الإساءة للأديان:

صدام الأصوليتين الدينية والعلمانية بين المقدس والحرية ممدوح الشيخ

Trending Events - - الافتتاحية - ممدوح الشيخ مدير المركز الدولي للدراسات والاستشارات والتوثيق (مداد) - القاهرة

في كل المواقف والأحداث المسيئة للإسلام وللرسول محمد صلى الله عليه وسلم، يظهر انقسام في المواقف بين الغرب، الذي يعتبر ما يحدث جزءاً من حرية التعبير، وبين الشرق الذي يعتبر ذلك تحريضاً على ”الكراهية الدينية“، ويطالب بوقف الإهانات الموجهة للإسلام، وهو ما يكشف عن وجود اتساع في الهوة الثقافية بين الشرق والغرب.

حدث ذلك في مجموعة متكررة من المواقف، وتحديداً منذ الرسوم الدنماركية المسيئة في عام 2005، وصولاً إلى فيلم "براءة المسلمين" الذي صنع في كاليفورنيا والمسيء للنبي محمد صلى اله عليه وسلم، ونشر مجلة شارلي إبدو الفرنسية رسوماً كاريكاتيرية مسيئة للرسول الكريم، وقيام عدة صحف غربية بإعادة طباعتها تضامناً مع الجريدة، عقب الهجوم الذي وقع عليها.

وتثير قضية الإساءة للأديان جوانب عديدة، فهي تعيد من جديد العلاقة بين المقدس (الشرقي) المرتكز على الديني، وبين الحرية (الغربية) المرتكزة على عقلانية الحداثة، بما يحمله هذان المتناقضان من حدود غائبة لعلاقة جدلية شائكة، تدور حول تعريف "حدود الأشياء".

أما الجوانب الأبرز التي تمثل توجهات لم تبحث بقدر كافٍ من باحثي الشرق، فهي أننا بحاجة إلى إعادة اكتشاف الغرب وفهم سياقاته الثقافية والدينية التي تشكلت خلالها عقلية الحداثة والتنوير، وما قاد إليه تحول الصراع مع الكنيسة الكاثوليكية إلى صراع مع كل المقدسات الدينية حتى داخل المسيحية ذاتها.

وهنا تحديداً فإن حادثة شارلي إبدو تبين على وجه واضح كيف أن شواطئ الأطلسي تفصل بين حضارتين غربيتين متمايزين، إحداهما أوروبية ترتكن إلى "الهوية"، وأخرى أنجلوساكسونية ترتكن إلى "المواطنة"، وهو ما يجعل هناك اختلافاً بين موقف كليهما، فالملاحظ أن الولايات المتحدة تتخذ رد فعل سريعاً تجاه مثل هذه الأحداث وتدينها أعلى القيادات الأمريكية، تماماً كما يحدث في كندا، وفي بريطانيا لم تقف معظم وسائل الإعلام موقف المهاجم والمدين لحادثة "شارلي إبدو"، لكنها وجهت سهام النقد للجريدة لأنها نشرت هذه الإساءات وأوجدت عداوات، أوروبا في غنى عنها.

اأولً: ال�سرق والغرب..المقد�س والحرية

لقد أدى الهجوم على أسبوعية شارلي إبدو إلى إعادة إنتاج النقاش القديم – الجديد حول

العلاقة الشائكة بين "المقدس" و"الحرية"، وما يرتبط بذلك من "حدود الحرية"، فنظراً لأن الواقعة بحكم حقائق الجغرافيا وقعت في الشمال/الغرب، فإننا "هنا" في الجنوب/الشرق ننظر إليها وفقاً لمنظور ثقافي مغاير، فعلى الرغم من أن رفض الإرهاب أمر متصل بالفطرة والمعايير الأخلاقية التي يمكن القول إنها "كونية"، وأن ما تعرضت له جريدة شارلي إبدو من هجوم إرهابي يعد أمراً مجرماً، فإن هذا لا ينفي رفض وإدانة الرسوم المسيئة التي نشرتها الجريدة.

