الجدار العازل:

توتر محتمل في العلاقات الأمريكية – اللاتينية

Trending Events - - المحتويات - سانتياجو فيار

جعل دونالد ترامب شعاره الأساسي "سأجعل أمريكا بلداً عظيم مرة أخرى"، كما تبنى أثناء حملته الانتخابية، مواقف أثارت قلق دول منطقة أمريكا اللاتينية والكاريبي، خاصة فيما يتعلق بتبني سياسات حمائية، فضلًا عن هجومه على قيام الشركات الكبرى بالاستثمار خارج الولايات المتحدة، بالإضافة إلى انتقاده لبعض دول المنطقة كالمكسيك وكوبا، وهو ما يستدعي التساؤل حول الخطوط العامة لسياسته، خاصة في ضوء تنامي الدور الصيني هناك.

ركز ترامب أثناء حملته الانتخابية، على تحقيق مجموعة من الأهداف الداخلية أهمها خلق فرص عمل جديدة، وإنعاش القطاع الصناعي، وتشديد ضوابط الهجرة، فضلاً عن مراجعة السياسات التجارية للولايات المتحدة. وعلى الرغم من أن ترامب ألمح إلى توجهات عامة في مجال السياسة الخارجية أثناء الحملة، فإنه لم يشر إلى منطقة أمريكا اللاتينية والكاريبي باستثناء المكسيك التي توعدها الرئيس في كثير من خطاباته. ويبدو أنها ستحتل مكانة متقدمة في قائمة أولويات الإدارة الجديدة، خاصة مع تصميمها على تبني سياسات اقتصادية حمائية) 1 .)

ويمكن إرجاع ذلك في جانب منه، إلى انشغاله بملفات وقضايا أخرى في مجال السياسة الخارجية، خاصة مع تنامي التهديد الإرهابي في منطقة الشرق الأوسط، أو الأزمة التي يعانيها الاتحاد الأوروبي جراء الانسحاب البريطاني، أو رغبته في تخفيف حدة التوتر في العلاقات الأمريكية – الروسية، والتي ورثها عن الإدارة السابقة، بالإضافة إلى إعلانه، في غير موضع، عن تبنيه سياسات عدائية تجاه الصين.

وإذا ما ركزنا على منطقة أمريكا اللاتينية والكاريبي، فإنه لا يتوقع أن تكون المكسيك هي الدولة الوحيدة التي ستتأثر بالتوجهات الجديدة لترامب، خاصة أن العلاقات الأمريكية مع

عدد من دول أمريكا اللاتينية قد شهدت حالة من الحراك خلال عهد الإدارة السابقة، خاصة كوبا وفنزويلا وكولومبيا، وهو ما يثير التساؤل حول أبعاد سياسة ترامب تجاه دول المنطقة وتأثيرها المحتمل على تعزيز الوجود الصيني هناك.

�أولاً: تد�عيات �قت�سادية على �لمك�سيك

كانت المكسيك حاضرة بقوة في خطابات ترامب على مدار العام السابق، عندما كان مرشحاً للرئاسة، فقد وجه إليها معظم تهديداته ووعيده، ولذا يتوقع أن تشهد علاقاتها الثنائية مع الولايات المتحدة توتراً متصاعداً. ولا يرجع ذلك إلى تصريحات ترامب العدائية تجاهها، والتي أكد خلالها تصميمه على وقف الهجرة غير الشرعية من الجنوب، من خلال بناء جدار عازل على طول الحدود المشتركة بين البلدين، بل وتحميل المكسيك تكاليف تمويل بناء هذا الجدار بالكامل، إذ إن هناك إدراكاً بأن تلك التصريحات جزء من الخطاب الشعبوي لإثارة مشاعر المواطنين، ومحاولة تحميل المكسيك المسؤولية عن المشكلات الأمريكية الداخلية. وفي مقابل ذلك، يبدو أن اقتصاد المكسيك سوف يتأثر بهذه السياسة العدائية الأمريكية، وذلك من حيث الأبعاد التالية: 1- تراجع التحويلات المالية: فقد أعرب ترامب عن نيته

