هل تنشأ ”دولة كردية“ في شمال المنطقة؟

د. عبدالحكيم خسرو

Trending Events - - الافتتاحية - أستاذ العلوم السياسية كلية القانون والسياسية - جامعة صلاح الدين - أربيل

لايزال كردستان (موطن الأكراد) مقسماً بين أربع دول هي إيران وتركيا والعراق وسوريا، ومن ثم فإن حلم الدولة الكردية لايزال يراود الأكراد منذ انهيار الدولة العثمانية وإلى الآن.

مرت المطالب الكردية بمراحل مختلفة تراوحت بين الاستقلال، والحكم الذاتي، والفيدرالية، والحقوق الثقافية، ومن الناحية التاريخية لا نجد خطاً يعبر عن نضوج المطالب الكردية، بل أحياناً نجد تراجعاً نتيجة طبيعة النظام الدولي، ومستوى الدعم العالمي للحركة الكردية. فقد تمثلت المطالب الكردية بعد الحرب العالمية الأولى في تشكيل دولة كردية، حيث أعلن الشيخ محمود الحفيد مملكة كردستان في السليمانية.

وبعد الحرب العالمية الثانية تمحورت المطالب الكردية بين الحقوق الثقافية والإدارية في كردستان العراق وإعلان جمهورية كردستان في مهاباد (كردستان إيران) عام 1946. ثم تلت ذلك المطالب الكردية مع اندلاع ثورة سبتمبر عام 1961 في كردستان العراق بقيادة ملا مصطفى البارزاني بعد عودته من منفاه في الاتحاد السوفييتي السابق بعد ثورة 1958 في العراق، والتي تكللت باتفاقية الحكم الذاتي في مارس عام 1970، وصولاً إلى اتفاقية الجزائر عام 1975 بين شاه إيران والحكومة العراقية لوقف الدعم الإيراني للحركة التحررية الكردية في مقابل إعادة رسم الحدود بين البلدين لصالح إيران.

اأولً: بين الفيدرالية وال�ستقلال

تحولت المطالب الكردية في كردستان العراق إلى تبني صيغة الفيدرالية كنموذج للعلاقة مع العراق بعد انتفاضة مارس 1991، وتم تثبيت هذا المطلب في الدستور العراقي الدائم لعام 2005، ومازالت القيادات الكردية في هذا الجزء من كردستان تتمسك بهذا الخيار على الرغم من بروز المطالب بإعلان الاستقلال عن العراق وتشكيل الدولة الكردية. وقد ساهمت سياسات نوري المالكي وتمدد تنظيم "داعش" في كل من سوريا والعراق، في بروز الأصوات المنادية بإعلان الدولة المستقلة.

إذا ما أعدنا قراءة المشهد السياسي الكردي تاريخياً نجد أن إقليم كردستان إيران وكردستان العراق كانا الأكثر نشاطاً ونضوجاً من حيث المطالب، وإن كان هناك تراجع عن مطلب الدولة المستقلة، حيث تحولت إلى المطالبة بالحكم الذاتي والنظام الفيدرالي. في مقابل هذا النشاط ظل الجزء التركي من كردستان في حالة سبات الى سبعينيات القرن العشرين عندما بدأ نخبة من اليساريين بتشكيل نواة لحزب العمال الكردستاني والذي اختار النضال المسلح ضد الحكومة التركية إلى الآن. بدأ الحزب بالمطالبة بتشكيل دولة كردستان الكبرى وتوحيد الأجزاء الأربعة، لكنه تراجع عن هذا الهدف الكبير مع اعتقال تركيا عبداله أوجلان زعيم الحزب، وتقلصت المطالب وصولاً إلى نموذج الإدارة الذاتية "الكوميونات"، ومازال الحزب متمسكاً بهذا النهج حتى الآن. أما الجزء الكردي السوري، فقد تنوعت المطالب بين تشكيل نماذج للإدارة الذاتية في الجزيرة وكوباني وعفرين، والمطالب التي تنادي بتبني الفيدرالية.

ثانياً: دور حزبي كرد�ستان العراق وتركيا

مع تراجع دور حزب الاتحاد الوطني الكردستاني في العراق بزعامة جلال الطالباني، وخمول الأحزاب الكردية في كردستان إيران، يتنافس حالياً كل من الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود البارزاني في العراق وحزب العمال الكردستاني في تركيا على الزعامة على الأجزاء الأربعة ولكن بنهجين مختلفين. وقد انعكس هذا التنافس على المؤتمر القومي الكردي الذي بدأت اجتماعاته التحضيرية في أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق في 23 يوليو 2013 لتوحيد الموقف الكردي في الأجزاء الأربعة، وتبني خطاب واستراتيجية مشتركة إلى شعوب المنطقة، غير أن الخلافات ساهمت في تأجيل انعقاد المؤتمر.

تمحورت رؤية الحزب الديمقراطي الكردستاني في العراق حول تبني النهج السلمي في التعامل مع القضية الكردية في الأجزاء الأربعة. وكذلك توضيح عمليات الاضطهاد التي تعرض لها الشعب الكردي في العراق في عمليات الأنفال والقصف الكيمياوي لحلبجة، وعمليات التعريب والتغيير الديموغرافي. من جانب آخر أكدت الرؤية على تثبيت الحقوق الكردية في دساتير الدول التي تتقاسم أجزاء من كردستان على شاكلة الدستور العراقي الدائم لعام 2005. يرافق ذلك تبني سياسة تنموية اقتصادية بين أجزاء كردستان وشعوب المنطقة، وسيطرة إقليم كردستان العراق على ثرواته الطبيعية، خاصة النفط والغاز والدخول مع كل من العراق وإيران وتركيا في سياسة شراكة اقتصادية.

