الحكم الذاتي:

لماذا ترفض الحركات الأزوادية في مالي اتفاقية الجزائر؟ حمدي جوارا

Trending Events - - الافتتاحية - حمدي جوارا كاتب وباحث في القضايا الأفريقية، ومراقب عام ملتقى دارسي العربية من أفريقيا، باريس – فرنسا

رفضت "الحركة الوطنية لتحرير أزواد" التوقيع على الاتفاقية التي رعتها الجزائر من أجل إقرار السلام في مالي، على أساس أنها لا تلبي طموحات الشعب الأزوادي، فضلًا عن انحياز الاتفاقية لمالي، خاصة فيما يتعلق بعدم منح إقليم أزواد حكم ذاتي يمكنها من إدارة شؤونها بنفسها، وتعيد هذه التطورات التساؤل مرة أخرى عن الحركات الانفصالية في مالي وموقفها، وفرص نجاح جهود التسوية التي ترعاها الأطراف الإقليمية.

اأولً: تن�سيقية الحركات الأزوادية

تنضوي الحركات الانفصالية في شمال مالي تحت لواء "تنسيقية الحركات الأزوادية"، وهي تتكون من ثلاث حركات مسلحة بشمال مالي، وهم الحركة العربية الأزوادية، والحركة الوطنية لتحرير الأزواد والمجلس الإسلامي الأعلى، والتي تنظر جميعها إلى شمال مالي باعتباره موطن الطوارق.

وتتمثل أبرز هذه الحركات الثلاث في الحركة الوطنية لتحرير أزواد، والتي ظهرت في نوفمبر 2010، وتسعى لتحقيق الانفصال أو الاعتراف بحق الشعب الأزوادي في تحقيق مصيره، وقد زادت قوة الحركة بعد مقتل معمر القذافي، الرئيس السابق في ليبيا، وانتقال أعداد كبيرة من الطوارق الذين كانوا جزءاً من جيشه إلى شمال مالي، إذ عادوا بأسلحة كثيرة، فضلاً عن امتلاكهم خبرة عسكرية مكنتهم من أن يمثلوا قوة عسكرية على الأرض.

وتعتبر الحركة الوجود الحكومي المالي في الإقليم جزءاً من مؤامرة دولية وإقليمية ألحقت أزواد بدولة مالي، وتتمركز الحركة في مدينة كيدال شمال مالي، حيث توجد أعداد كثيرة من الطوارق، وقد زادت سيطرتهم عليها بعد نزوح

القبائل الأخرى منها، إثر تصاعد وتيرة العنف العرقي بين الطوارق من جانب وقبائل الصنغاي والفلاتة وقبيلة البيلا من جانب آخر، في فبراير 2012.

وعلى الرغم من مطالبة الحركة بانفصال شمال مالي، فإنه توجد في شمال مالي مدينتان أكبر بكثير من كيدال، وهما تومبوكتو ومدينة غاوة، وغالبية سكانهما من قبيلة الصونغاوية وليس الطوارق، وفضلاً عن ذلك، فإن هناك قطاعاً من الطوارق والعرب لا يطالبون بالاستقلال، وإن كانوا يرون ضرورة تمتع المنطقة بقدر من الاستقلالية في إدارة أمورها، سياسياً وإدارياً واقتصادياً، وهو ما يعني أن المطالبين بانفصال شمال مالي لا يتمتعون بالدعم الشعبي أو الأغلبية السكانية التي تمكنهم من ذلك.

ثانياً: ف�سل الجهود الإقليمية للت�سوية

سعت العديد من الدول الإقليمية المجاورة لمالي للعب دور الوسيط للتوصل لحل مرض لجميع الأطراف، فكانت هناك وساطة مغربية منذ اندلاع الأحداث في 2012 هدفت إلى التوصل لحل سياسي للأزمة بين الحكومة المالية والحركة الوطنية لتحرير أزواد، كما تضمنت المبادرة حزمة مساعدات اقتصادية من أجل النهوض

بالاقتصاد المالي.

