ماذا لو انفصل الجنوب عن دولة اليمن؟

د. علي صالح موسى

Trending Events - - الافتتاحية - نائب مندوب اليمن في جامعة الدول العربية سابقاً - باحث في الشؤون اليمنية

لاشك أن التنبؤ بالمستقبل ومحاولة توقعه أمر في غاية الصعوبة، وتتضاعف صعوبته في حالة المشهد السياسي في اليمن، بما يمر به من انسداد أفق العملية السياسية، وبما يشهده من تطورات متسارعة أربكت الجميع. بات اليقين الوحيد فيما يتعلق باليمن أنها على أبواب نفقٍ مظلم ومصير مجهول، ويعيش صراعاً على تقاسم السلطة والثروة ليس عبر أُطر سياسية واجتماعية تعظم الولاء للدولة، بل صراع يعلو فيه يوماً بعد يوم الولاء القبلي والمذهبي والجهوي. هو صراع يرتبط بشبكات المصالح الاجتماعية القبلية والعسكرية ورجال الأعمال، وتأثير الخارج على مساره، وهنا الخطورة، حيث ترتفع التكلفة الاجتماعية للانتقال السلمي في اليمن إن لم تؤد إلى انهياره وتمزقه.

اأولً: ما بعد انتقال الرئي�س اإلى عدن

يمثل تمكن الرئيس عبد ربه منصور هادي من مغادرة منزله المحاصر بصنعاء من قبل أنصار اله، ووصوله إلى عدن يوم السبت 21 فبراير 2015، نكسة أصابت "أنصار اله" وعلي عبداله صالح، ولن يستطيعوا أن يكملوا تحقيق أهدافهم من خلال عملية عسكرية تجتاح عدن. الوضع حالياً يختلف تماماً عما كان عليه في حرب 1994، عندما اجتاح صالح الجنوب تسانده قوات جنوبية، على رأسها الرئيس الحالي عبد ربه. حالياً الأمر مختلف فالرئيس عبدربه لديه الشرعية المدعومة إقليمياً ودولياً، ولا يمتلك خصومه من القوة ما يمكنهم من تحقيق أهدافهم، ومع ذلك، ما حدث يعتبر منعطفاً خطيراً في الأزمة السياسية الراهنة، ويفتح الأبواب أمام سيناريوهات عديدة، منها تقسيم اليمن إلى جزءين تتنازعهما حكومتان وعاصمتان، والمؤشر الأخطر إمكانية أن تنقسم اليمن إلى أكثرمن دولتين.

ثانياً: ما هي القوى الفاعلة في الجنوب؟

الإجابة عن هذا التساؤل الرئيسي تتطلب مقاربة لواقع المشهد السياسي في الجنوب، والعوامل الخارجية في تحديد مساره، والموقف من الوحدة. فالجنوب، أو ما كان يعرف بجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، يمثل 70% من مساحة الجمهورية اليمنية، ويساهم بنسبة 85% من ميزانية الدولة، وعدد سكانه حوالي 5 ملايين نسمة. ويظهر فيه أن كل القوى السياسية ومكوناتها لم تستطع حتى الآن أن تجد قيادة موحدة، تطرح رؤية محددة، يلتف الناس حولها. ويبدو المشهد كالتالي: 1- اللجان الشعبية الجنوبية، وقد عادت من جديد إلى الواجهة، بعد أن سيطر أنصار اله على صنعاء، وأجبروا الرئيس وحكومته على الاستقالة، وتتصدر المشهد بعد أن أحكمت سيطرتها على كامل المؤسسات الحكومية في عدن. ويعود تاريخ نشأة اللجان إلى منتصف عام 2012، حيث شكلها وزير الدفاع السابق لمواجهة القاعدة في المحافظات الجنوبية، وخاضت حروباً ضدها في شبوة وأبين الجنوبيتين، ويقدر عدد أفرادها بثمانية آلاف مقاتل ويوالون الرئيس عبدربه هادي.

