البحث عن النفوذ:

دلالات تصاعد التنافس الإقليمي والدولي في شرق أفريقيا سعيدة محمد عمر

Trending Events - - الافتتاحية - سعيدة محمد عمر باحثة في الشؤون الأفريقية، وأمين عام المبادرة الجيبوتية لتنمية المجتمع

تتنافس القوى الدولية والإقليمية على إقامة مناطق نفوذ لها في منطقة شرق أفريقيا، لأسباب متعددة لعل أبرزها الأهمية الجيواستراتيجية للمنطقة، كونها واحدة من أهم محاور الملاحة الدولية، والمطلة على كل من الحيط الهندي والبحر الأحمر ومضيق باب المندب.

وهذه الأهمية الخاصة لموقع منطقة شرق أفريقيا جعل التكالب الاستعماري عليها محموماً، بطريقة قسمت المنطقة لمناطق نفوذ بين القوى الاستعمارية بشكل مجحف، مما أبرز بعد الاستقلال أزمات عدة بين دول المنطقة تتمحور أغلبها حول الخلافات الحدودية، وتفرز التفاعلات الدولية في الفترة الحالية واقعاً جديداً على المنطقة، مع تزايد القواعد العسكرية الأجنبية، والتنافس على النفوذ. وتسعى هذه المقالة لإلقاء الضوء على أهم التطورات الداخلية التي تشهدها منطقة القرن الأفريقي، وكذلك أبرز القوى الدولية والإقليمية المؤثرة على المنطقة، سياسياً وأمنياً واقتصادياً.

اأولً: الأهمية ال�ستراتيجية ل�سرق اأفريقيا

يشير مصطلح شرق أفريقيا إلى المنطقة الواقعة على رأس مضيق باب المندب من الساحل الأفريقي، وتمتد حتى المحيط الهندي جنوباً، والبحر الأحمر شمالاً، وهي تضم الدول التالية: إثيوبيا، وإريتريا، والصومال، وجيبوتي، وكينيا، وأوغندا، وتنزانيا، كما أن المنطقة بمعناها الجيوسياسى الواسع تضم السودان، وجنوب السودان وسيشل وموريشيوس.

تتمثل أهمية شرق إفريقيا في موقعها الاستراتيجي، حيث تطل دولها على المحيط الهندي من ناحية، وتتحكم في المدخل الجنوبي للبحر الأحمر من خلال مضيق باب المندب من ناحية ثانية، ومن ثم فإن دولها تتحكم في طريق التجارة العالمية، خاصة تجارة النفط القادمة من دول الخليج، والمتوجهة إلى أوروبا، والولايات المتحدة، كما أنها تُعد ممراً مهماً لأي تحركات عسكرية، قادمة من الغرب، في اتجاه منطقة الخليج العربي.

وقد وضحت هذه الأهمية أيضاً في التاريخ الحديث، فأضحت المنطقة مطمعاً للدول الاستعمارية الكبرى آنذاك "بريطانيا وفرنسا وإيطاليا"، فتسابقت هذه القوى على فرض نفوذها في المنطقة للاستئثار بالمزايا الجغرافية والاستراتيجية، والتي لا تقتصر أهميتها على اعتبارات الموقع فحسب، وإنما تمتد لتشمل الموارد الطبيعية فيها.

وبعد الاستقلال أثر الإرث الاستعماري على طبيعة العلاقات بين دول المنطقة ونقلها من علاقة كان ولابد أن تكون علاقة تجاور وتكامل إلى علاقة عداء وتصادم، بسبب

التقسيم الحدودي المجحف، سواء بين الصومال وإثيوبيا، أو إريتريا وإثيوبيا، أو جيبوتي وإريتريا، أو كينيا والصومال، ولذلك واجهت المنطقة خلال الثلاثة عقود الماضية أزمات عدة، جعلتها أكثر مناطق القارة الأفريقية توتراً واضطراباً، سياسياً وأمنياً، نتيجة الصراعات الداخلية والبينية، مما أعاق فرص النمو لعقود عدة وجعل المنطقة أكثر مناطق القارة تناحراً.

