الإرهاب الأفريقي:

التمدد “الجهادي” من سواحل الأطلنطي إلى شرق أفريقيا

Trending Events - - دراسـة المستقبـل - مادي إبراهيم كانتي خبير الشؤون الأفريقية، والمحاضر في جامعة باماكو في دولة مالي

صدق توقع العديد من المتخصصين بانتقال شبكات الإرهاب بقوة إلى القارة الأفريقية، خاصةً عندما ضعف تنظيم القاعدة في باكستان وأفغانستان في السنوات الأخيرة، فقد برزت فصائل القاعدة في دول أفريقية عديدة، في الصومال ومالي ونيجيريا، فضلاً عن شمال أفريقيا، وبات الملمح الواضح اليوم أن ثمة امتداداً جهادياً مسلحاً يصل من أقصى الساحل الأفريقي الغربي إلى منطقة القرن الأفريقي غرباً، لتكون أفريقيا “أرض الجيل الثالث لتنظيم القاعدة”، أو كما يطلق البعض أنها أصبحت بمنزلة “أفغانستان جديدة”.

ولم تعد أرض أفريقيا موضعاً مهماً فقط لتنظيم القاعدة وفروعه المختلفة أو للجماعات الجهادية المحلية فقط، ففي خضم الظهور المفاجئ لتنظيم “داعش” في سوريا والعراق، بدأت تظهر إعلانات “الخلافة الإسلامية” من قبل بعض الجماعات الجهادية في شمال أفريقيا ومنطقة الساحل والصحراء، ليضيف ذلك بعداً جديداً سوف يزيد من أولوية محاربة الإرهاب في أفريقيا، داخلياً وإقليمياً

ودولياً، فقد أعلنت جماعة “بوكو حرام” يوم 24 أغسطس 2014 أنها مستقلة عن القاعدة، لتعلن الخلافة الإسلامية على غرار ما فعل “داعش” في سوريا والعراق. وأعلن تنظيم يعرف باسم “جند الخلافة في أرض الجزائر” مبايعته تنظيم “داعش”، وتمكنت المملكة المغربية من تفكيك خلية إرهابية تابعة لـ “داعش” تسعى لتجنيد إرهابيين للقتال في سوريا والعراق وتنفيذ هجمات داخل المغرب.

مرجعاً لهم، كما يعدون أنفسهم وارثين لميراث جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ولفكر مالك بن نبي، وهم في كل ذلك يؤكدون خصوصية التنظيم وعدم ارتباطه بجهة خارجية.

وبالإضافة إلى هذين التيارين (الإخوان والجزأرة)، برز تيار إسلامي مسلح بقيادة مصطفى بويعلي، بدأ نشاطه في السبعينيات عبر سلسلة من العمليات التي استهدفت الحانات وأماكن اللهو في باب الواد، ثم تطور الأمر إلى مواجهات مسلحة ضد قوات الأمن عام 1979. لكن تنظيم "بويعلي" تم تفكيكه بعد مقتله في 3 فبراير 1987، ليبقى على الرغم من القضاء عليه مرجعاً للتيار الجهادي الجزائري الذي ظهر في التسعينيات.

وإضافة إلى هذه التيارات الثلاثة، كان ثمة فقهاء وأئمة يتحلق حولهم جموع من الشباب الذين كَوّنوا المادة الأساسية لتأسيس الجبهة الإسلامية للإنقاذ بقيادة عباسي مدني وعلي بن حاج في عام 1989.

وكانت نهاية السبعينيات قد شهدت حدثاً مهماً هو الثورة الإيرانية، والتي تم تلقيها في المغرب العربي على الرغم من توجهها الشيعي كأنموذج لإمكانية نجاح الفكرة السياسية الإسلامية كفكرة انقلابية تغييرية. لكن بقي هذا النموذج في المغرب العربي مجرد دعوة تطمح إلى التغيير بشكل سلمي أو بانقلاب عسكري لتغيير النظام الحاكم (مصطفى بويعلي في الجزائر، وعبدالكريم مطيع في المغرب)، ولم يتحول خيار ممارسة العنف المادي إلى خيار استراتيجي يتأطر في شكل عمل مسلح إلا بعد نحو عشر سنوات مع ظهور العمل المسلح بهذا المدلول الشامل.

وعندما احتل الاتحاد السوفييتي أفغانستان في الثمانينيات، تم استقطاب هجرات شبابية بداعي الجهاد لتحرير بلد مسلم، وكان دعم الجهاد الأفغاني سياسة متبناة من معظم الدول العربية مادياً وبشرياً أيضاً. ولم تكن منطقة المغرب العربي استثناء، فقد كان الجزائريون يشكلون من الناحية العددية ظاهرة واضحة في دعم الجهاد بأفغانستان. وبالفعل تكون جيل جديد من شباب دول المغرب العربي المتأثر بالفكر الجهادي السلفي، ثم حدثت هجرة مضادة، حيث عاد كثير منهم إلى بلدانهم ليجدوا أنفسهم في حالة فراغ وبطالة، ولم يتم التنبه لاستيعابهم اجتماعياً واقتصادياً، فظلوا على الهامش وقوداً قابلاً للاستعمال عند أول شرارة تندلع.

