ثلاثة تهديدات:

تحديات بقاء الدولة الوطنية في العالم العربي أبوظبي، 20 ديسمبر 2016

Trending Events - - نقاش المستقبل -

نظم مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، حلقة نقاشية تحت عنوان: "أوضاع الدولة الوطنية في الوطن العربي"، وكان المتحدث الرئيسي فيها هو الدكتور عبدالإله بلقزيز، المفكر العربي وأستاذ الفلسفة بجامعة الملك الحسن الثاني في الدار البيضاء ومدير مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت سابقاً.

وتطرق المشاركون في حلقة النقاش إلى مراحل تطور الدولة في العالم العربي، والتحديات الرئيسية التي تواجهها في المرحلة الراهنة، سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي. وتم في هذا الشأن استعراض تطور رؤى وأفكار التيارات الفكرية الرئيسية في العالم العربي عن شكل الدولة وطبيعتها، مع التركيز على المشكلات الهيكلية ذات الطابع البنيوي التي تواجه الدولة الوطنية، خاصةً تلك المرتبطة بتحدي العولمة، وإدارة التوازنات المجتمعية في الداخل، وصولاً إلى التحديات التي ظهرت بعد اندلاع ما يُسمى ب "ثورات الربيع العربي".

�أولاً: مع�سلات تكوين �لدولة �لوطنية

بدايةً، تم التأكيد على أن الدولة ليست السلطة والنظام السياسي، ولكنها كيان به أجهزة ومؤسسات لإدارة المصالح والشؤون العامة. ومن ثم فالدولة لا تعبر عن فريق اجتماعي بعينه، لأنها إن فعلت، تتخلى عن شخصيتها كدولة تمثل الأمة في مجموعها، وتتحول إلى سلطة. والدولة ينبغي، كذلك، أن تكون محايدة، ولا تتدخل في الصراعات الاجتماعية على المصالح، ولكن تدخلها يكون بدافع فرض سيادة القانون وتطبيقه على الجميع. وثمة مشكلتان تلخصان معضلات التكوين غير الطبيعي للدولة الوطنية في البلاد العربية، وهما: 1- إن الدولة الوطنية في المنطقة العربية تخلقت من عملية تهجين من نموذجين للدولة )النموذج التقليدي الموروث، ونموذج الدولة الحديثة الذي أقامته الدول الاستعمارية(. 2- إن الدولة الوطنية في البلاد العربية لم تحظ بالتأييد والاعتراف من قِبل التيارات السياسية والفكرية كافة، وأبرز هذه التيارات ما يلي: أ- التيار الإسلامي بدءاً من جماعة الإخوان المسلمين، وهذا التيار كان يطعن في شرعية الدولة الوطنية باعتبار أنها ليست مبنية على الشريعة الإسلامية. فهذه الدولة، من وجهة نظر التيار الإسلامي، هي دولة "علمانية" تفرض على المسلمين أحكاماً ليست من صميم شريعتهم، ولا تحكم بما أنزل اله. ب- التيار القومي العربي، وتذهب مقولته إلى إسقاط شرعية الدولة الوطنية، لأنها ناتجة عن إرادة التقسيم والتجزئة الاستعمارية، ولأن وظيفتها السياسية الوحيدة هي تمزيق وحدة الأمة والوطن. فالدولة عند هذا التيار هي التي ينطبق عليها دولة الأمة، ودولة الوحدة القومية. ج- التيار اليساري أو الاشتراكي، ويعترض أيضاً على الدولة الوطنية باعتبارها دولة الطبقة الحاكمة، وليس طبقة الشعب، فهي دولة الطبقة البرجوازية المسيطرة.

إذن، ثمة ثلاثة اتهامات وجهتها هذه التيارات للدولة الوطنية، وهي: معاداة الشريعة الإسلامية، ومعاداة وحدة الأمة، ومعاداة مصالح طبقات الشعب. فالدولة الوطنية، حسب تلك التيارات الثلاثة، هي دولة التجزئة، أو دولة العلمانية، أو دولة الطبقة. وفي هذه الحالات الثلاث، هي لا تمثل إلا فريقاً صغيراً: القوى الاجتماعية القطرية التي تتغذى مصالحها من التجزئة، أو النخب العلمانية المرتبطة ثقافياً بالغرب، أو الفئات البورجوازية المحلية التابعة للقوى الرأسمالية.

وعلى الرغم من أشكال الاعتراض الاجتماعي والسياسي السابقة، استطاعت الدولة الوطنية الاستمرار، وفرضت نفسها كأمر واقع.

