مبدأ ترامب:

"إدارة أعمال" العلاقات الدولية في مرحلة 2017‬ – ‪2021

Trending Events - - المحتويات - د. محمد عبدالسلام

إن قطاعاً كبيراً من تفاعلات العلاقات الدولية يتجه إلى أن يتخذ شكل "علاقات عمل". فعبر عقود متعاقبة، كانت هناك مقولات لا حصر لها، تطرح لتوصيف أبعاد مختلفة، تتعلق بإدارة التفاعلات العابرة للحدود بين الفاعلين الدوليين. في أزمنة الأبيض والأسود قديماً، كانت مفاهيم العلاقات الدولية شديدة الفخامة، كالحرب والسلام أو الاستراتيجية والدبلوماسية أو الصراعات والتحالفات، أو– وهو مصطلح يمكن أن يثير الابتسام حالياً – الأصدقاء والأعداء.

عندما تعقدت الأمور قليلاً، وسيطر التفكير الواقعي، بدأ يقال إنها تستند إلى المصالح الوطنية لكل دولة، أو أنها تدور حول امتلاك واستخدام القوة، أو أنها امتداد للسياسات الداخلية دائماً، وفي القريب العاجل قد يضاف تعريف عملي سريع للعلاقات الدولية يذكر أنها "سلسلة من الصفقات المتتالية" بين أطراف العالم.

بالطبع لا ترتبط فكرة "الصفقات"، بوصول ترامب إلى البيت الأبيض، فهناك فترة طويلة تاريخياً كانت "التجارة" فيها هي قضية العالم الأولى، وهناك أفكار متكاملة حاولت أن تفسر السياسة بمنطق "البيزنس" ‪Politics as Business(‬ ،) وظهر في وقت ما مجال بحثي لم يحظ بتمويل جيد اسمه "خصخصة السياسة الخارجية"، كما أن قضايا مركبة تتعلق بعلاقة البيزنس بالسياسة، طالما طرحت في الشرق الأوسط. والأهم أن أبعاداً جديدة لها – وربما خطرة - بدأت تثار في الفترة القصيرة الماضية.

وعلى الرغم من ذلك، فإن مسألة الصفقات قد تتحول إلى "مبدأ" يستند إلى نظرية وتطبيق، ويرتبط بوجه شهير، لسببين على الأقل:

الأول، أن ترامب هو رئيس الولايات المتحدة، وهي قوة دولية شديدة الأهمية، أياً كان ما يقال حول الانهيار الأمريكي أو الانسحاب الأمريكي، فوفقاً لعبارات شائعة في الإقليم، فإنها "الدولة التي يمكن أن تكون أكثر داعميك، وأكثر الدول خطورة عليك، في الوقت نفسه"، في حالة تحوّل التوجهات أو تغير الإدارات، كما أنها "الدولة التي تؤدي أية أخطاء ترتكبها إلى مصائب استراتيجية، يصعب احتواء تأثيراتها"، كما حدث عندما قرر المحافظون الجدد غزو العراق عام 2003، لا لسبب إلا "لأنها تستطيع فعل ذلك"، والآن لدينا رجل أعمال يمتلك قاذفات ثقيلة طويلة المدى.

الثاني، إذا كنا قد تعلمنا درساً، فإنه لا يمكن الثقة في أية توقعات تتعلق بالرئيس ترامب، كما حدث في التعامل مع نتائج الانتخابات، ويحدث حالياً في إدارة السياسات، فلا يوجد يقين عما إذا كان سيتحول من "رجل أعمال" يدير شركة إلى رجل سياسة يدير دولة، أو ما قد يحدث بالضبط في صراعه الدائر مع "الدولة العميقة" في واشنطن، أو إدارته علاقات أمريكا الخارجية مع أي طرف دولي، أو ما يتعلق طبعاً بالنبوءات التي تقرر "أنه قد لا يكمل فترة رئاسته"، فالأسلم أن يتم التعامل مع كل ما يتعلق به بمنطق "السيناريوهات"، حتى لا يفاجأ أحد، وصولاً إلى عام 2021.