ثانياً: اأهم التطورات الداخلية التي �سهدتها المنطقة

شهدت المنطقة تحولات في تسعينيات القرن الماضي، حيث أفرزت مع مرور الوقت نظماً سياسية أكثر ميلاً للسلام منها للحرب، بل وتركز بصورة أكبر على تحقيق التنمية، غير أن ذلك لم يترافق معه أي تحول ديمقراطي، كما لاتزال دول شرق أفريقيا تواجه تحديات عدة على رأسها قضية الإرهاب الذي تقوده حركة الشباب المجاهدين الموالية لتنظيم القاعدة، وإن استطاعت تحقيق معدلات مرتفعة من التنمية الاقتصادية، وذلك على النحو التالي: 1- التحدي الإرهابي تأخذ قضية الإرهاب حيزاً كبير من الاهتمام في المنطقة، حيث تشكل حركة الشباب المجاهدين الصومالية، الموالية لتنظيم القاعدة، الخطر الأبرز ليس على الصومال فحسب، ولكن على المنطقة كلها، نتيجة لما تقوم به الحركة، بين الحين والآخر، من عمليات إرهابية عابرة للحدود تهدد أمن واستقرار دول المنطقة.

وفي الحقيقة فإن وجود تنظيم القاعدة في القرن الأفريقي لم يقترن بظهور حركة الشباب المجاهدين في الصومال، ولكن تعتبر هذه المنطقة مجالاً حيوياً للتنظيم، حيث بدأ توسع التنظيم في المنطقة انطلاقاً من السودان إلى الصومال مروراً بكينيا وتنزانيا ورجوعاً مرة أخرى إلى الصومال الملاذ الأكثر آمناً وحرية للتنظيم في المنطقة نتيجة لحالة اللادولة التي أعقبت سقوط نظام سياد بري في يناير 1991.

وقد شهدت المنطقة أولى عمليات تنظيم القاعدة المتزامنة في كينيا وتنزانيا في 7 أغسطس 1998 والتي راح ضحيتها نحو 224 شخصاً، وظلت خلايا التنظيم تنفذ بعض العمليات من فترة لأخرى، إلا أن تأثيرها كان محدوداً، حتى ظهرت حركة الشباب المجاهدين في الصومال عقب اجتاح القوات الإثيوبية للصومال للقضاء على حكم المحاكم الإسلامية عام 2005، فنشأت حركة الشباب بهدف الجهاد ضد القوات الإثيوبية، ومن بعدها قوات حفظ السلام الأفريقية، والحكومة الصومالية، لتدخل الصومال مرحلة جديدة من عدم الاستقرار.

إذ إن الصومال هي الحالة الوحيدة التي شهدت انهياراً كاملاً وممتداً للدولة، فعلى الرغم من أن القارة الأفريقية شهدت حالات انهيار عديدة للدول، فإنها كانت انهيارات جزئية ومؤقتة، ولم تمتد لفترة طويلة، وكانت هناك دائماً جماعات مهيمنة قادرة على حسم الصراع لصالحها، بينما تعتبر الصومال الحالة الوحيدة التي شهدت انهياراً كاملاً للدولة في عام 1991، ولم تنجح أي جماعة صومالية في أن تسيطر على الحكم.

وعلى الرغم من ذلك، فإنه ومنذ عام 2012، شهدت الصومال تطورات إيجابية نحو إعادة بناء الدولة، وهو ما من شأنه أن يقوض فرص استعادة حركة الشباب لقوتها في الصومال، بعد أن فقدت معظم معاقلها وانحسرت قوتها. 2- طفرة تنموية في مقابل التحدي الإرهابي الذي تعانيه المنطقة، يشهد اقتصاد دولها نمواً متسارعاً، فقد وصل معدل النمو لدول المنطقة في 2014 حوالي 6.4%، متأثراً بعوامل عدة منها زيادة الاستثمارات في المنطقة، واكتشافات جديدة للموارد، وتنامي قطاع الخدمات، ومن المتوقع أن يستمر ارتفاع معدلات النمو خلال عام 2015 ليتجاوز 7%، ويرجع ذلك بصورة أساسية إلى اتخاذ دول المنطقة خلال السنوات الخمس الماضية عدداً من الإجراءات لتحقيق التنمية، من خلال تيسير الاستثمار، وتكثيف التجارة البينية، ودعم التعاون الاقتصادي الإقليمي.

