ماذا أنتج تيار الإسلام السياسي من التأسيس إلى التدريس؟*

Trending Events - - آراء المستقبل - د. إبراهيم عرفات أستاذ العلوم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة

هذه المقالة هي شكوى أو رؤية نقدية تبحث عن أجوبة مقتضبة لسؤال يخص ما أنتجه تيار الإسلام السياسي منذ أن تأسس إلى أن أصبح موضوعاً للبحث والتدريس. ولأنها قراءة ناقدة فقد لجأت أحياناً إلى كلمات غير جامدة، قد يجدها القارئ الكريم أميل إلى العامية المصرية، لكن المأمول أن تكون دلالتها واضحة والجرس الذي التزمته موفقاً.

التيار بشدة أو المتحاملون عليه بقوة، فقد علمتني التجربة أن فيروس الأيديولوجية تمدد في عالمنا العربي في كل اتجاه بما في ذلك الجامعات والمعاهد العلمية. وكما توقعت لم يكن الموضوع هيناً، كما تبين أن عدداً من الطلاب كان متلوناً، مسعاهم يختلف عن مسعاي، كان مسعى البعض ترويجياً، بينما كان مسعاي نقدياً، فالعلم الاجتماعي يهتم بالنقد من أجل البناء، أما أصحاب الأيديولوجية فيرفضون أن تتعرض أفكارهم للنقد ويعتبرون ذلك نوعاً من الوفاء، وهو ما يفعله المناصرون لتيار الإسلام السياسي حتى لو وجدوا أنفسهم في محافل العلم. فقد أنتج هذا التيار منذ التأسيس مشكلات عديدة لا يمكن تجاهلها عند التدريس، لكنه على الرغم مما سببه من مشكلات استطاع أن يحقق اختراقات مكوناً «أصولية شعبوية» وجدت لها أحياناً صدى في قاعات الدراسة، كما أن نفاذيته بين الناس وقعت على الرغم من أخطائه، بل وخطاياه أحياناً. وتلك مفارقة تحتاج إلى طلبت مني إحدى مؤسسات التعليم العليا العربية أن أطرح مقرراً دراسياً عن تيار الإسلام السياسي لطلاب واحد من برامج الماجستير لديها، فوضعت للمقرر تصوراً ثلاثي الأبعاد يغطي أفكار وتنظيمات وممارسات هذا التيار. ووضعت لنفسي تصورين آخرين، الأول عن المشكلات التي سببها أو واجهها أتباعه، والثاني عن ما ظننت أني قد أصادفه في قاعة الدرس من بعض الطلاب سواء المتعاطفون مع هذا

1- مشكلات التأسيس

تفسير ربما أتركه لقراءة أخرى. أما هذه القراءة فأخصصها لإحدى عشرة ملحوظة نقدية يمكن أن تؤخذ على تيار الإسلام السياسي، تبدأ بالتأسيس له في 1928 على يد الإخوان المسلمين وتنتهي بالتدريس عنه في معاهد البحوث. وما بين أخطاء التأسيس ومشكلات التدريس تبرز تسعة أوجه أخرى لمشكلات هذا التيار هي: التلبيس، والتكريس، والتنفيس، والتبكيس، والتجريس، والتدليس، والتهليس، والتفقيس، والتفليس. وهو ما أوجز شرحه تباعاً. تعود مشكلات التأسيس إلى سقوط الدولة العثمانية وانهيار «الخلافة» التي اعتبرها حسن البنا وجماعته العنوان الصحيح للسلطة في الإسلام، والتي يجب أن تعود حتى تعود أستاذية المسلمين للعالم. وهو خطأ في التصور المنشئ للتيار كله، لأنه يفارق مرونة الإسلام الذي لا يعرف

