:

البحث عن أساليب بديلة لتوقع ”الصدمات التالية“ عبر العالم

Trending Events - - الافتتاحية -

مهما قيل، في المجال العام وأوساط الأكاديميين أو صناعة القرار، من أنه يمكن الاكتفاء بوصف الأحداث أو تحليلها، وإنتاج تقديرات بشأنها، باعتبار أن ذلك هو المعتاد أو الممكن؛ ستظل هناك مشكلة حقيقية ما لم يتم التوصل إلى حلٍّ لمسألة "التوقع"، فكل مراكز التفكير تدرك -من دون أن تقرر ذلك أحيانًا- أنه إذا لم تَقُدْ أساليبُ البحث المتبعة فيها إلى الاقتراب من توقع التطورات التالية، فإن مهامها تكون "أعمالاً غير منتهية"، وقد تحوّل ذلك سنة 2016 إلى عقدة لدى الجميع، تُمثل أحد أهم ملامح العام الذي يبدو فيه العالم مندفعاً خارج السيطرة "العلمية".

وبالمناسبة، كان هذا هو الوضع نفسه في السنوات الماضية عمومًا، إلى درجة أن التعبيرات الأكاديمية التي تُركز على حالة "عدم اليقين" و"عدم القابلية للتوقع" و"الوضع العادي الجديد" و"نظريات التعقيد"؛ أصبحت شعبية، يتم تداولها من دون الحاجة لشرحها في برامج الحوارات ومقالات الصحف واللقاءات العامة، وأصبح الاتجاه السائد هو أن أي شيء يمكن أن يحدث، قبل أن يتضح فيما بعد أننا لم نصدق ما نعتقد فيه.

إن ما جرى عام 2016 يشبه ما وقع عام 2011، فقد توالت سلسلة من الأحداث التي شكلت صدمات متتالية، تطرح السؤال الحقيقي الذي يتجاوز، بعيداً عما يجرى في المنطقة العربية، إرهاب فرنسا، وصعود روسيا، وخروج بريطانيا، وفوز ترامب، واضطرابات كوريا، وحوادث تركيا، وهو: ماذا يحدث بالضبط؟ ولماذا لم نتمكن من توقعه؟ قبل أن تبدأ الأسئلة المنضبطة -مثل "لماذا"- في الظهور. والمعنى العام لذلك، هو أن "التفكير العلمي" ذاته يواجه مشكلة حادة.

ت �صدع علمي

أولاً: يمكن العودة إلى تمييز لا يحبه البعض، لكنه يمكن أن يحل بعض القضايا، فالمشكلة لم تكن أبداً في أمور مثل العلم أو المؤامرة أو التاريخ أو الفلسفة أو الدين أو الخرافة، وغيرها، وإنما في "التفكير العلمي" أو "التفكير التآمري"، إلى آخره، ومع ذلك فإن متابعة ما يدور في بعض المنتديات الإقليمية، أو ما يُطرح فيها من أفكار، تُشير إلى أن المعارف العلمية مثلاً )إذا كان العلم يعني المعرفة( قديمة أو ناقصة، إلى حدٍّ ما، فهناك ظواهر ومفاهيم لم تصل إلى نصوصنا أو أحاديثنا بعد.. وكفى. ثانياً: إن ذلك ليس أصل المشكلة، وإنما عامل رئيسي لتفاقمها "في منطقة ما"، فالعالم كله يُفاجأ، بما في ذلك أكثر مؤسسات التفكير والتقدير تقدماً، وبالتالي فإن المسألة هي التفكير العلمي ذاته، أي الأساليب والأدوات التي تستخدم بشكل منظم، استناداً إلى مفاهيم محددة، وقواعد مستقرة، للتحليل والتوقع، فأهمية القواعد المستقرة والأساليب المنتظمة تأتي من أنها تُمكِّن من فهم ما مضى، وتحليل ما يحدث، لكن قيمتها الحقيقية ترتبط بتوقع ما سيأتي، وهنا تأتي المشكلة، فقد حدث انفصال كبير أدى إلى تصدع علمي.

في الماضي، كان العالم يتقدم ببطء شديد، وكانت وسائل الاتصال بين البشر محدودة، وكانت الابتكارات التكنولوجية أو الاكتشافات العلمية لا تظهر كل يوم، مع قدرة هائلة للفاعلين المؤثرين على السيطرة على سلوك الناس، وقد تغير هذا كله، أو تصاعدت تأثيرات التحولات المتعلقة به بسرعة صاروخية، بحيث أصبحت مسألة إعادة التفكير في كل ما هو قائم مطلوبة، ومنها "تأثير المؤسسات" والنخب، كما وضح بعد خروج بريطانيا. كانت هناك ثقة في البحث العلمي، إلى درجةٍ قيل معها إنه إذا استخدم باحثان الخطوات نفسها يمكنهما أن يصلا إلى النتائج نفسها، وكأنها عملية حسابية. وعلى الرغم من أن ذلك لم يكن يحدث بالطبع، فإن الثقة في العلم كانت كبيرة. وبعبارة واحدة، فإن أي شيء يسمى "علماً" يعاني حالياً مشكلة، أحد أهم ملامحها انفصال غير طبيعي بين الأكاديميا وصنع القرار، أو بين النظرية والواقع، مع عدم قدرة الجانبين أحياناً على الإدراك السريع لتأثيرات "الطائرات بدون طيار"، أي التكنولوجيا.

بالتأكيد لا تزال هناك ثقة في التفكير العلمي كأساس للعمل، فوفقاً لمقدمة كتاب كلاسيكي شهير، ساهم في تشكيل عقول جيل في المنطقة العربية، للدكتور فؤاد زكريا، فإن "لكل حادث سبباً" و"من المحال أن يحدث شيء من لا شيء"، والمشكلة أن سرعة وقوع الأشياء أكبر بكثير من سرعة اكتشاف الأسباب التي أدت إليها مسبقاً. أو بصورة أدق، سرعة اكتشاف تأثير تحولات القشرة الأرضية التي توجد مؤشرات لاهتزازاتها، قبل أن يظهر فجأة أن وزن تأثيرها أكبر بكثير مما يتم تقديره، كما وضح ذلك بشأن التوجهات الشعبوية المتصاعدة، وتوظيف وسائل التواصل الاجتماعي، إثر فوز ترامب.

هنا، كان من المفترض أن يتم النظر -إضافة لتشغيل العقلية العلمية- إلى ما أسماه د. ذكريا في الكتاب نفسه قديماً "الحدس"، وحالياً تتصاعد أهمية "التحليل الحدسي" بصورة غير معتادة، إلى درجة يتحول معها إلى أحد أساليب التحليل الرئيسية حالياً.

ظواهر مختلفة

إن مشاكل التفكير العلمي أو المغالطات المرتبطة به

،Fallacies

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.