وتعد إثيوبيا ضمن أسرع عشرة اقتصادات نمواً في القارة الأفريقية، حيث حقق الاقتصاد الإثيوبي خلال السنوات العشر الأخيرة معدل نمو وصل إلى 10.7%، وفقاً لتقارير البنك الدولي، الأمر الذي جعلها مؤخراً محل اهتمام عالمي وإقليمي)1،( ويقدر البنك الدولي معدل النمو المتوقع خلال عام 2015 في كينيا بنحو 6%، وفي تنزانيا 7.2%، وأوغندا 6.6%، ورواندا 6.5%، وجيبوتي بنحو 6%، في حين يتوقع أن يشهد الاقتصادان الكيني والتنزاني تحسناً ملحوظاً نتيجة اكتشافات النفط والغاز الطبيعي في الآونة الأخيرة.

كما أجريت مؤخراً سلسلة اختبارات في أوغندا بينت وجود احتياطيات نفطية في أوغندا، والتي قد توازي مثيلاتها في دول الخليج العربية، واكتشفت شركات غربية مخزوناً نفطياً في شرق الصومال قدرت عائداته بتريليوني دولار)2).

ثالثاً: ت�ساعد التناف�س الدولي والإقليمي في �سرق اأفريقيا

تشهد المنطقة تنافساً متصاعداً على النفوذ، سواء بين القوى الإقليمية أو الدولية، وتتمثل أحد ملامحه في الوجود الكثيف للقواعد العسكرية هناك، وهو ما يكشف في جانب منه، عن وجود حسابات عسكرية معقدة ومتباينة تتوقع حدوث تطورات مهمة، سواء في منطقة شرق أفريقيا، أو في المناطق المحاذية، وتحديداً منطقة الجزيرة العربية، وذلك في ضوء التقارب والترابط بين المنطقتين، فأي تحركات عسكرية أوروبية أو أمريكية متجهة صوب الجزيرة العربية لابد أن تمر عبر هذه المنطقة، ومن جهة أخرى، فإن الموارد الطبيعية المكتشفة حديثاً في القرن الأفريقي زاد من أهميتها في نظر القوى الإقليمية والدولية، ولذلك ستتم الإشارة إلى أبرز تلك القوى الموجودة هناك. 1- القوى الدولية الفاعلة تتمثل أبرز القوى الدولية الفاعلة في القرن الأفريقي في الولايات المتحدة وبعض دول الاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلى الصين، وتعد القاعدة الفرنسية الموجودة في جيبوتي الأقدم في

المنطقة، والتي تم إنشاؤها بموجب اتفاقية الدفاع المشترك التي تم توقيعها عقب استقلال جيبوتي عام 1977، ويبلغ عدد الجنود الفرنسيين في جيبوتي حوالي 1900 جندي، وتلتزم فرنسا بدفع 30 مليون يورو سنوياً)3).

أما قاعدة ليمونيه الأمريكية (Camp Lemonnier )، فتعد ثاني أكبر قاعدة عسكرية أجنبية في جيبوتي، وتضم حوالي 2500 جندي)4،( كما أنها أول قاعدة أمريكية في أفريقيا، وقد وقعت الحكومة الجيبوتية مع الإدارة الأمريكية عقد إيجار بعيد الأمد في إطار زيارة الرئيس إسماعيل عمر جيله لواشنطن في 5 مايو 2014، وتمت زيادة الإيجار السنوي الذي تقدمه الإدارة الأمريكية لجيبوتي من 38 مليون دولار إلى 63 مليوناً، بجوار ذلك تقدم الولايات المتحدة الأمريكية للحكومة الجيبوتية دعماً فنياً وعسكرياً للقوات المسلحة الجيبوتية، بالإضافة إلى بعض المساعدات التنموية)5 ).

وتتسم الأهداف الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة بالثبات بدرجة كبيرة، فهي تسعى لحماية خطوط التجارة البحرية عبر المحيط الهندي والبحر الأحمر، والوصول إلى مناطق التعدين والمواد الخام، بالإضافة إلى محاصرة النظم غير الموالية واحتوائها، بجانب محاربة الإرهاب، خاصة أن قرار إنشاء قيادة عسكرية أمريكية خاصة بأفريقيا يعكس في جانب منه رؤية القيادات الاستخباراتية والعسكرية بأن بعض المناطق والأقاليم الأفريقية يمكن أن يمثل خطراً أمنياً ضد مصالح الولايات المتحدة في المنطقة.

