تطورات جيوسياسية

تبدل خريطة التحالفات الاسراتيجية في آسيا

Trending Events - - كيف يفكر العالم الثاني؟ -

شهدت الساحة السياسية في آسيا عدداً من التغيرات الواضحة مؤخراً، فتغير القيادات في دول مثل الهند والصين واليابان وكوريا الجنوبية ينبئ بتغيير جيوسياسي واسع في آسيا، ويبدو أن هناك روحاً تنافسية متزايدة بين الدول من أجل التأثير الاستراتيجي على مستقبل المنطقة.

تشهد الساحة الآسيوية العديد من التغيرات، منها ما يرتبط بتبدل التحالفات، وتحسين العلاقات بين بعض الدول، ويبدو أن لهذا الاتجاه أثراً بعيد المدى على سياسات الإقليم الآسيوي بأكمله. ومن ثم فإن مقاربة التطور الذي تمر به العلاقات بين دول هذه المنطقة من القضايا شديدة الأهمية.

أولاً: تطور العلاقات الهندية – اليابانية

صوتت الهند من أجل التغيير الحكومي فكانت النتيجة ترؤس حزب بهاراتيا جاناتا القومي تحت زعامة ناريندرا مودي، وكانت للسياسة الخارجية أولوية مهمة بالنسبة لحكومة مودي، فلقد قام بزيارة دولتين صغيرتين مجاورتين هما بوتان ونيبال عقب توليه رئاسة الحكومة، الأمر الذي يؤكد تركيز الهند على إقامة علاقات تعاونية مع جيرانها وتأكيدها على أهمية التعايش السلمي في المنطقة.

ولم تكن زيارة مودي لليابان في أواخر شهر أغسطس 2014، والتي استمرت خمسة أيام، مبشرةً بعهد جديد للعلاقات الهندية – اليابانية فحسب، بل ومثلت أيضاً خطوة استراتيجية مهمة من شأنها التأثير على الأوضاع الجيوسياسية لآسيا. ووقعّت الدولتان أثناء تلك الزيارة عدة اتفاقيات، منها اتفاقيات تجارة واستثمار ودفاع. وتُعد الهند واليابان قوتين اقتصاديتين كبريين في آسيا، لذا فإن زيادة التعاون بينهما ستؤدي حتماً لتداعيات على المنطقة بأسرها. ولقد دعا مودي المستثمرين اليابانيين للاستثمار في الهند باعتبارها مركزاً للتصنيع منخفض التكلفة، كما صرح بأن الهند ستقدم للمستثمرين اليابانيين ثلاثة عناصر مهمة: الديمقراطية والديموغرافية والسوق الواسع لمنتجاتها. وأعلنت اليابان عن استثمار نحو 34 مليار دولار أمريكي في الهند خلال السنوات الخمس المقبلة.

ومما لا شك فيه أن هذه الاتفاقيات سوف تزيد من حجم التبادل التجاري بين الدولتين، والذي لايزال صغيراً نسبياً، حيث بلغ 15.8 مليار دولار فقط في عام 2013، وهو ما يعادل ربع حجم تجارة الهند مع الصين. بينما بلغ الاستثمار الياباني المباشر في الهند 21 مليار دولار بين عامي 2007 و 2013، مما يجعل اليابان مستثمراً في غاية الأهمية بالنسبة للهند. لكن في الآونة الأخيرة، تناقص حجم التبادلات بسبب التباطؤ الاقتصادي في الهند. فعلى مدى السنوات الثلاث الماضية، استثمرت الشركات اليابانية في فيتنام وإندونيسيا أكثر من الهند.

ويُعد توقيع اتفاقية التعاون الدفاعي بين الهند واليابان وقرارهما بتحديث شراكتهما لمستوى الشراكة الاستراتيجية من أبرز جوانب زيارة مودي، إذ أعلنت الدولتان في بيان مشترك عن نيتهما "إعطاء توجيه ودَفعة جديدة لتعاونهما في مجال الدفاع، بما في ذلك التعاون في معدات وتكنولوجيا الدفاع، وذلك لتحقيق السلام والاستقرار والأمن البحري، فضلاً عن تعزيز التعاون

في مجال التكنولوجيا المتقدمة والعلوم". ويُعتبر مثل هذا البيان الجريء الصادر عن قوتين آسيويتين كبريين بكل تأكيد، تحدياً استراتيجياً كبيراً للصين، كما شدد مودي أيضاً على الروابط الثقافية والحضارية بين الهند والدول الآسيوية مثل اليابان، مشيراً إلى نيته تعميق تلك العلاقات. ودارت محادثات حول توقيع اتفاقية تعاون نووي بين البلدين، وعلى الرغم من أنها لم تؤت ثمارها، فإنهما اتفقا على استمرار المحادثات حول هذا الشأن، ومن شأن هذه الصفقة تغيير اللعبة الجيوسياسية في آسيا.