شكلاً بعينه للسلطة السياسية، كما أنه يجافي قيم الحداثة التي لايزال الإسلام السياسي يصطدم بها إلى اليوم. وقد دفع ذلك الإصرار على شكل بعينه للسلطة إلى تكوين تنظيمات أصبحت مع مرور الوقت تهتم بالدفاع عن نفسها بأي شكل حتى لو تناقض ذلك مع القيم والأصول الأخلاقية. كذلك فقد احتاج هذا التيار عند التأسيس إلى أفكار يرسي عليها مشروعه، وقد أرساه على أفكار أضرت ومزقت بدلاً من أن تفيد وتجمع، من ذلك فكرتا الجاهلية والحاكمية، فالأولى تقسم المجتمع إلى طليعة هي الجماعة التي اعتُبر أن إيمانها صحيحاً وكتلة جماهيرية اعتبرت جاهلة وناقصة عقلاً وديناً، كلف الله الجماعة المؤمنة بتهذيبها وهدايتها. أما الحاكمية ففكرة لم توجِد فقط تناقضاً مصطنعاً بين إرادة اله وإرادة البشر، وإنما صادرت إرادة البشر كلهم لتحتكرها جماعة واحدة ارتأت أن تطبيق الحاكمية حق حصري لها، وأنها وصحيح الدين شيء واحد.

2- مشكلات التلبيس

أما مشكلات التلبيس فجاءت بأشكال عديدة جرى فيها ختم النص الديني وتلبيسه بقراءات تنافي مقاصد الشريعة أحياناً وتستعصي على العقل أحياناً أخرى. من ذلك تلبيس آيات قرآنية كريمة بتفسيرات تجعل كراهية الآخر، وتهميش المرأة، وجز الرقاب، وتكفير الخصوم، وتحريم الفنون، ومصادرة الحريات فرائض لا تناقش، بل واعتبروا تلك التلبيسات شروحاً تتمتع بالقوة الإلزامية للنص. وليس من تلبيس أبشع من مساواة التفسير بالنص والفقه بالشريعة والبشري بالمقدس.

3- مشكلات التكريس

ثم تأتي مشكلات التكريس، فلأكثر من ثمانين عاماً والإسلام السياسي يكرس أزمات المجتمع ولا يحلها، ويعمق الفواصل بين الناس ولا يرفعها، يعمق الفجوة مثلاً بين من يصنفهم إلى دينيين وعلمانيين، أو بين الرجل والمرأة، أو المسلمين والأقليات، وهو تكريس وقع منه سواء وهو في المعارضة أو في الحكم. وإذا كان فشله وهو في المعارضة يرجع في جانب منه إلى التضييق الذي مارسته عليه السلطة، فإن فشله وهو في الحكم يعود إلى طريقته في الأداء والأجندة التي يهتم بها. فكثيراً ما مال إلى العنف، وهو ما جعله خطراً يهدد الناس، أو لجأ إلى المساومة مع الخصوم، وهو ما وسمه بالانتهازية، فضلاً عن أن أجنداته كثيراً ما تصاغرت لتهتم بقضايا شكلية أو جزئية أو مفتعلة أو متأخرة في سلم أولويات المجتمع.

4- مشكلات التنفيس

تلي ذلك مشكلات التنفيس، فمع أن جماعات الإسلام السياسي قدمت للمطحونين والمهمشين رئات بديلة يتنفسون بها بعد أن ضيقت عليهم السياسات الاستبدادية، إلا أن ما قدمه هذا التيار للناس باليمين عاد ليأخذه منهم باليسار. ففي مقابل تصريف الغضب السياسي قامت هذه التيارات بأشكال من القمع الاجتماعي، اقتحمت بموجبه المجال الخاص للناس في ملبسهم وفنونهم وطرق معاشهم، متخطية بفجاجة تدخلها أحياناً ما كان يقع من الدولة. فبينما كان استبداد الدولة سياسياً في معظمه موجهاً ضد المعارضة كان استبداد تيارات الإسلام السياسي اجتماعياً موجهاً ضد الشعب.

