متى تنتهي الجماعات الإرهابية؟

أ. عمر البشير الترابي

Trending Events - - الافتتاحية -

في شتاء عام 2009 أطلقت دوائر مقرّبة من الإدارة الأمريكية تصريحات ثقافية وسياسية تبشر ”بنهاية الإرهاب“و“أفول القاعدة“، ودعت لتخفيض نفقات الحرب على الإرهاب.

مع اندلاع "خريف الفوضى العربي" في آخر عام 2010، تحوّلت التصريحات إلى قوّة ثقافية تبشّر بما يسمى ما بعد الإسلاموية، وصارت فرضية "يجب وقف تخويف العالم بالقاعدة" هي الشعار الأشهر، وسوّدت الصحف بديمقراطية السلفيين، وظلّت الأصوات المتشائمة معزولة تماماً إلى أن استولت التيارات الإسلاموية على الحكم في الدول العربية، وبدأت نتائج "داعش" وسوريا، وليبيا، وتونس، وسيناء. وإلى الآن يتجاهل المفكرون الإجابة عن السؤال الواضح "هل استخفّ العالم بالإرهاب، ولماذا"؟

اأولً: تفكيك مطلوب لمفهوم الإرهاب

لم تكن تلك المرّة الأولى وليست الأخيرة، التي يقع فيها الخطأ والخلط في تقييم مسار الإرهاب، والاستعجال بادّعاء نهايته، وربما مرد ذلك خطأ في تشخيص الإرهاب والخلط بين العنف السياسي، والتمرّد، والعنف الديني، وحتى الثورة، لتشابه الإرهاب وهذه العناصر. هذا الخلط هوةٌ تمنع الإجابة عن السؤال "هل يمكن أن تنتهي التنظيمات الإرهابية، وكيف"؟. لذا فإنّ المعالجة المثلى للسؤال تبدأ بتفكيك عناصره. في نهاية 2013 كان من السهل قراءة خريطة عودة الإرهابيين إلى محاضنهم، وتحوّل المعركة الإرهابية – مؤقتاً- إلى داخل الدول العربية كمشكلة "محليّة"، الطريف آنذاك أنّ مؤسسة "أمريكية" مرموقة، ظلّت لأعوام تصدر مجلة شهريّة مميزة تختص بدراسة التطرف العنيف، وتصرّ على مصطلح الإرهاب، فاجأت قراءها منذ بدء العمليات الإرهابية في مصر باستبدال كلمة "عمليّات إرهابيّة" بأحداث "العنف السياسي"، كان ذلك مؤشراً على إزالة اللبس من حيث اعتبار زوال الإرهاب لمجرد انتهاء سلطة اعتبرت استبدادية، أو حدوث تغيّر نظامٍ سياسي.

ثانياً: ما هو الإرهاب ال�سيا�سي؟

العنف السياسي هو استخدام الوسائل المتاحة كافة، وفي مقدمتها القوة أو التهديد باستخدامها لتحقيق أهداف محددة مسبقاً، ومن أنماط "العنف"، العنف اللاعقلاني الذي يفقد أية أهداف موضوعية، والعنف الانفعالي تجاه أحداث قصيرة الأمد، وأخيراً العنف العقلاني الذي يحوي إطاراً واضحاً، وأهدافاً ووسائل، ويشترك فيه عقلاء، ويثور لأسبابٍ واضحة. محاولة تفريق الإرهاب عن العنف السياسي، أنتجت مصطلحاً يستعمل على نطاق ضيّق هو "الإرهاب السياسي"، وهو فعل رمزي يتم لإحداث تأثير سياسي بوسائل غير معتادة، حيث يستعمل العنف أو التهديد به، والإرهاب هو الصورة الوحيدة من العنف السياسي الذي يتجاوز نطاق الهدف المباشر، ليصل تأثيره إلى طوائف أخرى مستهدفة بالعمل الإرهابي. ويركز على قلب وعقل الجماهير. كما أنّ للعمل الإرهابي بُعداً وطابعاً دوليين، بينما العنف السياسي له بعد محلي.