ثانياً: العلاقات الهندية – الصينية

تظل الخلافات بين الهند والصين نقطة محورية في المشهد الجيوسياسي الآسيوي، وتبقى قضية الحدود بلا حل، كما أن عمليات التوغل المتكررة التي تقوم بها الصين في الأراضي الهندية تبقى قضية تثير التوتر بين البلدين. وما زاد هذا التوتر في العلاقات هو علاقة الصين بباكستان ومساعدة الأولى في صنع السلاح النووي الباكستاني.

وفي الإطار ذاته تُعد زيارة جين بينج – الرئيس الصيني – للهند، في 25 سبتمبر 2014، ذات أهمية كبرى لكلا البلدين، فلقد وقعتا أثناء هذه الزيارة على 12 اتفاقية تتضمن اتفاقيات تجارية واستثمارية وتنمية البنية التحتية. ولقد عبّر جين بينج عن دعمه لعضوية الهند الكاملة في منظمة شنغهاي للتعاون التي تسيطر عليها روسيا والصين.

وقررت الدولتان أيضاً بدء حوار التعاون البحري هذا العام والتركيز على قضايا مكافحة القرصنة وحرية الملاحة والأمن، وهو ما يعزز من أطر إجراءات التعاون الدفاعي الضئيلة بينهما، منذ أن اتفقت الدولتان في عام 2005 على تأسيس إطار عمل لإجراء تبادل بين وزارات الدفاع والقوات المسلحة وإجراء حوار سنوي بشأن المسائل والتدريبات الدفاعية المشتركة والبرامج التدريبية في مجال البحث والإنقاذ والتصدي لعمليات القرصنة والإرهاب، حيث شهد عام 2007 أول تدريب عسكري مشترك ضم مائة جندي من الطرفين في جنوب غرب الصين.

وفي الجانب الاقتصادي، وعدت الصين باستثمار 20 مليار دولار أمريكي في الهند خلال الأعوام الخمسة القادمة، خصوصاً أن الصين هي الشريك الاقتصادي للهند على المستوى العالمي. وناقش مودي وجين بينج أهم قضية، ألا وهي النزاعات الحدودية بينهما، وقد أعرب الرئيسان عن جديتهما في حل قضية الحدود، ففي الوقت الذي أثار فيه مودي هذه القضية وأعرب لجين بينج عن قلقه نحوها، صرح الأخير بجديته في تسويتها.

وعلى الرغم من ذلك، فإن مجرد اتفاق الدولتين على سحب قواتهما التي تقف وجهاً لوجه في منطقة نائية في جبال الهيمالايا، ومحاولة إنهاء أكبر أزمة عسكرية على الحدود المتنازع عليها في منطقة لاداخ، حيث حشدت الدولتان نحو ألف فرد خلال هذا العام، يمثل نقلة نوعية جديدة، قد تساعد على فتح آفاق لحل معظم المشكلات الحدودية تالتي تعود لأكثر من نصف قرن.

وتوازياً مع محاولة حل بعض الخلافات الحدودية، فإن توقيع 12 اتفاقية اقتصادية وتجارية بين البلدين سوف يعزز من عوامل الاستقرار بينهما، حيث تشير تطورات العقدين الأخيرين إلى أن الاقتصاد مثل نقطة الحسم في إحداث تقارب كبير بين "العدوين" اللدودين، الصين والهند. فقد ارتفع حجم التبادل التجاري بينهما من 117 مليون دولار فقط في عام 1987 إلى أكثر من 25 مليار دولار في عام 2006، وتجاوز 50 مليار دولار منذ عام 2012، لتصل إلى نحو 60 ملياراً عام 2013/2014، ويتوقع أن يتجاوز هذا الرقم 100 مليار خلال الأعوام القليلة القادمة.

وتُعتبر الهند والصين واليابان أهم ثلاثة لاعبين في قارة آسيا، وبينما تحاول الهند تحسين علاقتها باليابان بزيارة مودي لطوكيو، أثارت تلك المحاولات القلق في بكين بشأن تداعياتها على المدى الطويل، خاصة أن العلاقات الصينية – اليابانية تظل متوترة، لذا فعلى الرغم من أن زيارة مودي لليابان قد عززت العلاقات الهندية – اليابانية، فإنها أثارت المخاوف لدى لصين بالقدر نفسه.

