لماذا انهارت بعض الدول العربية “بسهولة”؟

Trending Events - - آراء المستقبل - د.حيدر إبراهيم مدير مركز الدراسات السودانية

يبدو الحديث عن إمكانية انهيار الدولة العربية، صادماً ومستفزاً لمشاعر مختلفة، على الرغم من أن عِبرَ التاريخ المختلفة والعديدة أنبأتنا بسقوط الإمبراطوريات العظيمة، والدول القوية.

يحفل القرآن الكريم بالعديد من القصص والأمثلة على الانحطاط والانهيار اللذين ضربا كثيراً من الأقوام. وكتب كثير من المؤرخين عن دورات الصعود ثم الهبوط، أو عن الحركة الحلزونية للتاريخ التي تتخللها فترات انحطاط، قد تصعد بعدها هذه الدول أو الأمم مجدداً، أو تختفي في العدم. وتؤكد فكرة التحدي والاستجابة أن التحدي الذي يواجه باستجابة خاطئة، يؤدي – حتماً - إلى الانهيار. لذلك، تظل إمكانات انهيار الدول كبيرة ضمن شروط وتطورات بعينها، فهي ليست مجرد فكرة يولّدها خيال متشائم، ولكن طريقة تعامل العقل العربي في عمومه مع التاريخ والواقع، تجعله يستخف بهذه الاحتمالات والمصائر حتى تفجعه، كما حدث في حالة انفصال جنوب السودان.

أولاً: أسباب انهيار الدول

تقف عدد من الدول العربية المعاصرة على حافة الانهيار، بعد أن اكتملت فيها أغلب مظاهر الدولة الفاشلة الأساسية. فهذه الدول فاشلة لأنها، أولاً، عجزت عن السيطرة على كامل ترابها الوطني أو الحفاظ على حدودها التي قامت عليها منذ البداية (أي عند الاستقلال أو التكوين). ثانياً، لم تستطع تأكيد شرعيتها دستورياً ولا شعبياً، كما عجزت عن توسيع قاعدتها الشعبية على الرغم من تزوير الدساتير والانتخابات، واكتفت بحكم الحزب الواحد أو الأسرة الواحدة. ثالثاً، لم تنجز التنمية المنتجة، والعادلة، والمستقلة، باعتبارها أهم وظائف الدولة الحديثة، ولكنها أهدرت الإمكانيات والموارد المادية في الصرف التفاخري، والفساد، والصرف على أمن النظام والجيوش، خَصماً من حساب التعليم والصحة.

وقد بلغت هذه الدول الآن أعلى مراحل الفشل، منتقلة لطور الانهيار لعدم إكمال مهام مرحلة التحول الديمقراطي. وهذا المسار الغالب للدولة العربية كان متوقعاً لأسباب تاريخية وأخرى بنيوية ذاتية؛ فالدولة العربية الحالية هي نتاج "استزراع" وغرس من الخارج، ولم تنبت بصورة طبيعية في أرض واقعها، ومن حركة دينامياتها ومكوناتها الخاصة، ولكن هذه ليست العلة المطلقة، لأن أغلبية الدول الجديدة أخذت النموذج الدولاتي من الخارج، ولكنها نجحت في عملية التكيف وتبيئة القادم وتمثله.

بين الخصوصية والعولمة عند هذا التحدي خرج العرب والمسلمون من التاريخ وعدم اللحاق ببقية العالم، ومن ثم فالسؤال: كيف نستطيع أن نكون جزءاً من هذا العالم، وأن نكون أنفسنا في الوقت ذاته؟ وهو بلغة أخرى سؤال الخصوصية الثقافية أو الهوية، والذي استنزف كثيراً من الطاقات الفكرية والثقافية العربية. ولم تثمر المعركة التوفيقية بين التراث والمعاصرة، أو الأصل والعصر شيئاً غير اللفظية والكلام الكثير الخالي من الأفكار القادرة على رفع التناقضات، فقد اشتبكنا في قضية ما هو الإنساني والعام في الحضارة المعاصرة البعيدة عن الخصوصية، أو ما هو الغربي؟ فهناك قيم أصلها ومصدرها الغرب، ولكن مع الزمن