تفسيرات العنف السياسي بنظريات، كالاستغلال وبروز الوعي الطبقي، والعجز في أبنية النظام السياسي، وفقدان الشرعية والعنف المضاد، واتساع الفجوة بين ما يتوقعه الناس وما يحصلون عليه، هي تفسيرات منطقية ولكن ربطها بالإرهاب خاطئ نسبياً. وسوء التعريف واستعجال البدايات يقود لنهايات خاطئة، وما يغيب عن النظر، هو رؤيّة الإرهابي "لذاته"، فالداعشيّ الذي يذبح "إنسانًا"، لا يرى فيما يقوم به "وحشية" بل يظنّها طريقاً لرضا خالقه، ومؤدياً لجنته، ويستند في ذلك إلى رؤية ثقافية دينية، هذا الثبات وهذه الرؤيّة لا يوافقها صاحب فعل العنف السياسي، الذي يرتجي نتيجة لعنفه مع إدراكه خطأ العنف. يجب أن يعرّف الإرهاب على أنّه تبرير العنف (السياسي، الديني، الإثني، غيره) باسم الدين، والجماعات الإرهابية هي الجماعات التي تستمد شرعيتها من الدين خارج إطار الدولة، وتستخدم الدين لتبرير العنف ومباركة من يمارسه تحت مظلة هذا التبرير، بغض النظر عن صحة أو دقة أو عدالة هذا التبرير وصلته بالدين أو عدمها. هناك تعريف قانوني يعالج الفعل والشروع فيه، وسياسي يهتم باتجاه الفعل نحو الدولة وطريقة التعبير عن رفضها والتمرد عليها، وهناك تعريف ثقافي يهتم بصناعة النية وتقييم مدى عقلانيتها ورغبتها في الحياة، وتعريفٌ ديني يناقش الإرادة القويمة لتطبيق مقصود الأديان وترسيخ العقائد، والارتباط باحتكار رضا الإله. وواضح أن كل رافد من هذه هو مصدر لقطاع عريض من المتعاطفين، لكن الإطار الديني هو المحرك للعاطفة وصاحب الشعبية الكبرى، أما السياسي فهو المغذي الحركي للقيادة الوسيطة ويوجد شريحة المتعاطفين، والثقافي هو المجال المفتوح لصناعة رأي يقبل العملية الإرهابية كحالة لها تفسير. وفقاً لهذه المقدمات، متى نستطيع أن نقول إن الإرهاب انتهى؟ هل بموت أبي بكر البغدادي، أو بتحوّل القاعدة لذئاب منفردة، أو قطع التمويل عنها؟ الإجابة: بوقف استخدام الدين كتبرير لفعل سياسي. ويمكن تطوير هذا التعريف عبر ملاحظات مهنيّة تنعكس على مقياس، يدرس خطاب الجماعات، بإحصائهم، لتقويم نجاعة الحلول العامة المقترحة، كما ترتبط بتطبيق مشاريع جادة على كل جماعة إرهابية ومجموعتها، لتفريغ العناصر السياسية ومحاورة العناصر الدينية.