ثالثاً: العلاقات الصينية – الآسيوية

استمر عناد الصين بشأن قضايا حدودها مع جيرانها والتي تُعد مصدراً رئيسياً للصراع في المنطقة، وبغض النظر عن الملف الحدودي الهندي – الصيني، فإن للصين نزاعات على الأرض مع دول أخرى كاليابان وفيتنام والفلبين، ولديها أيضاً خلافات حول حدودها البحرية مع اليابان فيما يتعلق بجزر سينكاكو– والمعروفة في الصين باسم دياوجو– الواقعة في بحر الصين الشرقي. وتكمن أهمية هذه الجزر في موقعها الاستراتيجي بقربها من الممرات الملاحية وقربها من احتياطيات النفط والغاز الضخمة. وفي ضوء مطالبة الطرفين بحقهما في هذه الجزر غير المأهولة، بدت هذه المشكلة كأنها غير قابلة للحل، وما زاد من التوتر إعلان الصين في نوفمبر 2013 عن إقامة منطقة دفاع جوي جديدة لها فوق بحر الصين الشرقي للتعرف على هوية الطائرات لأغراض الدفاع عن أمنها القومي، وقد شملت جزر سينكاكو المتنازع عليها، وتتطلب هذه القواعد أن تبلغ الطائرات المحلقة فوق المنطقة تحديد خطتها للرحلة الجوية وأن تظل على اتصال بالسلطات الصينية، مما أشعل غضب اليابان التي أدانت هذه الخطوة من جانب الصين.

ومن جهة ثانية، فإن للصين أيضاً نزاعاً حول الحدود البحرية مع جارتها فيتنام، ففي مايو 2014 وضعت الصين منصة نفط على منطقة متنازع عليها مع فيتنام، مما أسفر عن أزمة كبيرة بين

تُعد زيـــارة جين بينـــج – الرئيس الصينـــي – للهنـــد ذات أهميـــة كـــبرى لـــكلا البلديـــن، فلقـــد وقعتـــا أثنـــاء هـــذه الزيـــارة علـــى 12 اتفاقيـــة تتضمـــن اتفاقيـــات تجارية واســـتثمارية وتنمية البنية التحتيـــة. ولقد عبّر جـــين بينج عن دعمـــه لعضويـــة الهنـــد الكاملـــة في منظمـــة شـــنغهاي للتعـــاون التـــي تســـيطر عليهـــا روســـيا والصـــين، وقـــررت الدولتـــان بـــدء حـــوار التعـــاون البحري هـــذا العام والركيـــز علـــى قضايـــا مكافحـــة القرصنـــة وحرية الملاحـــة والأمن.

الدولتين، وزعمت فيتنام أن الصين – بفعلتها هذه – خرقت القانون الدولي وأن السفن الصينية أغرقت واحدة من قواربها ودمرت عدداً من القوارب الأخرى كذلك، وللصين نزاعات أخرى حول الحدود البحرية مع دول مجاورة أخرى أيضاً، مثل الفلبين وكوريا الجنوبية. وظلت الصين في انتهاج سياسة التوسع الجغرافي – وهو ما أدى لإثارة التوتر بين جيرانها – ومن المفهوم أن النزاعات حول الحدود ليست بأمر جديد، فلقد بدأ أغلبها منذ فترات سابقة، ولكن يظل استمرار هذه الأمور مع التهديد باستخدام القوة أهم تهديد وتحدٍ أمني في آسيا.

أما العلاقة بين الصين وكوريا الجنوبية، فتعد أهم قضية مؤثرة على أمن واستقرار الإقليم في آسيا، وظلت هذه العلاقة تاريخياً متوترة نتيجة العلاقات الوثيقة التي تربط الصين بكوريا الشمالية، ولم تبدأ العلاقات الدبلوماسية بين الصين وكوريا الشمالية إلا في 1992، وهما تحاولان توثيق علاقتهما منذ ذلك الحين. كان الهدف من وراء زيارة جين بينج – الرئيس الصيني – الأخيرة لسيول في يوليو 2014 هو تعزيز الروابط بين البلدين، ولكنهما اتفقتا أيضاً على نزع السلاح النووي من المنطقة، وتعد الصين أكبر شريك تجاري لكوريا الجنوبية. وتشير بعض التقارير إلى إجراء محادثات بين البلدين لتوقيع اتفاقية تجارة حرة ثنائية، وتشترك كلتا الدولتين كذلك في عدم ثقتهما باليابان. ومن المؤكد أن دفء العلاقة بين بكين وسيول يُعد تحولاً في الجغرافيا السياسية الإقليمية في منطقة آسيا والمحيط الهادي، وعلى الرغم من أنه لايزال من السابق لأوانه التنبؤ بنتائج تجاهل بكين لبيونج يانج من أجل سيول، فإنه من المهم الانتظار حتى يتضح إلى متى سيستمر الود بين الصين وكوريا الجنوبية، خاصة مع كون سيول شريكاً استراتيجياً واقتصادياً للولايات المتحدة.