2- حزب رابطة أبناء الجنوب العربي الحر، ويتزعمه عبدالرحمن الجفري الموالي للمملكة العربية السعودية، والذي يُوصف القضية الجنوبية بأنها ليست قضية مطالب، ولا قضية سياسية في بلد "واحد" لكي تحل من خلال التسويات، بل هي قضية وطن محتل، ويطالب بالعودة إلى ما قبل نوفمبر 1967، وإلى أن يطلق على الجنوب "الجنوب العربي". وتجزم قيادة الحزب بأن الأحداث كفيلة بإقناع دول الجوار، بالخطر على الأمن والاستقرار في المنطقة، وأن خطراً قادماً من التمدد الإيراني عبر جماعة الحوثي إلى الجنوب لابد أن يكون أساساً لتغيير استراتيجي في المواقف الإقليمية تجاه القضية الجنوبية ليتجاوب مع مطالب الانفصال. 3- إقليم حضرموت، يمثل 51% من مساحة الدولة، ويسعى سكانه منذ يناير 2013 إلى تأسيس إقليم لهم. وبدأت المساعي من خلال لقاء سفير السعودية في صنعاء بلجنة تضم ممثلين عن "حضرموت وشبوة والمهرة وسقطرة"، والإعلان عن رغبتهم في إنشاء إقليم، وتعبيرهم عن اعتزازهم بخصوصية العلاقة الأخوية التي تربط اليمن بالمملكة، خاصة أبناء هذا الإقليم وثقتهم بوقوف المملكة ودعمها لهذا المشروع. وفي 26 أُغسطس 2013 أعلن أعضاء في مؤتمر الحوار، اعتزامهم تشكيل إقليم شرق اليمن، وطالبوا باعتماد النظام الفيدرالي، والمكون من عدة أقاليم، لكلٍ شخصيته الاعتبارية، وسلطاته المنتخبة، التي تتولى إدارة شؤونه وتنميته، وفي 10 فبراير 2014 وافق الرئيس على مطلبهم، وأعلن اليمن دولة اتحادية من 6 أقاليم. لكن المؤتمر الشعبي وأنصار اله عارضا هذا التقسيم، وكان التقسيم واحداً من أسباب المواجهة بين الرئيس وأنصار اله. 4- الحراك الجنوبي، بدأ في عام 2007 بكيان جمعية المتقاعدين العسكريين والأمنيين الجنوبيين المسرحين من عملهم، للمطالبة بالمساواة وإعادتهم ولم يتم التجاوب مع مطالبهم، وتطورت الأحداث وارتفع سقف المطالب إلى أن أصبحت سياسية هدفها الاستقلال لجنوب اليمن. ويزداد يوماً بعد يوم عدد مكونات الحراك وفصائله لتصل إلى أكثر من 70 فصيلاً ومكوناً، ولاؤها لقيادات سابقة للجنوب، وعلى رأسهم علي سالم البيض، الرئيس السابق للجنوب، وحسن أحمد باعوم، والمنتميان إلى محافظة حضرموت، والرئيس عبدربه منصور هادي، وعلي ناصر محمد الرئيس الأسبق، ومحمد علي أحمد، والمنتمون إلى محافظة أبين.

واللافت أن كل الدعوات، سواء كانت في الماضي أو في الوقت الحاضر لتشكيل قيادة موحدة للحراك، تضع رؤية يلتقي حولها الجنوبيون، تفشل وتصطدم بأجندة القيادات المرتبطة بالخارج. وحالياً يتصدر فصيل علي سالم البيض الصدام مع الرئيس عبدربه، ويرفض تكريس أجندة الاحتلال ( بحسب تعبير بيان صدر يوم 25 فبراير 2015 عن قوى التحرير والاستقلال) ومخرجات حواره على أرض الجنوب من قبل ركائز الاحتلال ورأس سلطته الهارب من صنعاء إلى عاصمة دولة الجنوب عدن، ورفض تحويلها إلى عاصمة أخرى للاحتلال، فذلك يمثل خطراً مباشراً على القضية. 5- تنظيم القاعدة، أسست جماعة أنصار الشريعة في 2011، إمارة وقار في محافظة أبين (مساحة الإمارة 60 ألف كيلومتر مربع)، والتي سقطت في يونيو 2012 بعد سيطرة استمرت سنة، وزار هذا الإقليم زعماء قبليون من شمال اليمن، أيدوا قيامها، ودعموا زعيمها أبا حمزة الزنجباري، وهو من قبيلة المراكشة القوية في محافظة أبين، بالإضافة إلى قيام عدد من العسكريين بالتواصل مع قيادة الإمارة. والمؤشرات جميعها تشير إلى أن اليمن سيشهد قيام إمارات إسلامية في الجنوب، يمكن لها الاستمرار، بالاستفادة من الأوضاع الراهنة المتردية، ومن قوة التنظيم المتزايدة.

ثالثاً: ماذا يمكن اأن يحدث اإذن؟

من السيناريوهات المطروحة بقوة "مشروع الانفصال" الذي يحتاج إلى دعم واتفاق اللاعبين الرئيسيين في الجنوب، وفي المقدمة السعودية ودول الخليج، والولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا. وعلى افتراض تحقيق سيناريو الانفصال، بدعم من هذه الأطراف، أو تمكنت إيران والقوى الموالية لها من فصل الجنوب، وهو مستبعد، فإن تبعات الانفصال لن تعيد الجنوب إلى دولة ما قبل عام 1990 (دولة الحزب الاشتراكي اليمني)، أو تعيده إلى ما قبل عام 1967 (دولة الجنوب العربي). وإذا كان المشهد يستبعد سيناريو النموذج الليبي، فإنه لا يستبعد حروباً داخلية على السلطة والثروة وتمدداً للقاعدة، وحروباً بالوكالة عن القوى الإقليمية المتصارعة (السعودية، وإيران)، وتمزقاً للجنوب. ومن المتوقع أن يكون الإقليم الأوفر حظاً بالاستقرار هو إقليم حضرموت. وإذا تهيأت الظروف لإعلانه دولة، فلا يستبعد الاعتراف به، من بعض الدول، ومنها الدول الخليجية. وإذا ما تدخلت بريطانيا فسيكون من أجل بسط نفوذها عليها، وستعيش اليمن في وضع لا يختلف عن الوضع في الصومال، إن لم يكن أكثر سوءاً منه، وسوف تتشكل كيانات بونتلاند وصومالاند اليمن، وسيشهد الشمال اضطراباً أمنياً وصراعاً مذهبياً. ومن المتوقع تشكل كيانات على أساس مناطقي ومذهبي، ويواجه أنصار اله (الحوثيون) رفضاً متزايداً عما هو عليه الحال الآن، ومن المتوقع وقف توسعهم داخل مناطق المذهب الشافعي. وعلى افتراض هذا السيناريو، فإن لذلك تأثيراً سلبياً على أمن دول الجوار، وعلى الملاحة في مضيق باب المندب، والقرصنة في البحر العربي.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.