والتفاعل البشري، لم تعد حكراً عليه، ولا ملكاً خاصاً له، ومثال ذلك أفكار من قبيل الديمقراطية، وحقوق الإنسان في شكلها المؤسسي المحدد، والإدارة الجيدة والكفؤة، والعلوم والتكنولوجيا..... الخ. فكثيراً ما نرفض بعض المبادئ والقيم الجيدة بدعوى أنها غربية، وهنا نتجاهل حقيقة العولمة الكاسحة، وأن العالم قد أصبح قرية حقيقة وليس مجازاً، فقد صارت العولمة قدراً لا يمكن رده، بل أقصى ما يمكن طلبه هو اللطف في تلقي تأثيراتها والتفاعل معها. وهنا مارس التاريخ دهاءه علينا كاملاً، حين باع لنا وهم أننا معاصرون وحداثيون! ولكننا في الحقيقة نعيش انفصاماً كارثياً، فنحن وفق حساب الزمن الفلكي نحيا بالفعل في القرن الحادي والعشرين، ولكن بحساب الزمن الحضاري فقد تثبتنا في القرن السابع، بتنا نصر على أننا تركنا مستقبلنا خلفنا، لذلك حين نبحث عن نموذج الدولة المثالية، يعود الكثيرون إلى مجتمع المدينة، وقد كان بمعايير عصره مجتمعاً فاضلاً، ولكن لابد من تجديد فكري يوفق بين النموذج والعصر. وكانت هذه الماضوية عقبة في سبيل الوصول إلى دولة وطنية عربية حديثة وأصيلة معاً.

ثانياً: ممارسات قادت للانهيار

على الرغم من هذه النشأة للدولة في بلادنا، فقد أبدت النخب العربية بمختلف خلفياتها الأيديولوجية والثقافية، حماساً واضحاً، ولكن لم يخف التناقض؛ فهم يتحدثون دائماً عن الدولة والحدود "المصطنعة"، على الرغم من أن القومي كان يفكر في "أمة واحدة ذات رسالة خالدة"، والشيوعيون والإسلامويون هم في الحقيقة أمميون كلٌ بطريقته. وكان انحياز المثقفين للدولة باعتبارها أداة حديثة يمكن توظيفها في عملية تسريع التغيير وحرق المراحل، فهم على الرغم من رومانسية حبهم للجماهير، لا يؤمنون بقدرتهم على صنع الثورة أو التغيير، ولذلك اعتمدوا وتعاونوا مع "العسكرتاريا" عوضاً عن "البروليتاريا" أو الشعب العظيم، فقد كانت الانقلابات أسرع وأضمن من الثورة أو صناديق الانتخابات، ولكنهم جميعاً اختزلوا الدولة في سلطة الدولة فقط، وهذا ما جعلها الآن قريبة من الانهيار. فقد قامت تلك النظم الحاكمة بتعطيل وظائف الدولة المرتبطة بالديمقراطية، والتنمية، والوحدة الوطنية؛ وهذا يعني حجب المشاركة الشعبية في السلطة والثروة. وقرروا ـ باللغة العسكرية ـ "التسريح السياسي" للجماهير؛ أي سحب حقهم في العمل السياسي المنظم، وأن يعملوا بالوكالة عنهم. وبدأ تدشين حكم الفرد، وعبادة الشخص مع تحريم العمل الحزبي، ومنع منظمات المجتمع المدني، وتأميم الصحافة والإعلام، وتراجعت فكرة المواطنة والحقوق المدنية لتحل محلها فكرة الراعي والرعية، والعلاقة الأبوية، والأسرة الكبيرة، وأخلاق القرية. وتهدف كل هذه الترسانة من العلاقات العتيقة إلى تأكيد احتكار شرعية العنف، والذي استخدمته الدولة بلا رقابة شعبية ولا محاسبة، فدستور الدولة يُشرع فوقياً، بالإضافة لغياب برلمانات منتخبة بحرية ونزاهة، لتقوم بمهمة رقابة السلطة التنفيذية.

