لماذا تصاعدت خطورة ما يسمى ”الإرهاب الشبكيّ“؟

Trending Events - - المحتويات - د. نادية سعد الدين

تؤشرّ العمليات الإرهابية التي تمت مؤخراً، إلى تحوّل في نمّط الإرهاب من مفهومه التقليديّ المرّتبط تاريخي بمعاوّل فردية أو جماعية إلى استّلال أطرّ هيكلية، واقعية وافتراضية أكثر تشبيك وعبوراًللحدود.

تقف "شبكات" نسّقية معقدّة خلف مرافدّ تغذية الإرهاب المنظّم، مالاً وسلاحاً وتدريباً، وفق تراتبية أفقية تضمّ الأطراف "القائدة"، و"جماعة" الأنصار والمريدين والتابعين، وخطوط الاتصال، وقنوات "التدفق" الداعمة، ما أسهم في زيادة منسوب الجرائم البشرية، واتساع رقعة النشاط، وتنوع الأدوات المسّتخدمَة، وتفاقم التأثيرات السلبية، المصاحبة لنزّعات العنف والتطرف والفوضى، وصولاً إلى السيطرة الفعلية على مساحات معتبرّة من الأراضي، كما في حالات سوريا والعراق وليبيا، وذلك بعدما تحول الإرهاب إلى ظاهرة عالمية عابرة للحدود القومية، تحكمها "الشبكات"، بفعل توظيف الإرهابيين لديناميات الثورة الاتصالية التقنية في خدمة أهدافهم الدمّوية. والسؤال إذن، كيف بلغ الإرهاب "الشبكيّ" هذا القدّر من التطور؟

�أولاً: « �سيّولة » �لق�سايا �لعابرة للحدود

استطاعت "الشبكات" الإرهابية، المتخّطية للحدود الوطنية، استغلال ديناميات التغيير في هيكل القوى والسياسة الدولية، والتي طالت، بالضعف، مناعة الحدود الحصينة، إزاء نظام كونيّ يتسمّ بالتشابك الاقتصادي والسياسي والثقافي والعسكري، وسيولة تدفق القضايا العابرة لحدود ما بعد العولمة والقاطعة لمسافات "القرية الكونيّة"، بما أنتجته من مؤسسات عالمية أممّية وشركات متعددة الجنسيات، و"فورة" معلوماتية ومعرفية وتكنولوجية قادت إلى حدوث نقل مؤثر للعنصر الأمنيّ بين البيئات المحلية والإقليمية والدولية.

وفي هذا الإطار نشطت المنظومة الإرهابية، وسط مناخات "السيولة" الحدودية الناجمة عن ميكانزمات العولمة التكنولوجية الحديثة، والاستفادة من مخرجاتها، التي زوّدت الشبكات الإرهابية حول العالم بطرائق وأدوات إرهابية متنوعة. وتتزايد خطورة نمّو "شبكات" الإرهاب عند حدوث خلل في أحد مقومات "الجغرافيا السياسية"، أو كلها، مما قد يصيبّ سلباً الأمن الداخلي، لاسيما مع توفر بيئة "حاضنة" لإشكاليات حادّة، ما يجعلها عرضة لمصادر التهديد الإرهابيّ، حالما تجدّ في غياب الأمن والاستقرار معولاً للتغلغل والنفاذ لتحقيق أهداف معينة، وهو ما يؤدي إلى انقسام النظام وتهديد استقرار النطاق الجغرافي حدّ التفكك، والذي لا يتوقف تأثيره السلبيّ عند النطاق المحلي فقط، بل يمتد إلى البيئة الإقليمية المحيطة.