ولعل أحد المداخل النظرية التي يمكن الاستفادة بها في فهم تفسير ذلك الصراع هو ما يمكن تسميته "الجغرافيا الجديدة للأديان"، والتي جعلت ظواهر الاجتماع الديني أكثر تعقيداً لأسباب يأتي في مقدمتها حضور "الآخر الديني" الآن على المستويين الحقيقي والافتراضي، على نحو غير مسبوق في أوروبا مقارنة بالقرن الماضي.

ومن القضايا التي يثيرها الحادث أيضاً، السياق الذي ينبغي قراءته فيه: هل هو السياق المباشر الآني: وهو "قيام إرهابي مسلم بجريمة ضد صحيفة فرنسية؟"، أم بوصفه رداً "إجرامياً" على استخدام جائر لحرية التعبير وراءه خلفيات معرفية لا مفر من استحضارها لأجل قراءة "أمينة" صحيحة لما جرى؟

يعد السؤال الأول انعكاساً لمنظور اختزالي، يقتطع الواقعة من سياقها الصحيح، أما صياغة السؤال الثاني، فإنها تعكس الجريمة في سياق الثقافة التي وقعت فيها، والتي شهدت تطوراً تراكمياً لمفهوم "حرية التعبير"، وفي القلب منه العلاقة بين المقدس والحرية.

ويرى الدكتور فهمي جدعان أن "الحداثة" التي اقترنت بالتنوير وقلبت حدود العلاقة بين "المقدس" و"الحرية" بدرجة كبيرة، فقد قامت بإقصاء "الديني"، ونصبت العقل إماماً وحاكماً، وجعلت حق الحرية في الاعتقاد والتعبير "مقدساً"، وفي مواطن الحداثة، أي في الغرب، استخدم "الفكر الحر" هذا الحق استخداماً مطلقاً دون أية قيود.

وقصد هذا الفكر، مع فولتير، للقضاء على "الدجال" ممثلاً في مؤسسة الكنيسة، ونعت المقدس الديني وأهله بأبشع النعوت وأعنف الأقوال، وأذيعت المصنفات التي "تؤنسن" المسيح أو تضعه في موضع الشك أو الازدراء أو السخرية، وحفلت الأدبيات الغربية بما لا عدَّ له ولا حصر من الكتابات المضادة للألوهية وللدين وللمقدس.

وتعد فكرة المقدس وجهاً جوهرياً للدين وعماداً أساسياً من أعمدته، فالمؤمن يدرك هذا المعنى، ويخضع له على وجه التبجيل والاحترام والمحبة والخوف والرهبة والتسليم، ويعد جزءاً لا يتجزأ من أحكام المقدس ومنطقه أنه يتعين احترامه بإطلاق والانحصار عن مساءلته أو مناقشته أو الدخول معه في سجال، فلا فسق ولا جور ولا جدال ولا تعدٍ أو تطاولٍ بالقول أو بالفعل أو الانفعال على المقدس.

وبالتالي فقد ربطت الحداثة بالتنوير، وأكدت على حقوق الإنسان، وفي مقدمتها الحريات الأساسية، وعلى رأس هذه الحريات "حرية التعبير" بأشكالها الآمنة، وكذلك بأشكالها الخارقة لكل الحدود.

ثانياً: �سدام الأ�سوليتين الدينية والتنويرية

يمكن إرجاع الصراع بين الشرق والغرب لوجود اختلاف جذري في الموقف من المقدس، وكذلك حول ماهية المقدس، وهل هي الوحي أم العقل، وكلا السببين معاً يشكلان أحد أهم أسباب المواجهة المستمرة التي لا تكاد تتوقف فصولها

حتى اليوم.

لقد حدث التحول في الغرب حينما جرى الانتقال من "حالة خاصة" هي: "الصراع مع الكنيسة والمسيحية الكاثوليكية" بالتحديد، إلى صراع مع كل المقدسات الدينية. وهنا ننتقل إلى قلب "الدوجما التنويرية" "الأصولية العلمانية"، ما يتنافى مع مقولة "عقلانية الحداثة"، إذ هي في طبعتها الفرنسية تنطوي على تطرف أصولي بكل ما يحمله التعبير من معان صادمة.