رابعاً: العلاقات الأمريكية – الصينية

الحديث عن العلاقات الأمريكية الصينية أمر بالغ الأهمية، وتناول الدور الأمريكي في المنطقة قضية بالغة الدقة، فالولايات المتحدة هي لاعب رئيسي في إقليم آسيا والمحيط الهادي وسترغب في توطيد علاقاتها مع دول الإقليم، وهو أمر تؤكد عليه الإدارات الأمريكية المختلفة، ومنها الرئيس الحالي باراك أوباما، حيث صرح في نوفمبر 2011 بأن هذا الإقليم - آسيا- مهم بالنسبة إلى الولايات المتحدة، وأنها ستلعب دوراً أكبر وأطول مدى في أمن المنطقة. وهناك مخاوف صينية من أن الهدف من وراء السياسة الأمريكية تجاه آسيا هو مواجهة صعود الصين واحتواؤها.

وتظل هناك حاجة ماسة إلى مراقبة إلى أي مدى ستنجح الولايات المتحدة في جعل حلفائها يتعاونون معها لتنفيذ هذه الاستراتيجيات المتعلقة بالصين، خاصة أن الاضطرابات التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إبان مرحلة "الثورات العربية" والتحديات الأمنية التي أعقبتها، جذبت انتباه الولايات المتحدة إلى الإقليم الشرق أوسطي بصورة كثيفة، تجعل هناك فرصاً لحدوث تراجع ولو محدود في الاهتمام الامريكي بالإقليم الآسيوي. فالتطورات التي شهدتها دول مثل العراق وسوريا وظهور تنظيم "داعش" في الآونة الأخيرة في المنطقة شكلت تحديات مباشرة لأمن واستقرار المنطقة. ونظراً لأهمية المنطقة وما يحدث فيها سيبقيان الولايات المتحدة منشغلة عن التطورات التي يشهدها إقليم آسيا والمحيط الهادي، نوعاً ما، لكن من جانبها تعتقد الصين أن الولايات المتحدة ستلقي بثقلها لدعم الدول الأصغر في بحر الصين الجنوبي لتعزيز موقفها ضد مطالب الصين الإقليمية، وتعتبر الولايات المتحدة هذه التطورات اختباراً لسياستها التي تحاول من خلالها استعادة توازنها في آسيا.

خامساً: الدول الآسيوية وتطورات الشرق الأوسط

تعتبر الهند والصين واليابان وكوريا الجنوبية دول ذات اقتصادات كبرى، ولها طلبات ضخمة على الطاقة، ومع زيادة الطلب على الطاقة، ومع اعتماد هذه الدول بصورة كبيرة في استيرادها للنفط على منطقة الخليج للحفاظ على نموها الاقتصادي، فإن هذه الدول شعرت بالقلق إزاء تزايد انعدام الأمن في الشرق الأوسط نتيجة "الثورات العربية"، وتأثرت كذلك بزيادة أسعار النفط التي أعقبت تلك التظاهرات، وإن بدأت هذه المخاوف في التلاشي تدريجياً مع استقرار الأمن في منطقة الخليج.

ختاماً، يمكن القول إن الزعماء الحاليين لكبرى الدول الآسيوية مثل الهند والصين واليابان وكوريا الجنوبية هم قادة جدد نسبياً، ومعروفون باتجاهاتهم القومية، فلقد أصبح شي جين بينج رئيساً لجمهورية الصين الشعبية في مارس 2013، وتولى شينزو آبي رئاسة الوزراء في ديسمبر 2012، وصارت بارك جن هي أول سيدة ترأس كوريا الجنوبية في فبراير 2013 وأصبح ناريندرا مودي رئيساً للوزراء في مايو 2014.

وتميل سياسات هؤلاء الزعماء الخارجية المستوحاة من الأيدولوجية القومية إلى أن تصبح أكثر نشاطاً وفي بعض الأحيان أكثر عدوانية، وظل عدد من القضايا – منها النزاعات الحدودية والبحرية – كما هو من دون تغيير. ولا يزال من غير المعروف كيف سيتعامل هؤلاء القادة الجدد مع التحديات الراهنة لتحقيق السلام والاستقرار والتنمية الاقتصادية، ومع تقلب الأوضاع الجيوسياسية في آسيا، فضلاً عن الصراعات بين الجيران واحتمال تصاعدها، وبالتالي فقد أصبح الوضع يعتمد على شخصيات الزعماء الجدد للدول الآسيوية الكبيرة.

برازنتا كومار برادان زميل مشارك في معهد الدراسات

والتحليلات الدفاعية، نيودلهي

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.