وتشكل بعض التنظيمات "الجهادية" المتطرفة، مثل تنظيميّ "القاعدة" و"داعش"، نموذجاً فعلياً للتنظيمات الإرهابية العابرة للحدود، مع اختلافها حول المفاهيم والأولويات الحركية للتطبيق، مقابل اشتراكها في استلال مفهوم "العالمية"، الذي تتخطى به الحدود الوطنية صوبّ العمل الحركيّ في أية بقعة جغرافية بصفتها هدف "الخلافة الإسلامية" الأسمّى، مما قاد إلى ولادة مفاهيم جديدة تصل حدّ تشريع إعلان الحرب ليس فقط حيال "الآخر" وإنما، أيضاً، داخل المجتمعات الإسلامية وضدّ المخالفين

لتفسيراتها، إلى جانب استحضار سوابق تاريخية صدرت فيها فتاوى تشرع القتال في الداخل الإسلامي، متجاهلين السياق التاريخي والفقهي والسياسي الواردة فيه، مما يسّر صعود خطاب التشدد والانغلاق، وفتح المجال السياسيّ والاجتماعيّ على الفتنة والحرب الأهلية.

وتعدّ منطقة الشرق الأوسط الأكثر "إنماءً" وقابلية للتأثرّ بالتنظيمات الإرهابية العابرة لحدودها؛ حدّ السيطرة على مساحات معتبرّة من أراضيها، كما "داعش" في العراق وسوريا وليبيا، وذلك بحكم قدراتها وإمكانياتها المحدودة وضعف تماسكها، لاسيما اقتصادياً وسياسياً، واختراقها خارجياً، واتساع نطاق صراعاتها، وأزماتها البنيوّية العميقة، مع غياب الإطار الجمعيّ القادر على حل الخلافات وضبطها.

ثانياً: توظيف «�لف�ساء �ل�ّسيبر�نيّ»

اكتسبت مواجهة الموجة الجديدة من الإرهاب بعداً ثالثاً، إلى جانب البعدين الميدانيّ والفكريّ، غداة بروز الارتباط الوثيق بين الفضاء السيبرانيّ والإرهاب العابر للحدود والقوميات، الذي يؤرخه مراقبون عقب أحداث 11 سبتمبر 2001. فقد أضحت شبكات التواصل الاجتماعي، فضلاً عن المنابر الإعلامية التقليدية، في السنوات الأخيرة، الأداة الأهم في يدّ التنظيمات المسلحة لنفاذ مخططاتها الإرهابية، نظراً لانخفاض التكلفة.

وساعد في الانتشار ضعف الرقابة الأمنية، وسهولة تدفق المعلومات، ويسر التواصل، واتساع رقعة الانتشار، وتخطيّ الحدود، والقدرة على التأثير، وذلك من خلال بث الخطاب الدعائي ونشر الصور والأفلام والوثائق، عبر آلاف المواقع والصفحات وغرف المحادثة الإلكترونية. وتمكنت الشبكات الإرهابية من توظيف وسائط الإعلام الجديد في جمع المعلومات، والتخطيط والتنسيق، وتحديد الأهداف، وإعطاء التعليمات، ضمن ما يسمى "شبكات الكوادر" الرامية للتواصل بين عناصر التنظيم المسلح، كمساحات افتراضية مغلقة، بهدف تكوين الخلايا التنظيمية، والتدريب على استخدام الأسلحة وصنع القنابل.

وساعدت التكنولوجيا في نشر الفوضى والرعب، عبر بث فيديوهات توثق العمليات الإرهابية، تزامناً مع نشر الأفكار والمعتقدات لكسب المتعاطفين وتوسيع قاعدة الأنصار والمريدين لأجندتها الخاصة، لاسيما بين صفوف الفئة الشابة، وتجنيد الإرهابيين من شتى أنحاء العالم ونقلهم إلى بؤر القتال، وكسب التمويل، من خلال التحويلات المالية البينّية، ونيل التبرعات المرفقة بفتاوى دينية تدعو للتضحية بالأموال والأنفس، من قِبل الحركات "الجهادية" المتطرفة، بالإضافة إلى كسب الدعم المعنوي.