‪Single Mind‬

إن هناك منهجاً كاملاً في العلوم السياسية، يؤكد أهمية ما يسمى "النسق العقيدي" لرئيس الدولة، مثلاً، في إدارة العلاقات الخارجية لبلده، فهناك أفكار وقيم تشكل معتقداته، ستؤثر حتماً على توجهاته وقراراته، وكان أهم انتقاد يوجه لهذا المنهج هو أن ذلك يصح في التاريخ عندما كانت قيادات تحكم "بالحق الإلهي" أو بمنطق "أنا الدولة"، أو في فترات ما بعد الاستقلال، عندما كان هناك آباء مؤسسون" عظام ينشئون الدول، أو في الدول السلطوية أو الفاشية التي يحكمها زعيم أوحد، لكن الأمر مختلف حالياً:

• لم تعد النظم السياسية بسيطة، فهناك مؤسسات متعددة، كالأمن والدفاع والخارجية، والجهاز التشريعي والسلطة القضائية، ووسائل الإعلام، يجب التفاعل معها، أو كيانات اقتصادية لديها مصالح، وقوى اجتماعية مؤثرة لديها توجهات، بحيث يصعب أن يتصرف أحد ك Single( Mind) من دون عواقب محتملة. • من الصعب أن يتمكن رئيس جديد من تحويل اتجاه بيروقراطيات ضخمة، في واشنطن مثلاً، بمجرد تعيين مديرين جدد لها، أو إصدار توجيهات بأن دولة ما يجب أن تتحول من عدو إلى صديق وبالعكس، فالتحولات الاستراتيجية تتطلب وقتاً طويلاً، إذ إنها تتجاوز بكثير الاختلافات التي تم الاعتياد عليها داخلياً بين الجمهوريين والديموقراطيين.

كانت هذه هي القضية الأولى التي حاول أوباما أن يلفت نظر الوافد الجديد لواشنطن إليها، في أول لقاء بينهما، في 8 يناير 2017، فقد قال إنه نصحه بتجنب محاولة إدارة البيت الأبيض "بالطريقة التي تتعامل بها مع مصلحة تجارية عائلية، وأن عليه احترام المؤسسات السياسية الأمريكية"،

ولفت انتباهه إلى "أن الحملات الانتخابية شيء والحكم الفعلي شيء آخر"، وأنه بمجرد تأدية اليمين الدستورية سيجد نفسه مسؤولاً عن "أكبر مؤسسة في العالم"، مضيفاً أنه يجب على ترامب أن يثق فيما تقوله أجهزة الاستخبارات، قائلاً له "ستحل أوقات لن تتمكن من أن تتوصل إلى قرارات سليمة، إلا اذا كانت لديك ثقة بأن العملية تجري بشكل سليم." لكن يبدو أن ترامب كان يقول لنفسه – وهو يستمع لذلك – "هذه هي بالضبط النصائح التي سأحرص على عدم تنفيذها".

إن الاصطدام بمؤسسات الدولة المستقرة، بفرض شخصيات أو سياسات عليها، أو ما هو أصعب، أي تجاهلها واتباع أساليب شعبوية، لتجاوزها نحو الرأي العام، أو تشكيل كيانات موازية لها خارج الهياكل المعتادة، مسألة معقدة، وتوجد بشأنها خبرات متباينة، فقد تمكن البعض في دول متوسطة الحجم من فعلها، مثل أردوغان في أنقرة، بينما لم يتمكن مثلاً "محمد مرسى" من القيام بذلك في القاهرة. أما في واشنطن، المختلفة تماماً، فإن المناوشات لاتزال جارية، وتراقب مراكز قوى مختلفة الموقف، مع حسابات بشأن ما قد يعتبر أو لا يعتبر تجاوزاً لخطوط حمراء.

في حلقة نقاش، حول صنع قرارات السياسة الخارجية الأمريكية في عهد ترامب، جرت في فبراير 2017، ساد تقييم لرجال ترامب، بأنهم متطرفون متعصبون، ووصف بعضهم بأنهم "شبه مجانين"، لكن دافع عنهم عدد قليل من الأمريكيين، بأنهم ليسوا كذلك، وإنما "جادون جداً ومتوازنون وواقعيون"، وليسوا مثل رجال أوباما المثاليين الليبراليين. إلا أن نتيجة النقاش هي أن الرئيس ورجاله حالياً مسألة مهمة جداً Critical(،) على الرغم من الإقرار بأنه سيواجه صعوبة في تحويل اتجاه المؤسسات الأمريكية لكي تعمل بشكل مختلف تجاه روسيا تحديداً وكذلك إيران، لدرجة أن أحد المشاركين سأل "ماذا نفعل الآن مع وزارات الخارجية والدفاع والاستخبارات والكونجرس، هل نركز فقط على البيت الأبيض؟"، مضيفاً "على أي حال، سيكون علينا أن ندرس صلاحيات الرئيس، وبعض ما جرى في التاريخ الأمريكي".