وهذا الانتقال من خصوصية التجربة الأوروبية في سياقها الزماني والمكاني إلى تعميم كوني كاسح، فالسياق الزمني والمكاني الذي تم فيه المناداة بحرية التعبير، كما جاء على لسان فولتير وفلاسفة الثورة الفرنسية، كانت موجهة ضد الخماسية الشيطانية، وهي: (الاستبداد، والفساد، والانحطاط، وانحطاط الفكر الكنسي، والتحالف بين الكهنة والملوك ضد الشعب)، وترتيباً على هذا، فإن الاعتداء على معتقدات الآخرين ومقدساتهم باسم حرية التعبير والعلمانية أمر لا يجب أن يمثل امتداداً بأي حال من الأحوال للخماسية الشيطانية المذكورة سلفاً.

لقد تسبب تحوّل التنوير، وفي القلب منه العقل، إلى "مقدس" – ضمن أسباب أخرى طبعاً – إلى تحول الخلاف حول حدود حرية التعبير إلى معارك متجددة مع كل إساءة للدين الإسلامي من سالمان رشدي صاحب "الآيات الشيطانية" إلى حادثة "شارلي إبدو".

أضف إلى ذلك، إصرار الغرب على تعميم "الرؤية التنويرية" لحقوق الإنسان لتصبح "مقياساً عالمياً" لحقوق

يكرس المحيط الأطلسي وضعه كحاجز فاصل بين: "التشكيل الحضاري الأنجلوساكسوني" و"التشكيل الحضاري الأوروبي"، فوسط السيل الهادر من الأدبيات التي أطلقها الأوروبيون حول حادثة شارلي إبدو، ثمة مؤشرات تقطع بأن الحق في التعبير، وفقاً للرؤية والممارسة، تنطوي على تباين بين شرق الأطلنطي وغربه، إذ كانت هناك أصوات غربية تعتبر المجلة شريكاً في المسؤولية عما حدث.

الإنسان، بطريقة تجعلها في مواجهة مع ما سواها من التجارب والرؤى، فهي المعيار الوحيد والنموذج الوحيد الذي ينبغي على الجميع اتباعه، وهو ما يعد بمنزلة "إمبريالية ثقافية" مدانة أخلاقياً ومتهافة منطقياً، بمعيار العقل الذي جعلوه هم أنفسهم حاكماً.

ثالثاً: الحاجة اإلى اإعادة اكت�ساف الغرب

إن مقارنة الموقف الأوروبي مع الموقف الأنجلوساكسوني تكشف عن أن الغرب نفسه أصبحت فيه "رؤيتان متمايزتان" لحدود حرية التعبير.

وقد لخص برايان كينج – عضو كلية الفلسفة بجامعة أوكسفورد البريطانية – هذه المقارنة في مقاله "الهيستريا الأخلاقية"، وذلك في حديثه عن شعار "أنا شارلي" الذي رفعه كثيرون تضامناً مع المجلة الفرنسية؛ فقد طرح سؤالاً افتراضياً حول رد الفعل المحتمل لظهور شخص في قلب الحشد المهيب الذي تصدره الرئيس الفرنسي ملوحاً – فجأة – ب "مسدس لعبة" وحاملاً لافتة كتب عليها: "أنا شريف" (نسبة إلى أحد الإرهابيين الذين نفذوا الهجوم على شارلي إبدو)، ويتساءل كينج: (هل كان سيضحك المتظاهرون و"يستظرفونه" عندئذٍ .. فيعتبرون أن "دمه خفيف" أو على الأقل يمارس بشكل لائق حقه المكفول في حرية التعبير؟).

ما يريد أن يصل إليه كينج هو أن من تظاهروا من أجل "شارلي" لا يؤمنون فعلاً بحرية التعبير "المطلقة"، لكنهم لا يدركون ذلك، لأنهم "لا يعرفون أنفسهم جيداً"، ولذلك تدفعهم عواطف نابعة عن تخيُّل أنهم يدافعون عن قيم الحرية بشجاعة، في حين أن كل ما يفعلونه هو تأجيج صراع من دون داعٍ.