إن الأحداث التي شهدتها منطقة شرق أفريقيا من تفجير سفارتي الولايات المتحدة في نيروبي ودار السلام عام 1998، ومن بعدهما تفجير السفينة الحربية الأمريكية كول في خليج عدن عام 2000، وتزايد نشاط تنظيم القاعدة في القرن الأفريقي، جعلت الولايات المتحدة تتنبه إلى ضرورة وجود عسكري واستخباراتي أمريكي كثيف في المنطقة، ومن ثم كان تفعيل الوجود العسكري في جيبوتي تجاوباً مع هذه العمليات، خاصة أنها تنطلق منها لضرب معاقل تنظيم القاعدة في اليمن، وحركة الشباب في الصومال، ومن ذلك قيام وحدة من القوات الأميركية الخاصة في سبتمبر 2014 بقتل زعيم حركة الشباب المجاهدين في الصومال أحمد عبدي غودان، المعروف بلقب "المختار أبو الزبير".

ويمكن أن يعزى اختيار جيبوتي إلى عدة عوامل أهمها العامل الجيوسياسي، فجيبوتي المطلة على البحر الأحمر قريبة من مضيق باب المندب، ولها حدود بحرية مع اليمن، كما تتمتع باستقرار سياسي وأمني، حيث لم تشهد أي تغيرات عنيفة في بنية السلطة منذ استقلالها عن فرنسا عام 1977.

وبجوار القاعدتين "الفرنسية والأمريكية"، تضم جيبوتي قاعدة للقوات متعددة الجنسيات لمكافحة الإرهاب والقرصنة ومن بينها قوات من ألمانيا، إيطاليا، وإسبانيا، كما دشن الاتحاد الأوروبي في يوليو عام 2012 مقراً لبعثة البحرية الأوروبية (EUCAP Nestor ) لمحاربة القرصنة، وذلك لإدارة العمليات البحرية الأوروبية(6 ).

كذلك قامت اليابان ببدء إرسال قوات عسكرية لحماية السفن اليابانية، باستخدام القاعدة العسكرية الأمريكية، حتى قامت بتدشين قاعدة عسكرية مستقلة عام 2011، تعد الأولى لها في الخارج منذ الحرب العالمية الثانية، وذلك لحماية حركة الملاحة اليابانية التي تمر عبر خليج عدن والمحيط الهندي والبحر الأحمر، وتضم القاعدة حوالي 180 جندياَ تحت مسمى قوات الدفاع الذاتي البحرية (Maritime Self-Defense Force ).

وفقاً للتصريحات الرسمية اليابانية، والتي جاءت عقب قتل تنظيم "داعش" رهينتين يابانيين في سوريا في يناير 2015، فإن هذه القاعدة سوف تكون متعددة المهام، لتشمل قوات تدخل سريع لإنقاذ الرعايا اليابانيين في حالة وقوعهم في خطر، وتقدم اليابان 30 مليون دولار سنوياً للحكومة الجيبوتية نظير تواجدها العسكري.

أما الصين – إحدى القوى الصاعدة في المنطقة والمساهم الأبرز في المشاريع التنموية – فإنها من المتوقع أن تبدأ هي الأخرى خلال هذا العام بناء قاعدة عسكرية في جيبوتي(7)، وبالتالي تصبح طرفاً فاعلاً في الترتيبات الأمنية في المنطقة. 2- القوى الإقليمية الفاعلة: بما أن أغلب القوى الدولية الموجودة في القرن الأفريقي هي قوى غربية، ويغلب على علاقاتها التعاون، عدا الصين، فإن العلاقات بين القوى الإقليمية الموجودة في المنطقة يغلب عليها التنافس، خاصة في ضوء تضارب مصالحها وأهدافها، وتتمثل القوى الإقليمية ذات النفوذ في المنطقة في إسرائيل وتركيا وإيران. وفيما يتعلق بالوجود الإسرائيلي في المنطقة، نجد أنه صريح وعلني في كل من إثيوبيا وإريتريا وكينيا، حيث تقدم إسرائيل لهذه الدول دعماً فنياً وعسكرياً باستمرار، بل وتوجد قاعدة عسكرية بحرية لإسرائيل في أرخبيل دهلك، خاصة في مدينة مصوع الواقعة على الشواطئ الإريترية، وذلك وفقاً لتقرير نشرته جريدة هآرتس الإسرائيلية في ديسمبر 2012، وتهدف هذه القاعدة لجمع المعلومات الاستخباراتية في البحر الأحمر، وتعقب أنشطة الجانب الإيراني، خاصة تهريبها الأسلحة لحماس وحزب اله من خلال البحر الأحمر(8).

