إدراك سلبي:

توجهات الرأي العام إزاء الفساد في أمريكا اللاتينية أليسيا رويز برافو

Trending Events - - الافتتاحية - أليسيا رويز برافو باحثة في العلاقات الدولية - معهد برشلونة للدراسات الدولية.

أدى انكشاف أحدث قضايا الفساد في البرازيل، ممثلة في قضية مجموعة بتروبراس الحكومية النفطية، وامتداد تداعياتها لدول أخرى في أميركا اللاتينية، بسبب تورط شركة تيكنت الأرجنتينية وقطاع الأشغال العامة في ميناء مارييل الكوبية، إلى تصدر قضية الفساد المشهد السياسي في معظم دول أميركا اللاتينية، غير أن هذه القضايا مثلت، للأسف استمرارية للتوجه الذي امتد على مدار العقود الماضية في القارة ممثلًا في استشراء الفساد.

وفي هذا السياق، لا تقف تأثيرات الفساد عند حد الخسائر المادية فقط، إلا أنها تؤثر بشكل كبير على اتجاهات الرأي العام ومدركاتها عن حجم الفساد بدولهم، وهو ما يركز عليه التحليل الحالي، من خلال الاعتماد على تقارير منظمة لاتينو بارومترو، ومنظمة الشفافية العالمية عن الفساد، وذلك من أجل الخروج بتقييم مناسب لاتجاهات الرأي العام عن الفساد خلال العقدين السابقين في المنطقة.

اأولً: موؤ�سرات قيا�س الف�ساد في اأمريكا اللاتينية

قبل البدء في استعراض اتجاهات الرأي العام في أمريكا اللاتينية عن الفساد، يجدر بنا تحديد مفهوم الفساد، غير أن إيجاد إجماع حول تعريف ماهية الفساد يعد أمراً معقداً، كما هي الحال في العلوم الاجتماعية، ولذلك سيتم الاعتماد على التعريف التقليدي الذي وضعه جوزيف س. ناي، وهو أن "الفساد سلوك ينحرف عن الواجبات الرسمية التي يقتضيها شغل منصب عام (سواء بالانتخاب أو التعيين)، وذلك بسبب ثروة أو مكاسب شخصية أو قرابة عائلية أو شللية"، كما يمكن تعريفه على أنه: "سلوك يخرق القواعد العامة التي تحظر ممارسة أنواع خاصة من النفوذ الذي يراعي المصلحة الخاصة"( ).

ويؤثر الفساد سلباً على الديمقراطية في أميركا اللاتينية،

خاصة أن وجوده لا يأخذ شكلاً واحداً أو يقتصر على طبقة بعينها، إذ إنه يمتد من بيروقراطية الدولة إلى القطاع الخاص، وكذلك ما بين الطبقات العليا والدنيا في هيكل السلطة السياسية والاقتصادية القائمة، ومن ثم فإن السيطرة على انتشاره لا تعد بالأمر اليسير، خاصة أنه يمتد إلى عصب المجتمع.

وتعد قضية الفساد في أمريكا اللاتينية واحدة من أقدم القضايا المزمنة في العديد من دول المنطقة، ولذلك يتم إجراء استطلاعات منتظمة لتحديد مدركات الرأي العام عن الفساد، وهو الأمر الذي يعكس بالتبعية ثقتهم في حكوماتهم، ومدى خدمتها للصالح العام، وكذلك مدى الحوكمة والديمقراطية التي يدركها المواطنون.

ويوجد مؤشران يعتبران من أهم المؤشرات التي تتابع عن كثب اتجاهات الرأي العام ومدركاتها عن الفساد في دول أمريكا اللاتينية هما: • مؤشر منظمة لاتينو بارومترو، إذ تشكل أهم قاعدة بيانات للرأي العام الناطق بالإسبانية، كما أنها الوحيدة التي تقوم بإجراء استطلاعات للرأي العام في منطقة أميركا اللاتينية. ويزيد عدد البلاد التي تشملها هذه الاستطلاعات سنة بعد سنة، كما أنها تطور من الأسئلة المطروحة في كل سنة.

• "مؤشر مدركات الفساد" (Corruption Perception Index) الصادر عن منظمة الشفافية العالمية، والتي تتيح بعض النتائج عن عدة دول بالمنطقة، ويقوم المؤشر بتصنيف الدول بحسب درجة الفساد المنتشرة في المناصب الحكومية والسياسيين كما يدركه العامة، وذلك من خلال استطلاعات الرأي العام التي تقوم بإجرائها خبراء ومؤسسات خاصة، وتحصل البلدان الأكثر فساداً على مجموع نقاط قريب من الصفر على المؤشر، أما الدول التي تتسم بمحدودية الفساد بها، فتحصل على نقاط تقترب من الرقم 10.

وفي هذا الصدد، سوف تتم الإشارة لتقارير منظمتي لاتينو بارومترو والشفافية العالمية عن الفساد في دول أمريكا اللاتينية، لتحديد توجهات الرأي العام عن الفساد، وكذلك للوقوف على القطاعات الأكثر فساداً من وجهة نظر شعوب أمريكا اللاتينية.