5- مشكلات «التبكيس»

زاد الأمر تعقيداً أن »التبكيس« أصبح وسيلة بارزة يعول عليها قطاع من هذا التيار في تنفيس ما لدى أنصاره من مظالم. صحيح أن بعض جماعاته لم ترتكب العنف، إلا أن قطاعاً واسعاً بينها لجأ إلى أدوات عنف ظلت تتصاعد من أربعينيات القرن الماضي من محاولات قتل فردية لخصوم ومعارضين )مثل قتل المستشار أحمد الخازندار( إلى خوض حروب إقليمية )مثل حرب أفغانستان، وحروب تنظيم «داعش» بل ومواجهات عالمية (مثل أحداث سبتمبر 2001.) ثمانون عاماً تنوعت فيها أشكال «التبكيس» ما بين محلي ضد أفراد وجماعات وأجهزة حكومية ومعارضين فكريين إلى «تبكيس» إقليمي وعالمي يناطح دولاً وقوى عظمى. وأحياناً ما مارست جماعات الإسام السياسي «التبكيس» ضد بعضها عندما ارتأت كل جماعة أنها الفرقة الناجية (مثل الحرب بين فصائل المجاهدين في أفغانستان أو غيرة الظواهري من أبوبكر البغدادي).

6- مشكلات التجريس

أما التجريس فهو المقابل اللفظي للتبكيس، ويبرز في الخطاب الفكري والدعوي لجماعات عديدة في هذا التيار، بعضها يكفر المجتمع والبعض الآخر يعنفه بغلظة متهماً إياه بالفسوق. هذا بالنسبة للتجريس الاجتماعي، أما التجريس السياسي فلم يبخل دعاة الإسلام السياسي في تشويه خصومهم بدلاً من أن يحاوروهم، إما بأن يتهموهم بالعمالة للولايات المتحدة وإسرائيل، مع أن بعضهم يحل ذلك لنفسه مثل حزب التحرير، التي نأى فيها بنفسه عن القيام بأي واجب في مقاومة إسرائيل بدعوى انشغاله باسترداد الخلافة، أو رجب طيب أردوغان الذي احتفظ بعضوية بلاده في الناتو وبعلاقات تركيا مع كل من واشنطن وتل أبيب، أو «الإخوان المسلمون» في مصر الذين طمأنوا واشنطن على مصالحها كاملة إن هم أتوا إلى الحكم.

7- مشكلات التدليس

وبالنسبة للتدليس فيعبر عن انتصار الوسيلة على الغاية وتمكن المكيافيلية من جماعات

التبكيس: مصـــدر الفعـــل الثلاثـــي بَكَسَ، ويعنـــي في معجم لســـان العرب لابن منظـــور، القهـــر. يقال بكس الخصـــم، أي قهـــره. والقهر هنا لا يعنـــي الغلبة كصفـــة، وإنما يعني أخذ الشـــيء عنوة مـــن دون رضا الآخرين. التجريس: مصـــدر الفعـــل الرباعـــي «جـــرّس». ويعنـــي وفقـــاً لابـــن عبـــاد في معجـــم «العبـــاب الزاخر» التســـميع بالقـــوم. يقال جَـــرِس بالقـــوم، أي ســـمِع بهـــم كل ســـوء. وفي اســـتعمالنا لهذه الكلمـــة عمدنـــا إلى توضيح معنى التجريـــس بأنـــه «التشـــهير بالخصـــوم » .

عديدة في هذا التيار، فبينما يهاجم ممثلوه المكيافيلية على مستوى الشعار، يعودون ليعملوا بها على مستوى الممارسة. التدليس هو الانتهازية الفجة واللجوء المستمر للمخادعة، فقد هادن «الإخوان المسلمون» والسلفيون على سبيل المثال نظام مبارك في مصر ورفضوا الثورة عليه، لكنهم ما أن رأوا الثورة التي فجرتها قوى مدنية من شرائح الطبقة الوسطى في طريقها للنجاح إلا وشاركوا فيها ليستفيدوا لاحقاً بفضل أفضليتهم التنظيمية من تحقيق مكاسب تفوق عطاءهم. وما جرى في ليبيا دليل آخر، فقد تصدر الإسلاميون المؤتمر الوطني العام بعد انتخابات ديمقراطية موجدين انطباعاً بأنهم يعرفون أصولها، وعلى استعداد للعمل بها، ثم تبين أنهم كانوا يخدعون باسمها عندما خسروا الانتخابات بعد ذلك فرفضوا أن يتخلوا عن الحكم.