ثالثاً: كيف يمكن وقف الإرهاب؟

بداية ألا يصحّ أنّ نقول إن للإرهابيين في بعض خطاباتهم جوانب سياسية منطقية؟ لا يصح، لأنّ الخطابات السياسية لا تمثّل عنصراً حقيقياً في الخطاب الإرهابي، فالفقر والاستبداد والاحتلال والتهميش، قد تؤدي إلى عنف سياسي، وإلى ثورة تستهدف الأسباب الظاهرة؛ ولكن تحقق الأهداف الإنسانية لرفع هذه العناصر لن يخفِّض الإرهاب، لأن الإرهاب لا يعتمد على هذه المعطيات لأخذ شرعية وجوده. وعليه فإن وصول الوعي بضرورة الفصل بين التبرير السياسي والغطاء الديني هو خطوة مهمة لتحييد الفعل السياسي. قد يكون إجراء تعديلات ثقافية تعالج الثغرات التي تتسرّب عبرها "آلية التبرير" الإرهابية، من الإجراءات التي تقوّي آمال تقليل وجود وخطر التنظيمات، إذ تستثمر التنظيمات الإرهابية فكرة الحق الواحد، والفرقة الناجية. ولمكافحة ذلك يجب تشجيع الفلسفة بضروبها وتدريسها لتدريب العقل على توليد "خيارات" صائبة ذات درجات تعتمد على ظروف متغيّرة. كما أنّ تحقيق أرضية تقبل خيار الدولة ومنطق المواطنة، فالإرهابي ينظر للوطن –على أحسن فروضه- كمرحلة مؤقتة لبناء أممية عابرة للدول، ويستفيد من عدم رضا المواطن ويستثمره في مشروعات جهادية متمردة تشبع فيه رغبة القضاء على الآخر، وهنا يمكن ملاحظة استدعاء "داعش" في المزاح الشعبي، وفي التعبير عن الغضب، عبر تتبع جملة "ألو داعش"، و"تستحقوا داعش" وغيرها، مما يستوجب علاجاً داخل الثقافة. إجمالاً، فإن دعم مشروعات تعزيز العيش المشترك و"حب والوطن"، هي خطوات حقيقية، يجب وصلها بأنماط التدين. ومن المهم متابعة النتائج وتشجيع التطورات التي تحافظ على تماسك المجتمع والدولة من ناحية وتحافظ على الوهج الروحي للتيار من ناحية أخرى. إن التعامل الاعتباطي مع النصوص، أتاح لدعاة السلفية الجهادية، تناول النصوص خارج مدارس الفهم العتيقة، وبعيداً عن خبرات فنيي النصوص الذين استطاعوا الوصول إلى صيغة محسنة وأصيلة، لرؤية الإسلام للآخر والعالم، من المهم فهم القيمة الحقيقية لضمان "توجيه الطاقة الدينية" واستغلالها عبر فسح مجال روحي داخل الإطار التقليدي، يؤدي ذلك لحرمان الإرهابيين منها، ويتم بالسماح لها بالتدفق في الإطار التقليدي، المنفتح نحو تحقيق الاستجابة الروحية الفردية، والخلاص الفردي. والتصالح مع المجتمع بآخره، وهذا يكون بعلاج أصوّل التكفير، وحصار مستغليه ومحصنيه، وتجاره.

رابعاً: هل �ستنتهي الجماعات الإرهابية؟

نعم ولا! لا: لأن الإرهاب تمخضت عنه شبكة مصالح اجتماعية في بلدانه، تشابكت مع عناصر طائفية (من السنّة والشيعة معاً)، وصار التنافس الداخلي على تدفق المقاتلين بين "الإرهاب الوسطي، والإرهاب العنيف" يشكّل مجتمعاً موازياً؛ وفي الحسابات السياسية أصبح للتطرف "غير العنيف" وزناً سياسياً، وللتطرف العنيف أيضاً وزن يُحاور ويستخدم، كما أنّ الوجه "العنيف" للإرهاب صار يستخدم كدعاية بيضاء للإسلام السياسي الذي يحتوي على جرعةٍ أكبر من التسييس والبرجماتية، كما أنّ مصالح دول جعلت تغذية الإرهاب ممكنة، فالتنظيم نفسه يُضرَب بتحالفٍ دولي في العراق وسوريا بينما يُدعّم في ليبيا، باستمرار هذا التناقض لا يمكن الوصول إلى نتائج إيجابية. نعم:إذا تمّ عزله عن الصراع السياسي، وتصريف الطاقة الدينية، وتشجيع الأجيال على الارتباط بالحياة، واعتبار تراكمات الماضي أخطاء ضرورية لتعلّم معطيات الدولة المدنية الحديثة، وتحصين ذلك بقوانين، تحمي الدين والدولة.

عمر البشير الترابي نائب رئيس التحرير بمركز المسبار

للدراسات والبحوث

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.