ثانياً: �أزمات �لدولة �لوطنية

أشار الحضور إلى أن الأزمة الكبرى

لكيان الدولة الوطنية في المنطقة العربية تتحدد معالمها في النقاط الثلاث التالية: 1- أزمة تكوين السلطة وطريقة بناء شرعيتها داخل الدولة الوطنية في بعض البلدان العربية، فهذه السلطة إما قامت على أساس عشيرة، أو على أساس السلاح، أو استناداً إلى المنظومة الحديثة ولكن بشكل غير شرعي مثل تزوير الانتخابات في بعض الدول. 2- عدم قيام الدولة في بعض البلدان العربية على أساس عقد اجتماعي، بعكس سائر الدول الوطنية في العالم. فالدولة في عدد من المجتمعات العربية قائمة على مبدأ الغلبة، وهو ما يولد شعوراً بالظلم والغبن في بعض هذه المجتمعات، ويجعل ولاء كثير من الجماعات الأهلية فيها لجماعات أخرى خارج حدود هذه الدولة، لأنها لا تعتبر نفسها شريكة في بناء الدولة الوطنية. 3- الدولة في تعريفها النظري هي ذلك الكيان الذي له السيادة على الأرض والسكان والموارد، ويُنتقد كينونته عندما يفقد سيادته. وكثير من الدول العربية منذ نشأتها وحتى الآن لم ينجح في حماية سيادته وأمنه القومي. وفي هذا الصدد، انتقلت عملية الضغط على السيادة العربية من العدوان الخارجي إلى الاعتماد على وكلاء محليين، والمعركة عندما تنتقل إلى الداخل تكون أشد خطورة لأنها قد تصل إلى حد الحرب الأهلية.

ثالثاً: تحديات بقاء �لدولة �لوطنية

كانت الدولة الوطنية في المنطقة العربية ما قبل عام 2011، عندما اندلعت الاحتجاجات في عدد من البلدان العربية إزاء تحديين هما العولمة، وضغط المجتمع العصبوي على الدولة الوطنية، وذلك كالتالي: 1- تحدي العولمة: هذا التحدي لم يمس الدولة الوطنية في العالم أجمع. وبالتالي فالعولمة بطبيعتها "قدر سيئ لما شاء أن يكون كسولاً" على حد تعبير د.بلقزيز، حيث إن ثمة مجتمعات دولية حولت العولمة إلى فرص تمكنت من خلالها من المنافسة على المستوى الدولي، مثل الصين. 2- تحدي ضغط المجتمع العصبوي: يُقصد به أن بعض المجتمعات العربية "فسيفسائية التكوين"، أي أن نسيجها لا يتمتع بقدر من الاندماج، نتيجة أن تكويناتها الأهلية )العشائرية/ القبلية( لم تنفتح على بعضها.

وخلال السنوات الماضية، ظهر تحدٍ ثالث جديد للدولة الوطنية وهو العنف السياسي والإرهاب، فالجزائر كانت في فترات سابقة هي المختبر الأول الذي أُختبر فيه الضغط على الدولة من خلال السلاح الأهلي، ونجحت الجزائر بفضل تماسك المؤسسة العسكرية في مواجهة هذا الخطر.

ولكن في ليبيا بعد عام 2011، لم تستطع المؤسسة العسكرية هناك أن تحافظ على وحدتها، بل انقسمت، وكان الثمن فادحاً، وانتهى إلى سقوط الدولة، واندلاع الحرب الأهلية في الساحة الليبية. وعلى العكس في مصر، حيث إن تماسك الجيش أدى إلى محاصرة البؤر الإرهابية في سيناء وبعض المناطق الأخرى.

وتطرق د. بلقزيز إلى أزمة المعارضة داخل الدول العربية، مشيراً إلى أنه في بعض الأقطار العربية ثبت أن هذه المعارضة مستعدة للتعاون مع قوى خارجية مقابل أن تكون لها حصة في السلطة الحاكمة. فالمعارضة في بعض البلدان العربية تقدم نفسها بشكل سيئ، على نحو يُشعر الرأي العام في هذه الدول بأن المعارضة لا تختلف كثيراً عن الأنظمة الحاكمة.

ختاماً، أكد د. بلقزيز أن ما يُسمى ب "ثورات الربيع العربي" أوجدت ضرورة النظر إلى كثير من اليقينيات، مثل الديمقراطية، حيث لا يمكن أن يكون هناك بناء ديمقراطي من دون توافر ثقافة ديمقراطية في المجتمع. بمعنى أنه لا ديمقراطية من دون تربية ديمقراطية، وهذه لا تكون من دون ثورة ثقافية وإصلاح ديني، وتفكيك للبنى والذهنيات الموروثة والمغلقة.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.