وبالتالي فإن الأمر لا يتعلق بعواطف شعورية هدامة تحرك فريق شارلي بقدر ما يتعلق بتناقض جذري بين القيم والمعايير الأخلاقية التي يتبناها ذلك الفريق، وبين تلك التي يتشبث بها من قام بالعمليات الدموية ومن أيده. لذلك فما يعتبره أحد الأطراف من الممنوعات التي تتطلب العقاب، يعتبره الآخر حرية رأي. وفي غياب إمكانية التوافق العقلاني يؤدي هذا التناقض إلى المأساة.

وغني عن البيان أن هذا يعني القراءة المركبة للواقعة لا الاكتفاء بتفسيرها بمنطق "أمني"، فالإرهاب مدانٌ من دون قيد أو شرط ومن دون استثناء، وهذا واجب أخلاقي، ولكن تقصيِّ أسباب الصدام واجب معرفي.

رابعاً: ت�سكيلان ح�ساريان اأوروبيان مختلفان

والقضية الثانية التي تثيرها واقعة شارلي إبدو وما تبعها من تداعيات وما أثارته من سجالات، هو وجود تباين ثقافي أصبح واضحاً إلى حدٍ كبير بين تشكيلين حضاريين كبيرين يشكل كلٌّ منها جناحاً من جناحي طائر كبير هو الغرب.

فالمحيط الأطلسي يتكرس وضعه كحاجز فاصل بين: "التشكيل الحضاري الأنجلوساكسوني" و"التشكيل الحضاري الأوروبي"، فوسط السيل الهادر من الأدبيات التي أطلقها الأوروبيون المؤيدون للحادثة، ثمة مؤشرات تقطع بأن الحق في التعبير، وفقاً للرؤية والممارسة، تنطوي على تباين بين شرق الأطلنطي وغربه، ولذلك فإنه في قلب موجة التضامن الهادرة مع المجلة الفرنسية، كانت هناك أصوات غربية تعتبرها شريكاً في المسؤولية عما حدث.

ومع انتشار شعار: "أنا شارلي أبدو" و"كلنا شارلي إبدو"، كتب ديفيد بروكس مقالاً في صحيفة نيوروك تايمز الأمريكية عنوانه: "أنا لست شارلي إبدو" أكد في بدايته، على أحقية ما يحظى به صحفيو أسبوعية "شارلي أبدو"، من حفاوة واحتفال بوصفهم "ضحايا حرية التعبير"، لكنه اعتبر "أن ذلك ينطوي على قدر من النفاق بالنسبة للأمريكيين الذين لا يعملون هذا القدر من التسامح تجاه حرية التعبير المطلقة".

وفي سياق المقارنة بين شرق الأطلسي وغربه، قال إن هؤلاء الصحفيين إذا حاولوا نشر صحيفتهم الساخرة في الحرم الجامعي لأي جامعة أمريكية خلال العقدين الأخيرين، فإنها "لن تستمر لمدة 30 ثانية"، نظراً لأنهم: "كانوا سيواجهون اتهامات من قبل الطلاب وأعضاء هيئة التدريس بالترويج لخطاب يحض على الكراهية، ومن ثم ستوقف الإدارة عن تمويل الصحيفة وتغلقها".

وأضاف: "الأمريكيون قد يمتدحون شارلي إبدو لكونها امتلكت شجاعة كافية لنشر رسوم كاريكاتورية تسخر من النبي محمد، ولكن، إذا دعيت أيان علي (صومالية ارتدت عن الإسلام وتسيء له) إلى الحرم الجامعي في أمريكا، فغالباً ستعلو الأصوات التي تستنكر وجودها على المنصة"، وتوجه بروكس للقارئ الأمريكي بالقول: "إن كنت وضعت على صفحتك بالفيس بوك أمس، عبارة "أنا شارلي إبدو"، فإني أرى أنها لم تكن دقيقة بالنسبة لمعظمنا، لأننا لا نشارك فعلياً في هذا النوع من السخرية الهجومية التي تتخصص فيها تلك الصحيفة".

التليجراف البريطانية كان أكثر ميلاً للتأصيل متوجهة بالنقد المباشر إلى "العلمانية" كشريك في المسؤولية، تحت عنوان: "شارلي إبدو: العلمانية ليست الحل، بل المشكلة"، معتبرة أن نبذ الغرب للمؤمنين بوجود إله يجعل الأمر صعباً

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.