ترحيل نحو 11 مليون مهاجر غير شرعي، أغلبهم من أمريكا الوسطى، وهو الأمر الذي له تداعيات سلبية على تلك الدول، خاصة المكسيك، فقد بلغ إجمالي التحويلات المالية للمكسيكيين المقيمين في الولايات المتحدة إلى المكسيك حوالي 24 مليار دولار في عام 2( 2015(. وبالتالي، ففي حالة تنفيذ ترامب تهديداته بطرد المهاجرين غير الشرعيين من الولايات المتحدة، فإن التحويلات المالية سوف تتراجع بشدة مخلفة تداعيات سلبية على الاقتصاد المكسيكي. 2- اتباع سياسات حمائية: إذ تُعد المكسيك ثاني أكبر شريك تجاري للولايات المتحدة وتبلغ صادرات المكسيك إلى الولايات المتحدة حوالي 80% من إجمالي صادراتها، في حين أن الولايات المتحدة هي الشريك التجاري الأول بالنسبة للمكسيك، كما سجل الميزان التجاري بينهما فائضاً لصالح المكسيك طوال الفترة الممتدة من عام 1995 حتى الآن، وهو ما يقلق الإدارة الأمريكية الجديدة، والتي عبرت عن نيتها في اتباع سياسات اقتصادية حمائية.

وفي هذا الإطار، أعلنت الإدارة الأمريكية أن إحدى أولوياتها إعادة التفاوض على "اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية" )النافتا(، والتي تم توقيعها في عام 1994، بين كندا والمكسيك والولايات المتحدة، ووصفها ترامب بأنها من "أسوأ الصفقات التجارية في التاريخ"، لما ترتب عليها من هروب العديد من الشركات الأمريكية إلى المكسيك للتمتع بالمزايا الاقتصادية المتوفرة هناك، كانخفاض تكلفة الأيدي العاملة، فضلاً عن قيام تلك الشركات بتصدير منتجاتها إلى الولايات المتحدة من دون دفع التعريفة الجمركية.

ومن وجهة نظر ترامب، فإن هذا الوضع تسبب في ارتفاع البطالة في العديد من المدن الصناعية في أرجاء الولايات المتحدة. وفي هذا السياق، وجه ترامب انتقادات حادة إلى شركة "فورد موتورز" بسبب تخطيطها لاستثمار 1,6 مليار دولار أمريكي في مصنع جديد لها في المكسيك، بل وأغراها بتقديم امتيازات مالية وضريبية مقابل عدم نقل استثماراتها خارج الأراضي الأمريكية، وهو ما ترتب عليه إلغاء هذه الخطط، وقيامها بضخ استثمارات إضافية في مصانعها القائمة في ولاية متشجن الأمريكية)3.)

ثانياً: تر�جع فر�ض �لتطبيع مع كوبا

قام الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما بتطبيع العلاقات بين الولايات المتحدة وكوبا، منهياً بذلك عقوداً من القطيعة بين البلدين، وهي الخطوة التي لاقت ترحيباً كبيراً من جانب دول أمريكا اللاتينية، غير أنه ظلت هناك بعض القضايا العالقة في العلاقات الثنائية التي لم يتم حسمها بعد، لاسيما وضع القاعدة الأمريكية في خليج جوانتانامو، وكذلك مسألة رفع الحظر التجاري والاقتصادي والمالي، وهو ما يثير التساؤل حول فرص استمرار ترامب في مسار تطبيع العلاقات الثنائية.

وفي هذا الصدد، لا يُتوقع أن تقدم الإدارة الأمريكية على تعزيز العلاقات الثنائية، بل يعتقد أنها ستكون مرشحة لمزيد من التوتر، في ضوء التصريحات المتواترة لترامب أثناء حملته الانتخابية والتي أكد خلالها أن حكومته "ستقف بجانب الشعب الكوبي في كفاحه ضد القمع الشيوعي"، فضلاً عن تأكيده "أن نظام كاسترو هو المستفيد الوحيد من صفقة أوباما"، كما وعد بإلغاء هذه الصفقة ما لم تستجب هافانا لمطالب "الحرية الدينية والسياسية للشعب الكوبي وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين".

وإذا ما مضى ترامب قدماً في تحويل هذه التصريحات إلى خطوات عملية، فإن تداعياتها السلبية لن تطال العلاقات الأمريكية – الكوبية وحدها، بل سينعكس ذلك سلباً على علاقة واشنطن بأمريكا اللاتينية، خاصة مع دعم العديد من دولها لهافانا في مواجهة العقوبات الأمريكية، ويظل هناك خيار أقل كلفة، وهو الإبقاء على الوضع الراهن للعلاقات الثنائية دون حلحلة القضايا العالقة.