وقد شهدت بعض الصفحات الإلكترونية ما يسمى "البيعة الافتراضية" لزعيم تنظيم "داعش"، "أبو بكر البغدادي"، من جانب آلاف السلفيين الجهاديين، عقب إعلان التنظيم، في 29 يونيو 2014، عن قيام "الخلافة الإسلامية"، ودعوة المسلمين للهجرة إلى المناطق التي يسيطر عليها، مما ساهم في انتشاره وتنامي مؤيديه عبر العالم الافتراضي.

ثالثاً: تجاوز �لاإ�سكاليات �لمجتمعيّة

يتجاوز تهديد الإرهاب "الشبكيّ" التغلغل بين ثنايا الأزمات، الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، المجتمعيّة المحفزّة لنموّه، لكسب المؤيدين، خاصة الشباب منهم، بما يقدمه من أنموذج مغاير لبيئاتهم المحلية، أو عند حديث تنظيم "داعش" عن "الخلافة" ومغريات انتشالهم من أوضاعهم الصعبة، من حيث الظروف المعيشية والتهميش، ولكن من دون تقديم خطة محددة المعالم للحل، صوبّ أنماط غير تقليدية قد تشيّ بتطور نوعيّ في طبيعة الصراع معه.

ويتراءى حجم التهديد لأمن الساحات الإقليمية العربية والدولية التي تشهد بؤر الاستهداف الإرهابي، في تنفيذ "خلايا نائمة"، مرتبطة أيديولوجياً بالتنظيمات المسلحة، للعمليات الإرهابية، وقيام "ذئاب" منفردة، انتقلت بأفكارها من الولاء "للقاعدة" إلى الولاء "لداعش"، بتنفيذ هجوم إرهابي، أسوّة باستهداف أحدهم مقراً أمنياً بالأردن، في يونيو 2016، بما يشي باتساع نطاق العناصر المتطرفة المنتمية، فكرياً أو تنظيمياً، للشبكات الإرهابية، ويفتح الباب أمام تنفيذ عمليات مشابهة من قبل أنصارها المنتشرين في ساحات مختلفة من دول العالم.

ويستقيم ذلك مع مؤشرات نمو التيار السلفي الجهادي، وارتفاع منسوب تأييد "داعش" ونصرته بين صفوف الفئة الشابة المتعلمة والمتيسرة مادياً، مصحوباً بتنامي أعداد المقاتلين العرب والأجانب، من مختلف المستويات العلمية والمجتمّعية، بحيث لم يعد النمط السائد منحصراً ضمن أصحاب الطبقة الوسطى الدنيا أو الفقيرة ومن مستويات تعليمية بسيطة.

خاتمة

تشي المعطيات الراهنة بمرحلة قادمة أشد صعوبة وإيلاماً على مستوى صعود الإرهاب "الشبكيّ" العالمي، لاسيما في الساحتين الإقليمية العربية والأوروبية، نظير قدرة التنظيمات المتطرفة، مثل "القاعدة" و"داعش"، على تغيير استراتيجيتها والتكيف وفق متغيراتها.

وإذا كان تنظيم "داعش" قد فقد زمام السيطرة على كثير من المواقع التي كانت بيدّه، في ظل الانقسام الحادّ بين صفوف الجماعات "الجهادية" المسلحة، الذي برزت مؤشراته خلال الأزمتين السورية والعراقية، ومناهضة بعض أقطاب السلفيين الجهاديين للتنظيم، فإن "داعش" لايزال يشكل مصدر تهديد أمني، داخلياً وخارجياً، حيث قد يتحول من موطن الهزيمة، في ظل عمليات "التحالف الدولي" المضادة، إلى "خلايا نائمة" أكثر فاعلية في تنفيذ عمليات إرهابية غير متوقعة، إزاء بقاء محفزّات نمّوه، مما يستدعي تضافر الجهود لتشكيل معاول طاردة لخطر تهديد التنظيم ضمن ساحاته المستهدفة.

د. نادية سعد الدين كاتبة صحفية وباحثة أكاديمية في العلوم السياسية - الأردن

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.