كما ساهمت موريتانيا كذلك من خلال الدعوة إلى ضرورة إيجاد صيغة حوار مشتركة تهدف في البداية لبناء الثقة بين الطرفين، كما تدخل الرئيس الموريتاني محمد ولد عبدالعزيز في أحداث كيدال، التي شهدت اقتتالاً بين مسلحي الطوارق والحكومة المالية، إذ زار المدينة، وتوصل لاتفاق لوقف إطلاق النار بين الطرفين في مايو 2014.

وأخيراً ارتكزت المفاوضات على الجهود الجزائرية خلال الأشهر الثمانية السابقة، والتي هدفت لمناقشة كافة المشاكل التي تحول دون التوصل لصيغة اتفاق نهائي بين الطرفين، وعلى الرغم من التوصل لاتفاق أولي، طلبت الحركات الانفصالية مهلة لكي ترجع لقواعدها في شمال مالي، وهو ما كان يعني في التحليل الأخير رفض توقيع الاتفاقية.

وقد اعترضت الحركات الأزوادية على بندين أساسيين وردا في اتفاقية الجزائر وهما:

• تعديل الجزائر بنداً مقترحاً كان يتضمن حكماً ذاتياً للشمال في إطار كونفدرالي، واستبداله بالنص على صلاحيات واسعة للسلطات الإقليمية والجهوية مع حماية الوحدة الترابية لدولة مالي.

• رفض الترتيبات العسكرية التي تضمنها الاتفاق حول نزع سلاح الميليشيات المسلحة في شمال مالي بالتدريج، وإدماج عدد من مسلحي الحركات الانفصالية في القوات المسلحة المالية، وإخلاء بعض معسكرات الحركات الأزوادية من الأسلحة بالتدريج حسب تقدم العملية السياسية.

ومن ناحية أخرى يعد موقف الحكومة المالية هشّاً وضعيفاً، حيث وافقت على الاتفاقية من دون إجراء استفتاء شعبي، وذلك إدراكاً منها لوجود رفض شعبي للاتفاقية، خاصة بعد نشر بنود وثيقة الاتفاق إعلامياً، إذ اعتبروا أن هذه الوثيقة تكرس انقسام الدولة، على الرغم من وجود نص يدعو لاحترام وحدة الأراضي المالية، وذلك بسبب اعترافها بإقليم أزواد ك "حقيقة إنسانية" كما جاء في الاتفاقية.

وقد سعت الحكومة لتبرير ذلك على أساس أن هذه التسمية موجودة كثقافة لبعض أهالي الشمال، وأن المهم هو التوصل للسلام، بل وعمدت الحكومة لاعتقال بعض الأصوات الشبابية الرافضة للاتفاقية، وبدأوا يوظفون بعض الأصوات الإسلامية، التي تتمتع بالشعبية، للترويج للاتفاقية.

ويبدو أن الأمور في طريقها نحو الانفجار الداخلي، خاصة بعد دعوة عدد من رموز المجتمع المدني للقيام بتظاهرات عارمة ضد الحكومة والرئيس المنتخب بسبب قبوله توقيع مثل هذه الاتفاقية، وهذه الخطوات التصعيدية قد تدخل الدولة في أزمات متوالية جديدة في حال لم تتم الدعوة إلى حوار داخلي جاد، ولذلك فإن الأيام المقبلة مرشحة لأن تشهد عنفاً سياسياً، وقد يصل الأمر إلى انقلاب عسكري أو تغيير الحكومة الحالية.