ثالثاً: علاقات برجماتية مع فنزويلا!

تعد فنزويلا من أكبر التحديات التي ستواجه إدارة ترامب سياسياً، فقد شهدت العلاقات الثنائية بين فنزويلا والحكومات الأمريكية المتعاقبة قدراً كبيراً من النزاعات الدبلوماسية منذ وصول الرئيس الاشتراكي السابق هوغو شافيز إلى سدة الحكم في عام 1999، وظلت العلاقات متوترة مع تولي سلفه الرئيس الحالي، نيكولاس مادورو. وقد فرضت حكومة باراك أوباما في مارس 2015 عقوبات على مسؤولين فنزويليين، نظراً لاتهامهم بارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان وقمع حرية الصحافة، فضلاً عن الفساد السياسي. وعلى الرغم من هذه العلاقات المتوترة، فإن فنزويلا تعد ثالث أهم مورّد للنفط للولايات المتحدة، بعد كندا والمملكة العربية السعودية، بما يمثل 9% من إجمالي واردات الولايات المتحدة في عام 4( 2015(، وهو ما يعني أن فنزويلا تعد شريكاً استراتيجياً للولايات المتحدة.

ونظراً لأن الرئيس دونالد ترامب، أشار في خطاب تنصيبه إلى عزمه تعزيز الاستثمار في البنية التحتية، وبالتحديد في بناء الطرق والكباري والمطارات والأنفاق والسكك الحديدية، فسوف تتطلب هذه المشاريع زيادة في الإنفاق والموارد، وفي مقدمتها النفط. ومن منظور العلاقات البرجماتية، فإنه من الأفضل لإدارة ترامب عدم تصعيد التوتر القائم في العلاقات الثنائية، حتى لا يؤثر ذلك سلباً على تدفق النفط من دول أمريكا اللاتينية.

ر�بعاً: تر�جع �لدعم لل�سلام �لكولومبي

إن من أهم التطورات التي شهدتها منطقة أمريكا اللاتينية في عام 2016 هو التوصل لاتفاق سلام بين الحكومة

الكولومبية و"القوات المسلحة الثورية الكولومبية" )فارك( بعد ما يزيد على خمسين عاماً من الصراع المسلح. وخصصت الحكومة الأمريكية منذ عام 1999 من خلال ما يسمى "خطة كولومبيا" موارد مالية وبشرية كبيرة لمكافحة عصابات المخدرات داخل البلاد، وإحلال السلام في أقدم نزاع مسلح في المنطقة بأسرها، والذي أسفر عن مصرع ما يزيد على 7 ملايين فرد.

وقد تعهد الرئيس الأمريكي باراك أوباما في فبراير 2016 بتقديم مساعدات مالية إلى الحكومة الكولومبية قدرها 450 مليون دولار أمريكي لدعم اتفاق السلام)5(. وهناك مخاوف من أن يقوم ترامب بوقف أو تقليص المعونات الأمريكية المخصصة لعملية السلام. ويحد من هذه المخاوف صدور تصريحات من أعضاء في الإدارة الأمريكية الجديدة، في مناسبات مختلفة، تؤكد أن واشنطن ستستمر في دعمها عملية السلام في كولومبيا، وإن كان هذا لم يقلل من حجم القلق حيال توجهات الإدارة الجديدة، خاصة أنه من الصعب التكهن بتوجهات ترامب.

خام�ساً: �لبديل �ل�سيني

تتحول منطقة أمريكا اللاتينية تدريجياً باتجاه اليمين، فقد تراجع عدد الحكومات الاشتراكية، التي هيمنت على أمريكا اللاتينية والكاريبي لأكثر من عقد من الزمان. وتحكم أحزاب ليبرالية يمينية الآن اثنين من أكبر ثلاثة اقتصادات في أمريكا اللاتينية وهما: البرازيل والأرجنتين.