وبمرور الوقت تحولت هذه المجموعات في منطقة الشمال والغرب الأفريقي ككل إلى تنظيم جغرافي، وذلك بعد العمليات النوعية التي تلت استهداف قصر الحكومة الجزائرية يوم 11 أبريل

حضرت القارة الأفريقية في استراتيجيات الولايات المتحدة منذ هجمات 11 سبتمبر 2001 كإحدى المناطق التي يلزم محاربة الجماعات الإرهابية والمتشددة فيها، حيث تركز التفكير الأمريكي على ضرورة محاربة الإرهاب في القارة حتى لا تصبح ملاذاً آمناً للجماعات الإرهابية، معتبرة أن أفريقيا بكل ما تعانيه من عوامل عدم استقرار وحروب تعتبر ملاجئ آمنة للعناصر والتنظيمات الإرهابية، وحضر في ذهن المسؤولين الأمريكيين بالطبع التفجيرات الإرهابية التي طالت السفارتين الأمريكيتين في نيروبي ودار السلام في عام 1998 ).

وقد احتل إقليم شرق أفريقيا والصحراء الكبرى بداية موقعاً متميزاً من الدعوات الأمريكية المطالبة بمحاربة الإرهاب في أفريقيا، اعتماداً على مجموعة من الوقائع أهمها وجود عناصر من تنظيم القاعدة في هذه المناطق نظراً لإقامة زعيم تنظيم القاعدة السابق، أسامة بن لادن، في السودان، لبضع سنوات، بل وإعلانه عن تكوين التنظيم في عام 1998 من منطقة شرق أفريقيا، وتنفيذ أولى عمليات التنظيم في هذه المنطقة.

وفي الشمال الأفريقي، شهدت منطقة المغرب العربي مع بداية السبعينيات من القرن الماضي تغيراً نوعياً في الوعي السياسي، حيث ظهرت التنظيمات "الإسلامية" الحركية المتأثرة بالمنهج الإخواني. ففي المغرب تشكلت حركة الشبيبة بقيادة عبدالكريم مطيع، وفي تونس تأسست حركة الجماعة الإسلامية عام 1969، وفي الجزائر ظهر تيار الإخوان المسلمين بقيادة محفوظ نحناح.

واختلافاً مع خيار نحناج التابع لتنظيم دولي )إخواني(، ظهر تيار )الجزأرة( بدءاً من عام 1982 كتيار إسلامي معارض لتبعية خارجية وينادي بالخصوصية القُطرية. ومن بين الأسماء المؤسسة لهذا التيار محمد السعيد وعبدالقادر حشاني )الذي انضم لاحقاً إلى جبهة الإنقاذ(. وكان لهذا التيار وجود ملحوظ في الأوساط الجامعية، وكان هؤلاء "الجزأريون" يعدون الشيخ أحمد سحنون

ويأتي تمدد وانتشار التنظيمات الإرهابية في القارة الأفريقية في وقت أكدت فيه تطورات الأعوام الأخيرة أن ثمة قصوراً شديداً في آليات مكافحة الإرهاب الأفريقي على المستوى الوطني والإقليمي والدولي، وأن تداعيات ما تمر به ليبيا وتونس، ومنطقة المغرب العربي بوجه عام، منذ اندلاع "الثورات" العربية، أدت إلى تزايد فرص تصاعد التنظيمات الجهادية في منطقة شمال أفريقيا وغربها، حيث انتشار بعض التنظيمات في مالي والنيجر، و"جماعة بوكو حرام" في نيجيريا.

في هذا الإطار، تستهدف هذه الدراسة إلقاء الضوء على ظاهرة "الإرهاب الأفريقي"، فثمة ضرورة لمعرفة وتتبع بدايات نشأة التنظيمات والجماعات الجهادية في القارة، وتوضيح أسباب تنامي هذه الجماعات الممتدة من شرق أفريقيا إلى غربها، مروراً بالصحراء الكبرى وشمال أفريقيا، وبحث أهداف وخصائص أبرز الجماعات الإرهابية الفاعلة بالقارة، والآليات المختلفة التي اعتمدت لمحاربة الإرهاب وانعكاساتها على دول المنطقة، وأخيراً تقدم الورقة تقييماً عاماً لهذه الآليات التي لاتزال قاصرة عن الحد من تنامي ظاهرة الإرهاب في أفريقيا.

أولاً: نشأة التنظيمات الجهادية المسلحة في أفريقيا

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.