ولذلك فإن المتابع لأزمة شمال مالي يجد أن هناك سمتين تميزان مسار التسوية وهما، انسداد الأفق السياسي لدى الأطراف المختلفة، فكلما كانت هناك خطوة للتوصل إلى اتفاق أو ورقة تفاهم مشتركة يمكن البناء عليها لما هو أفضل، لا يتم التوصل إلى أي اتفاق، والأمر الآخر يكمن في ما يصاحب هذه الاتفاقات من أحداث تطرف تستغلها الحركة الأزوادية لصالحها، وقد حدث ذلك بعد اتفاقية "واجادوجو" في يونيو 2013، والتي كانت تهدف إلى تمكين الحكومة المالية من استعادة السيطرة على مدينة كيدال، من قبضة الطوارق، إذ تم الاتفاق على نقطتين أساسيتين هما، تشكيل وحدات أمنية مشتركة بين الحكومة المالية وقوات غرب أفريقيا وفرنسا وقوات حفظ السلام الأممية؛ إضافة للحركة الوطنية لتحرير أزواد والمجلس الأعلى لوحدة أزواد، بالإضافة لإجراء انتخابات رئاسية جديدة وتشكيل حكومة جديدة، وتكون مهمة الحكومة الأساسية هي إجراء مفاوضات جادة ومعمقة لإيجاد حل جذري وشامل للأزمة في شمال مالي.

غير أن زيارة الوزير الأول المالي "موسى مارا" إلى مدينة كيدال، تحت حماية قوات مالية، واندلاع مواجهات بينها وبين الحركات الأزوادية المسلحة الموجودة هناك، دفع الأخيرة إلى اعتبار تلك الأحداث بمنزلة خرق واضح لتلك الاتفاقية وبالتالي اعتبرتها لاغية.

وبالمنطق ذاته استغلت الحركات الأزوادية الأحداث الإرهابية التي شهدتها مالي أثناء توقيت الاتفاقية لصالحها، فقد شهدت مدينة غاوة في مارس 2015 تفجيراً إرهابياً في أحد الأحياء القريبة من وسط المدينة، وتم اتهام شابين عربيين كانا بالقرب من الأحداث بمسؤوليتهما عن التفجير من دون أي دليل يدينهما، وتمّ ضربهما حتى الموت، وعلى الرغم من أنه اكتشف، فيما بعد، أنهما من حركة "غاتيا" المسلحة، المتحالفة مع مالي، والتي تحارب الحركات المسلحة الانفصالية، فإن الحركات الأزوادية استغلت الحدث، وقامت بتصوير الموقف على أنه حادثة عنف عرقي، وأن السود في مالي يقتلون العرب، وأن القوات الأممية والجيش المالي كانوا موجودين ولم يتحركوا لإنقاذ الموقف، وأن القوات الأفريقية تناصر السود على حساب العرب.

ثالثاً: اأبعاد رف�س تن�سيقية الحركات الأزوادية للاتفاق

طالبت الحركات الأزوادية قبل التوقيع على الاتفاقية بمهلة لكي ترجع لقواعدها الشعبية في كيدال لاستبيان موقفهم من الاتفاقية، فعلى الرغم من أن الاتفاقية تعتبر فرصة ذهبية لهم، نظراً لتسليمها بالمطالب الرئيسة التي يطالبون بها، وإعطاء الشمال مزيداً من الصلاحيات، فإنهم رفضوا في نهاية الأمر التوقيع على الاتفاقية، وهو ما يكشف عن أن تنسيقية الحركات الأزوادية، تهدف إلى إرسال عدد من الرسائل السياسية كالتالي:

• إظهار الحكومة المالية بمظهر الطرف الأضعف في التفاوض، وأنها على الرغم من موافقتها على التوقيع على اتفاقية لا تحظى بالقبول الشعبي، فإن الحركات الأزوادية رفضتها.

• أن يسارع المجتمع الدولي للتفاوض معهم وتقديم مزيد من التنازلات لحثهم على التوقيع مرة أخرى.

• ابتزاز الشعب المالي بالرفض، خاصة أن غالبية الشعب المالي تريد الخروج من الأزمة بأي ثمن.