وتسعى الغالبية العظمى من دول أمريكا اللاتينية إلى إعادة رسم سياستها الخارجية، وفق أولويات أجنداتها التجارية، خاصة مع وجود توقعات بتراجع النمو الاقتصادي لمنطقة أمريكا اللاتينية والكاريبي على مدى العامين المقبلين، إذ إن اقتصاد المنطقة لن ينمو سوى بنسبة 1.2% في عام 2017 وبنسبة 2.1% في عام 6( 2018(، وبالإضافة إلى ذلك، تراجعت الصادرات بحوالي 6% خلال العام الماضي.

ويعد السيناريو الأسوأ بالنسبة لمنطقة أمريكا اللاتينية والكاريبي هو: ارتفاع سعر الفائدة في الولايات المتحدة نتيجة اتباع سياسات تجارية أكثر حمائية وسياسات نقدية مُقيدة، مما يعيق دول المنطقة في الحصول على قروض، وهو الأمر الذي سيترتب عليه تراجع الموارد المالية لها، خاصة في ضوء انخفاض أسعار السلع الأولية )وهي الصادرات الرئيسية لدول المنطقة(، وهو ما سيؤدي إلى تدهور الأوضاع الاقتصادية، بما يحمله ذلك من مخاطر على الاستقرار الاجتماعي.

وفي ظل هذه الأوضاع، وفي ضوء تراجع الاهتمام الأمريكي المحتمل لدول أمريكا اللاتينية، وتصاعد حدة التوتر بين واشنطن وبكين، فإنه من المتوقع أن تسعى الصين إلى تعزيز تواجدها في المنطقة. ويعد هذا امتداداً لإهمال إدارة أوباما للمنطقة والتي لم تبذل الكثير لتعزيز العلاقات مع أمريكا اللاتينية والكاريبي، بل وسجلت الولايات المتحدة في عهده أعلى معدلات لطرد المهاجرين.

وقد سارعت الصين إلى ملء الفراغ الذي خلفته الولايات المتحدة، فلقد ضاعفت الصين حجم التبادل التجاري مع دول أمريكا اللاتينية والكاريبي بحوالي 22 مرة بين عامي 2000 و2014، كما زادت من استثماراتها في دول المنطقة بحوالي 500% خلال العقد الماضي، وشملت بناء محطات الطاقة النووية والموانئ والطرق، وما إلى ذلك. ولعل من المؤشرات على قوة الوجود الصيني هو الشروع في حفر قناة نيكاراجوا. وبعبارة أخرى، فإن الصين اغتنمت التجاهل الأمريكي لدول المنطقة لترسيخ وجودها القائم بالفعل مع دول المنطقة.

ومن ناحية أخرى، تحتاج دول أمريكا اللاتينية لأن تتبنى مواقف موحدة، ويشبه الموقف الحالي فترة ولاية جورج دبليو بوش )2001 – 2009(، حيث كانت أمريكا اللاتينية والكاريبي أكثر اتحاداً، وطورت في تلك الفترة عدداً من المؤسسات الإقليمية لتعزيز التعاون البيني، وهو الأمر المتوقع حدوثه في حالة تدهور العلاقات مجدداً.

ومع ذلك، لا يجب النظر لسياسات ترامب باعتبارها مأساة كبرى، بل يجب النظر إليها باعتبارها فرصة، فهي فرصة للمكسيك لتنويع صادراتها، وتوديع عقود من التبعية والاتكال على السوق الأمريكية، وهي فرصة لدول أمريكا اللاتينية لتعزيز العلاقات البينية. وفي هذا السياق، شارك رئيس الأرجنتين، موريسيو ماكري، في يونيو الماضي بصفته عضواً مراقباً في "قمة تحالف المحيط الهادئ"، وهو ما يؤشر على وجود نهج استراتيجي بين هذه الكتلة وبين "السوق المشتركة الجنوبية" )ميركوسور(.

ومن السابق لأوانه التكهن بالأسلوب الذي ستدير به الإدارة الجديدة علاقاتها مع أمريكا اللاتينية والكاريبي، باستثناء المكسيك، التي سيتبنى تجاهها سياسات متشددة فيما يبدو. ولكن تظل علاقاته بالدول الأخرى مرشحة للتدهور، إذا ما تبني سياسات تجارية حمائية وإجراءات للحد من الهجرة، وترحيل المهاجرين غير الشرعيين. وحينها ستعزز الصين من وجودها، القائم فعلاً. وخلال بضعة أشهر، سيتضح ما إذا كانت البرجماتية ستهزم الخطابة، أم العكس.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.