ثانياً: اإدراك الراأي العام للف�ساد في اأمريكا اللاتينية

في العام 2000، استند مؤشر "مدركات الفساد" إلى معطيات من 90 بلداً، وفيه تحتل تشيلي المرتبة 18 )بمجموع نقاط قدره 7.4 من أصل 10،( في حين حلت بلدان أمريكا اللاتينية، مثل الإكوادور وفنزويلا في مرتبتين متدنيتين، هما المرتبة 74 والمرتبة 71 وبمجموع نقاط قدره 2.6 و2.7، وهو ما يعني أنهما تقتربان من مراتب البلدان الأكثر فساداً.

ومن المثير للاهتمام أن نلاحظ أنه في السنوات التالية وهي 2004 و2008 و2013 و2014، حافظت كل من تشيلي وأوروغواي على مرتبة مقبولة، فقد تغيرت مرتبة كل من البلدين فيما بين المرتبة 19 و28، وذلك من بين 145 بلداً في 2004، ومن بين 180 بلداً في 2008، ومن بين 175 بلداً في 2013 و174 بلداً في 2014.

وفي المقابل، نجد أن مدركات الرأي العام عن الفساد في دول، مثل باراجواي وفنزويلا كان سلبياً على مدار سنوات، فوفقاً لهذا المؤشر، احتلت باراجواي المرتبة ال 140 من إجمالي 145 دولة، إذ حصلت على 1.9 نقطة فقط، أما فنزويلا، فقد تدهورت مرتبتها على سلم المؤشر، وأصبحت البلد الأكثر فساداً في أميركا اللاتينية ما بين عامي 2008 و2014، ولم يتجاوز مجموع نقاطها 2 من أصل (2 10).

من جهة أخرى، قامت منظمة "لاتينو بارومترو" غير الحكومية في العام 2000، بإجراء استطلاع للرأي شمل حوالي 17 بلداً في أميركا اللاتينية، وفيه تم اختيار عينة من هذه الدول عددها 18.125 فرد أجريت مقابلة معهم، وهذه الدول هي: نيكاراغوا، باراغواي، بوليفيا، بيرو، غواتيمالا، كولومبيا، كوستاريكا، بنما، البرازيل، الأرجنتين، إكوادور، السلفادور، أوروغواي، المكسيك، تشيلي، هندوراس وفنزويلا.

وأشارت نتائج التقرير على مستوى الإقليم عامة إلى أن 82% من المشاركين في الاستطلاع اعتبروا أن مشكلة الفساد "خطيرة جداً"، في حين أن 75% منهم أعربوا عن اعتقادهم بأن الفساد "قد تزايد كثيراً"، وكانت بوليفيا نموذجاً على مثل هذا الاتجاه، حيث ارتفعت نسبة الذين يدركون تزايد الفساد من 73% إلى 82% ما بين العامين 1998 و 2000.

أما البلدان التي كان الرأي العام يرى فيها أن الفساد يتناقص في الفترة ما بين 1998 و2000، فكانت بيرو (من 69% إلى 56%)، وفنزويلا (من 94% إلى 54%)، وعلى الرغم من أن اتجاهات مدركات الفساد تحسنت نوعاً ما في بعض البلدان، فإن نسبة من يرون أن هناك فساداً ظلت كبيرة وتجاوزت الخمسين بالمائة، ولذا كان هناك إدراك بأن هذه المشكلة واحدة من بين أهم المشكلات التي من الضروري حلها على المستوى الإقليمي(3).

وبعد أربع سنوات، أي في العام 2004، تمت إضافة جمهورية الدومينيكان إلى استطلاع الرأي، كما ارتفع عدد المقابلات أثناء الاستطلاع إلى 19.965 مقابلة، وقد أشارت النتائج إلى أن ارتفاع درجة الفساد التي كان يدركها المواطنون وصعوبة التخلص منها، حيث أشار 37% من السكان إلى أنه لن يتم القضاء على الفساد، في حين رأى حوالي 35% من السكان أنه من الممكن استئصال الفساد في فترة تقل عن 20 عاماً، بينما رأي 17% أنه من الممكن استئصال الفساد، ولكن في فترة زمنية تزيد على العشرين عاماً.

وفي حين أن 53% من سكان كل من كوستاريكا وإكوادور يعتقدون أن الفساد لن يتم استئصاله على الإطلاق، فإن 14% فقط من سكان أوروغواي وفقوا على هذا الرأي(4).

ثالثاً: الفئات الأكثر ف�ساداً

تناولت المؤشرات بعض الأسئلة عن احتمالات فساد فئات معينة من المسؤولين الحكوميين، مثل رجال الشرطة، أو الوزراء، أو مسؤولي الخدمات العامة، ونجد أن هناك بلدين يتصدران أعلى المراتب فيما يتعلق بإمكانية رشوة أي من الفئات الثلاثة السابق ذكرها، وهما المكسيك وباراغواي.

وفيما يتعلق بإمكانية رشوة شرطي، نجد أن 65% من سكان المكسيك و58% من سكان باراغواي، اعتبروا أنه من الممكن رشوة شرطي، تليهما الأرجنتين في المرتبة الثالثة (57%)، بينما تأتي السلفادور في آخر القائمة، حيث يرى 20% فقط من السكان إمكانية رشوة شرطي.

وحول إمكانية رشوة قاض، تتقدم كل من المكسيك وباراغواي الاستطلاعات، حيث إن 58% من المكسيكيين و55% من سكان باراجواي يوافقون على إمكانية حدوث

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.