يرى الكثيرون أن الدولة العربية "الحديثة" فشلت، وانحدرت نحو الانهيار لأنها سارت عكس الأهداف التي أعلنتها وقامت من أجل تحقيقها، فقد بشرت النخب العربية التي وصلت إلى السلطة في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، بأنها ستجعل من الدولة أداة للتحرير والتعمير والتحديث، وقد فُسر هذا بمنطق المقايضة غير المعلنة التي تنازلت بموجبها كثير من الشعوب العربية عن حقوقها في الديمقراطية، والحرية مقابل الخبز (التنمية) وتحرير فلسطين، وساد شعار "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة"، محدداً أولويات المرحلة.

ولم تنل الشعوب الخبز ولا الحرية، وحصدت الدول التي اختطفت صفة التقدمية والوطنية، الهزائم المذلة، ومزيداً من التبعية والتخلف، ولكن هذا لم يحد من استبداد الحكام، وفرض المزيد من القوانين الدكتاتورية والإجراءات القمعية، فقد استمر هذا الوضع الشاذ بسبب غياب البديل السياسي، وتم تحويل الشعب إلى مجرد كتل جماهيرية غير منظمة سياسياً، ومزيفة الوعي بسبب إعلام مضلل ونظام تعليمي للتجهيل ومنح الشهادات، وفقدت الدولة المجتمع المدني المكمل لوجودها وتطورها، حين ساعدت في تعميم حالة اليأس واللامبالاة، والارتماء في الغيبيات وقشور الدين، والارتداد للروابط الطائفية.

وهنا يمكن القول إن المجتمع المتخلف لن يلد إلا دولة متخلفة مثله. وبالفعل "تكلست" الدولة وتوقفت عن التطور والإنجاز، ولم تستمر الدولة الحالية في الوجود بسبب قوة ذاتية أو أمل في التجدد، ولكن بسبب ضعف المقاومة وقلة الخيارات.

تحولت الدولة إلى مجموعة أجهزة إدارية متنافرة، وعلى الرغم من ذلك سيطرت على الاقتصاد والإنتاج بعد أن أكملت هيمنتها على السياسة، ومرت الدولة بآليات اختصرت الدولة والمجتمع في الحزب الواحد الحاكم، وهذا بدوره تجسد في الرئيس القائد، أو الرئيس المؤمن. وفي هذا الوضع يتناقص الولاء الوطني، خاصة حين تُوجِد السلطة الحاكمة تماهياً بين الحاكم والوطن، وتمرر فكرة أن العداء للحاكم أو معارضته هو عداء للوطن وخيانة له.

ثالثاً: الثورات العربية والتفكك

مع اندلاع "الثورات العربية" الشعبية الأخيرة، ارتفعت نغمة تربط بقاء الوطن ببقاء حاكمه؛ ويظهر هذا جلياً في ترديد معادلة "نحن أو الفوضى"، ويقصد بذلك أن بديل الطغمة الحاكمة هو الفوضى، وهي

يمكـــن القـــول إن المجتمـــع المتخلف لن يلـــد إلا دولة متخلفة مثلـــه. وبالفعل «تكلســـت» الدولة وتوقفـــت عـــن التطـــور والإنجـــاز، ولم تســـتمر الدولـــة الحاليـــة في الوجـــود بســـبب قـــوة ذاتيـــة أو أمـــل في التجـــدد، ولكـــن بســـبب ضعف المقاومة وقلـــة الخيارات، وتحولـــت الدولـــة إلى مجموعـــة أجهـــزة إداريـــة متنافـــرة، وعلـــى الرغـــم مـــن ذلـــك ســـيطرت على الاقتصـــاد والإنتاج بعـــد أن أكملت هيمنتهـــا على السياســـة، ومرت الدولـــة بآليـــات اختصـــرت الدولة والمجتمـــع في الحـــزب الواحـــد الحاكـــم، وهـــذا بـــدوره تجســـد في الرئيـــس القائـــد، أو الرئيـــس المؤمـــن.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.