8- مشكلات التفقيس

واعتمدت جماعات الإسلام السياسي في التبكيس والتجريس والتدليس على قدرتها على التفقيس، فهي أكثر التيارات السياسية نجاحاً في إعداد كوادر جديدة سواء للقتال والعنف أو عند خوض غمار السياسة. فكثيراً ما فرخت جهاديين جدداً قادرين على التبكيس وخطباء جدداً بارعين في التجريس وعقول تبريرية جديدة ماهرة في المراوغة والتدليس. وليس التفقيس بالمناسبة خطأ، بل هو جزء من إعداد صفوف وكوادر جديدة، الخطأ أن من يفرخ من هذا التيار غالباً لا يُربى على عقلية النقد والمراجعة، وإنما على عقلية

التقليد والمبايعة.

9- مشكلات التهليس

ولا يقل التهليس ضرراً، حيث قدمت جماعات عديدة تنتمي إلى هذا التيار خطاباً يتصف الجانب الأعظم منه بالغوغائية والسطحية والتبسيط المخل في مقاربة مشكلات الواقع إلى درجة تصل أحياناً إلى إصابة الآخرين في أوطانهم وفي العالم بالصدمة والاستغراب، من ذلك فتاوى تطلق بهدف تحويل العمل السياسي إلى نشاط يتعلق بالحلال والحرام، وليس باختيارات بين ممكن ومستحيل أو بين مناسب وغير مناسب، أو التهافت والتهليس في الأداء البرلماني الذي يهتم بشكليات وقضايا ثانوية لا علاقة لها بالمشكلات العامة، أو استعمال مصطلحات قديمة توقف مفعولها بحكم تطور المجتمعات والمصطلحات.

10- مشكلات التفليس

أما التفليس فيلخص أزمة التيار فكرياً وتنظيمياً وسلوكياً وعدم قدرة كثير من جماعاته على تصحيح ذاتها بسبب حالة الإنكار التي تعيشها، وتعمد إغماض العين التي يجعلها ترى معتقداته أصح المعتقدات وتنظيماته أحق التنظيات وسلوكياته أطهر السلوكيات. إنها حالة للذات المتمركزة بشدة حول نفسها، تعود لتجتر نفس أفكارها القديمة من دون إعادة نظر، ولا ينتهي التمركز حول الذات بفصائل عديدة من تيار الإسلام السياسي بالتعصب فقط لرأيها وإنما بدأ ينذر بإفلاس فكري وتنظيمي كبير قد يمتد طويلاً إلى أن تحدث مراجعات ذاتية تقبل بالالتحام بالآخرين وتطعيم الفكر والمنهج بما يثري التيار ويرشده.

11- مشكلات التدريس

وتبقى أخيراً مشكلات التدريس والتعامل أكاديمياً مع هذا التيار، فبعض طلاب العلم المهتمين بدراسة الإسلام السياسي يؤكدون عمق ما تعرضت له معظم ــ إن لم يكن كل ــ المجتمعات العربية والإسلامية خلال سنوات طويلة مضت من فقدان القدرة على التمييز بين الإلهي والبشري، أو بين المقدس والإنساني. فالإلهي والمقدس ليسا محلاً للنقد أو النقاش، أما البشري والإنساني فيجب تفنيدهما إذا ظل للعلوم الإنسانية هدف وفائدة، لكن غسيل المخ الذي مارسته جماعات الإسلام السياسي وربطها الآلي بين الديني والسياسي، يبدو أنه نجح في تكوين هالة من المعصومية عن هذا التيار في عقول بعض طلاب العلم. فما أن يسمع بعضهم نقداً في محاضرة إلا ويعتبره قراءة استشراقية منحازة يجب الاستغفار منها. فالعاطفة الدافقة المحمومة هي وسيلتهم لتقييم الإسلام السياسي، أما العلم الاجتماعي فستبقى وسيلته الحكم بالنتائج وليس بالنوايا، لا يعترف بالمعصومية منهجاً طالماً أن محل النقاش سلوك البشر وطرق فهمهم.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.