أما إيران، والتي تتمتع بصفة العضو المراقب في الاتحاد الأفريقي اليوم، فإنها تبدي اهتماماً خاصاً بمنطقة شرق أفريقيا، في إطار اهتمام أوسع بأفريقيا كلها، لكسر عزلتها من خلال بناء علاقات سياسية واقتصادية متينة مع الدول الأفريقية، فقد عقدت في منتصف 2010 القمة الأفريقية – الإيرانية في طهران بمشاركة ممثلين عن 40 دولة أفريقية بينهم رؤساء ووزراء ودبلوماسيون ورجال أعمال(9).

تتسم الأهداف الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة بالثبات بدرجة كبيرة، فهي تسعى لحماية خطوط التجارة البحرية عبر المحيط الهندي والبحر الأحمر، والوصول إلى مناطق التعدين والمواد الخام، بالإضافة إلى محاصرة النظم غير الموالية واحتوائها، بجانب محاربة الإرهاب.

وتربط إيران علاقات وطيدة بإريتريا التي تتمتع بموقع جيواستراتيجي يتحكم في المدخل الجنوبي للبحر الأحمر عند باب المندب، ومنذ عام 2008 وعقب زيارة الرئيس الإريتري أسياسي أفورقي لطهران، بدأ الحديث عن حصول إيران على تسهيلات في ميناء عصب على البحر الأحمر لبناء قاعدة عسكرية تابعة لفيلق القدس، وهو ما يمنح إيران القدرة على التأثير في أمن هذا الممر الملاحي العالمي المهم، أو تهديده عند الضرورة.

وكشف تقرير استخباراتي غربي أن إيران قامت بإرسال المئات من عناصر فيلق القدس وضباط البحرية وخبراء عسكريين من الحرس الثوري إلى إريتريا، وقامت بنصب عدد من بطاريات الصواريخ متوسطة وقصيرة المدى والمضادة للطائرات في ميناء عصب، وذلك في تعاون وثيق مع السلطات الإريترية، وتحت غطاء اتفاقية تعاون رسمية بين البلدين، حيث لم تقتصر هذه الاتفاقية على الجانب العسكري فقط، بل شملت أيضاً التعاون في مجالات الصناعة والزراعة والطاقة، بالإضافة إلى صفقة نفطية تقوم على منح إيران الحق الحصري في الإشراف على تطوير وصيانة وعمل شركة تكرير النفط الإريترية المعروفة باسم "مصفاة عصب".

وبالتالي، فإن إيران تعتبر القوة الوحيدة المناوئة للغرب المتواجدة عسكرياً في منطقة شرق أفريقيا في الوقت الراهن، وفي الجهة الشمالية لمضيق باب المندب وبعد سيطرة جماعة الحوثي الموالية لإيران على العاصمة اليمنية صنعاء، تسعى الجماعة للسيطرة على مدينة المخأ الساحلية، نظراً لقربها من مضيق باب المندب، وبالتالي فإن نجاح الحوثيين في السيطرة على هذه المدينة خلال الفترة القادمة سوف يعني أن إيران هي المتحكم الرئيسي في الضفتين الشمالية والجنوبية لمضيف باب المندب، وتستطيع إعاقة الملاحة البحرية فيه. وفيما يتعلق بالدور التركي، نجد أنه يختلف عن الدور الإيراني، وتحكم حركته تجاه أفريقيا ثاثة عوامل هي: • العامل الاقتصادي: وهو الأهم والأبرز، حيث تسعى تركيا إلى أن تكون شريكاً تجارياً رئيسياً لدول المنطقة بشكل يعزز نسبة الصادرات التركية، وكذا الاستفادة من تسهيلات منطقة الكوميسا (السوق المشتركة لشرق وجنوب أفريقيا) التي تضم 19 دولة أفريقية. • العامل السياسي: إذ تسعى تركيا للعب دور ريادي في السياسية الدولية، وترى في منطقة شرق أفريقيا مجالاً حيوياً من خلال المشاركة في إعادة بناء الدولة الصومالية، فلا يخفى على أحد أنه ومنذ زيارة أردوغان الأولى للصومال في أغسطس عام 2011 وتركيا هي الدولة الوحيدة التي تعمل على الأرض في الصومال عبر مشاريع عدة تهدف إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة، بجانب رعاية تركيا للمحادثات بين الحكومة الفيدرالية وإقليم صومالي لاند المنفصل من أجل إيجاد حل توافقي لاستعادة الصومال وحدة أراضيها. • العامل الأيديولوجي: وقد ظهر هذا بوضوح في زيارة أردوغان الأخيرة للمنطقة، ولإثيوبيا تحديداً في 22 يناير 2015، حيث تحدث أردوغان بوضوح عن خطورة نشاط ما يسمى ب" الكيان الموازي" أي نشاط حركة فتح اله جولن التركية، والنشطة بقوة في إثيوبيا، وتحدث أردوغان عن ضرورة تحويل إدارة المدارس التي تملكها الحركة في إثيوبيا إلى وزارة التعليم التركية، وهو ما وعد به رئيس الوزراء الإثيوبي هيلي ماريام ديسالين في المؤتمر الصحفي المشترك بينهما.