• إثارة الاستياء الشعبي من الحكومة، التي ظهرت بمظهر الطرف الضعيف، واستغلال أي ردود أفعال شعبية رافضة للاتفاقية، للتشكيك في جدية الحكومة المالية في تطبيقها.

• التقليل من دور الجزائر الدبلوماسي، بل واتهامها بأنها سعت لصياغة الاتفاقية بما يعكس كلاً من المصالح المالية بامتياز، وأن الجزائر ليست طرفاً محايداً في الأزمة.

• اللعب على وتر الخلافات الإقليمية بين الجزائر والمغرب، وذلك من خلال مطالبة المغرب بلعب دور أكبر باعتباره طرفاً محايداً.

• كسب بعض المساحات الإعلامية على مستوى الإعلام العربي، والترويج لسياساتهم التي تهدف لتصوير الصراع على أنه صراع إثني وديني، وليس سياسياً واجتماعياً، وذلك لتبرير مطالبتهم بإقامة الدولة للطوارق.

رابعاً: المطالب الجديدة لتن�سيقية الحركات الأزوادية

بعد رفض تنسيقية الحركات الأزوادية للاتفاقية وإصدار بيانهم الأخير بأن الاتفاقية لا تنص على الفيدرالية أو الحكم الذاتي أو الاستقلال، نجد أن البيان سجل موقفين مهمين هما:

• رفض وساطة الجزائر، بعد اتهامهم الجزائر بأنها منحازة للطرف المالي، وتمثل هذه سابقة خطيرة، خاصة أن الجزائر لعبت دور الوسيط لحل أزمة الطوارق في شمال مالي عقب محطاتها التاريخية المختلفة في 1990 و1996 و2002 و2006 و2012، بل ولعبت دوراً أساسياً في جولة المفاوضات الأخيرة، ومن الملحوظ أن التنسيقية كانت ترفض أن تقوم دول أفريقية مثل السنغال والنيجر وبوركينا فاسو بلعب أي دور في المفاوضات، بحجة انحيازها لمالي، ويجيء رفض التنسيقية للعب الجزائر دوراً في المفاوضات، وهي دولة عربية، ليكشف عن رفض هذه الحركات لأي حل سلمي لا يقوم على تحقيق الانفصال.

• المطالبة بدور فرنسي في المفاوضات: إذ تقترح التنسيقية أن تجرى المفاوضات القادمة في فرنسا باعتبارها وسيطاً محايداً، على الرغم من أنها تستضيف معظم قيادتها، وتدعم مطالبها، وهو ما يؤكد أن فرنسا لا تعنيها وحدة شعب مالي، بل إن الموقف الفرنسي هذا يأتي في إطار محاولاتها السيطرة على موارد المنطقة من المواد الخام والبترول، وأنها تقوم في هذا الإطار بتوظيف المتمردين كورقة ضغط على حكومة مالي من اجل الحصول على مزيد من التنازلات السياسية والنفطية.

خاتمة

تكشف القراءة الأولية لرفض تنسيقية الحركات الأزوادية للاتفاق إلى أنهم غير جادين في الدخول في أي مفاوضات تضمن الحفاظ على وحدة الأراضي المالية، وأنهم لن يرضوا بأي حل لا يضمن تكرّيس الانفصال أو حكم ذاتي موسع، خاصة أن التنسيقية لم تنجح بعد في إكمال سيطرتها على شمال مالي، ومدنه الرئيسية، إذ إنها تسيطر على كيدال فقط، ولم تستطع أن تصل إلى مدينتي تومبوكتو وغاوة، لأنهما لا تتمتعان بأي دعم شعبي هناك، وبالتالي فإن هذه الحركات تهدف من خلال إطالة أمد المفاوضات، ورفض ما ينبثق منها من اتفاقات إلى كسب مزيد من الوقت، بما يتيح لها التمدد لهاتين المدينتين، وضمهما لإقامة إقليم أزواد الذي تحلم به هذه الجماعات، حتى وإن رفض الماليون هذا.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.