هذه الرؤية التنموية اصطدمت بواقع الانقسام الطائفي الحاد في الشرق الأوسط وتناقض المصالح بين كل من تركيا وإيران، والذي حول كل من سوريا والعراق إلى ساحة صراع طائفي أعاقت كل المشاريع التنموية والرغبة السلمية في حل القضية الكردية. والأخطر تعرض إقليم كردستان إلى خطر وجودي جراء هجمات "داعش"، بعد سقوط الموصل في يونيو 2014. لكن التدخل الدولي في حماية الكرد في كل من العراق وسوريا، نتيجة نجاح السياسة الخارجية لإقليم كردستان والتواصل مع الدول الأوروبية والولايات المتحدة حال دون حدوث مأساة. من جانب آخر أدى الانقسام الطائفي إلى التقارب المتسارع بين إقليم كردستان العراق وتركيا، لكن التقارب الكردي التركي ساهم في تعميق الخلافات بين الإقليم والحكومة العراقية وإيران والنظام السوري.

ثالثاً: بين الفيدرالية والكونفدرالية

أدت التطورات الأخيرة المتلاحقة إلى تغير في رؤية الحزب الديمقراطي الكردستاني العراقي من الفيدرالية إلى الكونفدرالية بنظام شراكة إقليمية تتجاوز الانقسامات الطائفية والقومية، تقابلها رؤية أخرى لحزب العمال الكردستاني في تركيا، وإن كانت تتقاطع مع رؤية الحزب الديمقراطي الكردستاني في تبني الحل السلمي والدخول في نظام شراكة إقليمية، ولكن وفق نموذج تشكيل الإدارة الذاتية الديمقراطية لكافة المكونات في الدول التي تتقاسم كردستان على أساس قناعة بفشل نموذج الدولة الأمة وفق هوية قومية مهيمنة.

لقد اعتبر حزب العمال الكردستاني الدولة معبرة عن نموذج للهيمنة، هذه الرؤية تتجاوز نظام الشراكة الإقليمية إلى أيديولوجية تعبر عن ملامح متبقية من الأيديولوجية الشيوعية التي تبناها الحزب منذ سبعينيات القرن العشرين، والتي تعبر عن ضرورة وجود رؤية أممية لحل تناقضات نموذج الدولة الأمة عالمياً.

إن كلاً من النموذجين: الكونفدرالي للحزب الديمقراطي الكردستاني، والإدارة الذاتية الديمقراطية لحزب العمال الكردستاني يتجاوز نموذج الدولة الأمة، مما يدل على وصول الحزبين إلى قناعة تامة باستحالة إيجاد دولة كردية في ظل التناقضات والصراعات الحالية في الشرق الأوسط. وقد ساهم تحدي "داعش" لحدود "سايكس بيكو" في تعميق قناعة الحزبين باقتراب إعادة رسم الخريطة السياسية وفق رؤية جديدة.

رابعاً: �سيناريوهات متوقعة

ليس بالضرورة تبني إحدى الرؤيتين التي سبقت الإشارة إليهما، سواء الكونفدرالية أو دولة الحكم الذاتي، بل ما هو مطروح هو إعادة إحياء نموذج الدولة الأمة بصورة أكثر حدة ودموية، في ظل عمليات تطهير عرقي وطائفي وإثني وتغيير ديموغرافي في مناطق التماس في سوريا والعراق. ويبدو أن هذه العملية بدأت منذ السبعينيات من القرن الماضي في ظل عمليات التعريب، واستمرت إلى عمليات التهجير والنزوح الجماعي في حزام بغداد والمناطق المختلطة، بعد اندلاع الحرب الطائفية في العراق عام 2006، وتهجير المسيحيين والأيزيديين من مدينة الموصل وأطرافها من قبل "داعش" 2014، وعمليات التطهير التي تقوم بها "داعش" في سوريا على أساس طائفي وديني وقومي. هذا الواقع يعطينا تصوراً حول تشكيل دول أمة جديدة، ليس على أساس أغلبية ذات هوية مهيمنة بل على أساس نقاء الهوية.

في المقابل ومع احتدام الصراع بين القوى الكبرى وتناقض المصالح في الشرق الأوسط، وتردد أو غياب استراتيجية لمواجهة التطرف والحرب الدائرة في المنطقة، فإنه من المتصور أن يؤدي ذلك إلى أن تصبح التصورات الكردية بتكوين دولة مستقلة، أبعد من التحقق وفق رؤية أحد الفريقين الكرديين المتنافسين، على الرغم من تطبيق النموذج الكونفدرالي في إقليم كردستان والإدارة الذاتية الديمقراطية في كردستان سوريا على أساس فرض سياسة الأمر الواقع.

كل من النموذجين الكونفدرالي للحزب الديمقراطي الكردستاني، والإدارة الذاتية الديمقراطية لحزب العمال الكردستاني يتجاوز نموذج الدولة الأمة، مما يدل على وصول الحزبين إلى قناعة تامة باستحالة إيجاد دولة كردية في ظل التناقضات والصراعات الحالية في الشرق الأوسط.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.