وفي الختام، يمكن القول إن هذا التنافس الاقتصادي والعسكري بين القوى المختلفة على المنطقة ليس في صالح دول وشعوب المنطقة، فكثرة القواعد العسكرية في المنطقة تعزز استمرار وجود خلايا تنظيم القاعدة في المنطقة بهدف استهداف هذه القواعد والدول التي تستضيفها، وهو الأمر الذي من شأنه أن يدخل المنطقة في دوامة جديدة من عدم الاستقرار، ويهدد النمو الاقتصادي الذي تشهده المنطقة.

لذلك فإن الحكمة تقتضي أن تعيد دول المنطقة النظر في سياسة استقطاب القواعد العسكرية الأجنبية والمبنية على الاستفادة من المقابل المادي الذي تقدمه هذه القواعد للدول التي تستضيفها، وذلك حتى لا تتحول نعمة الموقع الجيواستراتيجي إلى نقمة، فعوامل استقرار المنطقة وازدهارها مرتبطة بتحول النمو الاقتصادي الذي تشهده المنطقة إلى تنمية حقيقية، وليس في تقديم أرض ثالثة للقوى الدولية المتصارعة.

-1 Can Ethiopia’s Resource Wealth Contribute to its Growth and Transformation ,? World Bank , January 26,2015 , accessible at :

http://www.worldbank.org/en/news/feature/2015/01/26/ethiopia-extractives-mining-strategic-assessment-mineral-sector -2 Elayne Wangalwa ,.E African Economies Show Impressive 2015 ,Prospects ,CnbcAfrica 12 .Feb ,2015 http://www.cnbcafrica .

com/news/east-africa/2015/01/15/east-africa-2015-prospects -3 Les forces françaises stationnées à Djibouti ,’ French Ministry of Defense , 23 August ,2012 accessible at : http://www.defense .

gouv.fr/ema/forces-prepositionnees/djibouti/dossier/les-forces-francaises-stationnees-a-djibouti -4 Craig Whitlock , Remote U.S . base at core of secret operations , Washington Post , October 25,2012 , accessible at : http://goo.gl /

3pUFDp 5- راجع: Remarks by President Obama and President Guelleh of Djibouti before Bilateral Meeting , The White House website , May 05,2014 ,

http://goo.gl/YM9rHB -6 US secures 10-year deal for Djibouti base , ,Aljazeera 6 May 2014, accessible at: http://goo.gl/TSDpFO -7 David ,Styan :Djibouti Changing Influence in the Horn’s Strategic Hub , Chatham House briefing paper , April ,2013 .p) (11 ,

accessible at: http://goo.gl/73LJMc -8 David ,Styan :Djibouti Changing Influence in the Horn’s Strategic Hub , Chatham House briefing paper , April ,2013 .pp) 11 – (13 ,

accessible at: http://goo.gl/73LJMc -9 Anshel Pfeffer , Both Iran and Israel have military bases in Eritrea , global Intel reports , ,Haaretz 12/12/2012, http://goo.gl/ZgRcaj 10- راجع: حمدي عبدالرحمن، الاختراق الإيراني الناعم لأفريقيا، موقع الجزيرة.نت، موجود على الرابط التالي: http://goo.gl/J4PXAG

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.