوات، بنسبة 34.4،% يليه في ذلك حزب المحافظين بنسبة 25.3%، ثم حزب التقدم بنسبة 12.6% من الأصوات)11.)

وتتقارب تلك النسب كافة بالمقارنة باستطلاع الرأي الذي أجرته شركة انفاكت InFact(،) في مارس الماضي. والذي تصدر فيه حزب العمل صدارة المشهد، بنسبة 35.6%، يليه حزب المحافظين بنسبة 20.8%، ثم حزب التقدم بنسبة 12(% 11.1.) ولا يختلف الأمر كثيراً بالمقارنة باستطلاعات رأي أخرى أجرتها شركات مثل تي إن إس جالوب ‪TNS Gallup(‬ ،) ونورستات Norstat(،) ورسبونس Response(،) حيث احتل حزب العمل موقع الصدارة بنسبة فاقت 30% من الأصوات، يليه حزب المحافظين بنسب تفوق 20%، ثم حزب التقدم بنسب تصل إلى 14% من إجمالي الأصوات.

ولعل القواسم المشتركة بين تلك الاستطلاعات كافة تتمثل في صدارة حزب العمل، وهو حزب المعارضة الرئيسي في النرويج،

بيد أنها تُنذر - في المقابل - بتكوين حكومة ائتلافية، لعدم قدرة أي من الأحزاب على حصد الأغلبية المطلقة من الأصوات.

ففي الانتخابات المحلية الماضية، تراجع التصويت لصالح حزبي المحافظين وحزب التقدم. كما فقد المحافظون السيطرة على أكبر مدينتين في النرويج هما أوسلو وبيرجن، وزادت نسبة التصويت لحزب العمل إلى 33%، محققاً أفضل نتائج له في الانتخابات المحلية منذ 28 عاماً.

ثالثاً: الق�سايا ال�سيا�سية الخلافية

تتصدر ثلاث قضايا الجدل بين القوى السياسية النرويجية قبيل البدء الرسمي للحملات الانتخابية، وهي: 1- استعادة النمو الاقتصادي: حيث تواجه مختلف الأحزاب السياسية سؤالاً جوهرياً حول كيفية مواجهة التباطؤ في النمو الاقتصادي وتزايد معدلات البطالة، خاصة في الجنوب الغربي للدولة بسبب الانخفاض في أسعار النفط. 2- سياسات التوظيف: يعارض كل من حزب العمل والاتحاد النرويجي لنقابات العمال السياسات الليبرالية التي اتبعتها الحكومة النرويجية لتوفير فرص العمل من خلال الاعتماد على عقود التوظيف المؤقت، وخطط التناوب الوظيفي والتوظيف المرن التي لا تقدم ضمانات كافية للعمال)13.) 3- تعزيز التماسك الاجتماعي: تركز الأحزاب السياسية كافة في خطابها على كيفية مواجهة الانقسامات الاجتماعية المتزايدة، خاصة بعد تزايد معدلات الهجرة، حيث تصاعدت اتجاهات جماهيرية رافضة لتدفقات المهاجرين وتدعو لتشديد إجراءات تأمين الحدود. 4- الأمن البيئي: تشغل قضايا الاحتباس الحراري والتغير المناخي حيزاً مهماً ضمن الجدل بين القوى السياسية الرئيسية في النرويج، في ظل تركيز حزب الخضر وحزب الوسط على القضايا البيئية باعتبارها في صدارة اهتماماتهم.

رابعاً: �سيناريوهات نتائج الانتخابات الت�سريعية

على الرغم من نجاح التيار اليميني المتطرف في أن يقدم نفسه للشعوب الأوروبية كبديلٍ للتيارات المحافظة الأخرى، وتحقيقه صعوداً غير مسبوق بعد النجاح الذي حققه في بريطانيا، بفوز تيار "بريكسيت" في استفتاءٍ تاريخي، وتصاعد نداءات اليمين في العديد من الدول الأوروبية بالانفصال عن الاتحاد الأوروبي، مما أثار مخاوف من احتمالات انهيار الاتحاد بخروج دوله واحدةً تلو الأخرى)14(، فإن المؤشرات السياسية في النرويج ونتائج استطلاعات الرأي لا تبعث على ذلك لسببين؛ أولهما، أن النرويج ليست دولة عضوة في الاتحاد الأوروبي، وإن ارتبطت معه بشراكة اقتصادية في إطار المنطقة الاقتصادية الأوروبية.

أما السبب الثاني فيتمثل في أن الأحزاب النرويجية لطالما تمكنت من احتواء اليمين المتطرف)15(؛ ففي الانتخابات البرلمانية السابقة، وصل حزب التقدم – الذي ينتمى لليمين المتطرف - إلى السلطة كجزء صغير من حكومة ائتلافية بالتحالف مع حزب المحافظين.

وختاماً، من المرجح أن تتشكل الحكومة النرويجية من خلال عدة سيناريوهات أولها، تحالف حزبي المحافظين والتقدم، واستمرارهما في السلطة، كي تُتاح لهم الفرصة لاستكمال الإصلاحات الكبرى في قطاعات الصحة، والتعليم، والقطاع العام. وثانيها، أن تشهد الانتخابات معركة ضارية بين اليمين واليسار، وتحديداً بين رئيس الوزراء إرنا سولبرج وزعيم المعارضة جوناس جاهر ستوري.

أما السيناريو الثالث فيتمثل في سحب الحزب الديمقراطي المسيحي تأييده لليمين لصالح اليسار، ليكون بذلك رمانة الميزان بين كليهما، لذا من المتوقع أن يحاول كل من رئيس الوزراء وزعيم المعارضة جاهدين للفوز بتأييده. ويتمثل رابع هذه السيناريوهات في حشد الدعم للائتلاف الحاكم بفعل حدوث ارتفاع طفيف أسعار النفط والتحسن النسبي في الأوضاع الاقتصادية.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.