رجل �أعمال

إن التحليل المستقر لشخصية ترامب هو أنه ببساطة "رجل الأعمال"، الذي لم يقم في حياته سوى بإدارة شركات مملوكة له، قبل أن يجد نفسه، رئيساً لدولة، فهو باختصار ليس سياسياً، وتتم المقارنة كثيراً بينه وبين رونالد ريجان وجورج بوش )الابن(، فكل منهما لديه خبرة سياسية، سواء في حكم ولاية أو "إطار عائلة"، وكان لدى الأول "مبدأ عام" لا يهتم في إطاره بالتفاصيل، إلا ما يطلب سماعه، بينما كان لدى الثاني – حسب تقييم شخصيات عملت معه – حس الفصل بين المهم وغير المهم في سماع التفاصيل، وشكَّل كل منهما فريق عمل فعَّالاً. هنا تأتي المشكلة، فما هو الفارق بين الشركة والدولة؟

الفكرة السائدة حول الرئيس الجديد هي أنه رجل مشروعات ‪Project Man(‬ ،) ليس لديه تصور عام، ويتجاهل المعلومات، وتوجد مشكله في فريقه تعمل بعض المؤسسات الأمريكية على تصحيحها بأساليب مختلفة، وبالتالي تتلخص توجهات الرئيس الأمريكي في عبارة "التعامل مع السياسة كبيزنس"، فلن تكون هناك ما يمكن تسميته علاقات خاصة أو شراكات استراتيجية، وإنما مجموعة من الصفقات المتتالية، قصيرة المدى، متعددة المجالات، يحكم كل منها منطق المكسب والخسارة، وستستقر العلاقات أو تتقلب حسب تقييم ترامب لكل صفقة، وبالتالي قد تكون العلاقات جيدة اليوم وسيئة غداً.

في هذا الإطار يمكن طرح نقطتين، تتعلقان بإدارة العلاقات الدولية، أهمها: 1- إنه ستكون لإدارة ترامب مجموعة من المشروعات كل فترة، وسوف تتحدد أنماط العلاقات في تلك الفترة وفقاً لحجم مساهمة الأطراف المعنية في كل مشروع، فخلال المرحلة الانتقالية الحالية، مثلاً، تتمثل أولوياتها في حماية أمريكا من هجمات "داعش"، واستعادة العلاقة مع إسرائيل، وإعادة التفكير في سياسة أوباما تجاه إيران، وتحقيق نسبة نمو 4% في الولايات المتحدة، وترتيب العلاقات الأمريكية مع دول الخليج العربية. ومن يتصور أنهم يمكن أن يسهموا في تلك المشروعات، ستكون علاقاتهم بالولايات المتحدة مستقرة حتى أكتوبر 2017 تقريباً. 2- إنه لن توجد علاقات مستقرة طويلة المدى، وإنما علاقات مستقرة قصيرة المدى، تتبعها أو لا تتبعها فترة مماثلة أو غير مماثلة، حسب كل مشروع أو صفقة، فيشار، مثلاً، إلى أن علاقة ترامب برئيس مناظر قد تكون جيدة "إلى أن يطلب منه أول طلب"، أو أنه قد يحَيِّد مشاكله مع دولة ما مؤقتاً "إلى حين انتهاء مشروع التعاون القائم". لكن ستوجد علاقات غير مستقرة طويلة المدى في عدة حالات، فستكون هناك دائماً مراجعة للسياسات القائمة، وتحديد لمستويات التعاون التالية، وسوف تحاول وزارة الدفاع ومؤسسات الأمن الأمريكية تحييد تلك التقلبات.

في النهاية، يمكن الاستمرار في طرح نقاط إضافية، لكن الهدف ليس التركيز على "توجهات ترامب العملية"، فهو نفسه قد يفاجئ الجميع بتغيير توجهاته في بعض الأحوال، وإنما هذا النموذج في إدارة أعمال العلاقات الدولية، والذي قد يسيطر لفترة، أي إدارة العلاقة على أسس "المصالح المباشرة" قصيرة المدى، أو ممارسة ضغوط غير مبررة من جانب طرف على طرف آخر "طالما يستطيع"، فيقينا سيفرز ذلك تداعيات غير مقصودة، ويمكن أن يؤدي إلى الاصطدام بحائط ما، فالفترة الحالية بدأت تشهد "ألعاباً استراتيجية خطرة"، يأمل كل طرف في أن يكون الآخر مدركاً لمحددات ما يقوم به، أو مدرك لما يقوم هو نفسه به. إنها فترة تجريبية في العلاقات الدولية.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.