البرامج الساخرة:

جدل غير محسوم حول تأثيراتها السياسية هالة الحفناوي

Trending Events - - المحتويات -

”إذا سخرتم منه سينفجر من الداخل، هذه نقطة ضعفه، فدعونا نشكل جيشاً من الكوميديا وسنسقطه“. كانت هذه كلمات المخرج الأمريكي ”مايكل مور“أمام المواطنين غير المؤيدين للرئيس الأمريكي دونالد ترامب بعد توليه منصب الرئاسة الأمريكية في يناير 2017، وانقسام المجتمع الأمريكي حيال انتخابه، وهو ما يلقي الضوء على قضية التداعيات السياسية للرامج الساخرة.

يبدو أن وصية مايكل مور بتكوين جيش من الكوميديا قد لاقت صدى كبيراً داخل المجتمع الأمريكي، فمنذ تولي ترامب رئاسة الدولة، أصبحت مواقفه وتصريحاته مادة غنية للبرامج الأمريكية الساخرة، والتي زادت شعبيتها خال الشهور السابقة بصورة غير مسبوقة، وبات الشعب الأمريكي يقبل بكل شغف على البرامج التي تتناول ترامب وتندد به. فعلى سبيل المثال استطاعت حلقات الموسم ال 42 من البرنامج الأمريكي "ساترداي نايت" ‪Saturday Night(‬ ،) الذي يركز في معظم حلقاته على ترامب، أن تحقق نسبة 70% من إجمالي مشاهدات الأسر للتلفزيون داخل الولايات المتحدة، متجاوزاً أي نسب قد حصل عليها خال السنوات الماضية. وقد استطاعت حلقة واحدة من البرنامج جذب انتباه 20 مليون مشاهد خال أقل من أسبوع.

ويرى القائمون على هذه البرامج مثل جون ستيوارت، أن السخرية السياسية الساح الأقوى الآن في مواجهة ترامب، حيث إنها تثير غضبه كما يبدو من ردود أفعاله الغاضبة على تويتر عقب إذاعة بعض حلقات برنامج "ساترداي نايت". ولم يقتصر تيار السخرية على المجتمع الأمريكي فقط، بل امتد للعديد من الدول، بما في ذلك الدول العربية، التي أصبحت تحاكي كثيراً من تلك البرامج ولكن بنسخ شرقية. ويهدف هذا التحليل إلى إلقاء الضوء على هذه الظاهرة من خال توضيح المقصود بالسخرية، وأشكالها، ومحاولة الوقوف على حجم تأثيراتها على المجال العام، وشعبية السياسيين على وجه الخصوص.

اأولاً: ال�سمات الاأ�سا�سية لل�سخرية

يمكن تعريف "السخرية" على أنها "أداة فنية مؤثرة قادرة على توضيح وإبراز القصور في أفعال إنسانية محددة، أو تجاه بعض القضايا الاجتماعية من خال السخرية والاستهزاء، مما يجعلها واسعة الانتشار وتصل لجماهير عريضة")1(، في حين عرّف البعض الآخر "السخرية" على أنها: "سلوك يتضمن توجيه نقد يتسم بخفة الدم، بغرض تسليط الضوء على سلوك ما، شخصي أو مؤسسي، اجتماعي أو سياسي، بهدف تغييره أو تطويره)2(. فهو يتحدى المفاهيم التي تبدو مقبولة اجتماعياً وجعلها تبدو سخيفة.

وبغض النظر عن التعريفات السابقة،

وحجم التوافق والاختاف بينهما، فإن هناك إجماعاً على أن السخرية هي أي منتج، سواء أكان أدبياً أو فنياً، ويحتوي على الخصائص التالية)3 :) • النقد :)Critique( فالسخرية في جوهرها تعد من أشكال النقد لأحد الأفعال الإنسانية، التي تتسم بالقصور أو النقص، ومحاولة تسليط الضوء عليها وإبرازها شريحة واسعة من الأفراد، بغرض دفعهم إلى استهجانها، ومن ثم التشجيع على تبني سلوكيات مغايرة لها. • التهكم :)Irony( تستخدم السخرية أسلوب "التهكم"، وذلك لكي تبرز المشكلة في السلوك محل الانتقاد. • الضمنية :)Implicitness( فهي ليست موقفاً واضحاً أو حكماً قطعياً من قضية معينة، بل هي حكم ضمني غالباً ما يكون مبالغاً فيه أو يتم اقتطاعه من سياقه.

وفي الغالب الأعم من الحالات، فإن السخرية تحمل معاني ضمنية، وليست رسائل صريحة علنية، ولذلك فإن القائمين عليها لا يقعون غالباً تحت طائلة العقاب، ويزيد توظيف السخرية في الأوقات التي تعم فيها حالة السخط أو عدم الرضا عن الأوضاع السياسية أو الاجتماعية القائمة، مع تزايد انشغال المواطنين بالمجال العام)4.)

وقد ارتبط انتشار السخرية، في جانبها السياسي، بعقد التسعينيات من القرن العشرين، مع ظهور "برامج الترفيه السياسي" ‪)Political Entertainment Programming(‬ في الولايات المتحدة، والتي كان أبرزها برنامجا "سياسياً غير صحيح" ‪Politically Incorrect(‬ ،) وبرنامج "العرض اليومي" ‪.)The Daily Show(‬

وقد سعت تلك البرامج لتناول القضايا السياسية وإلقاء الضوء عليها وانتقادها، ليس من خال المحللين أو الخبراء السياسيين عبر البرامج المتخصصة، بل من خال السخرية من السياسيين، ومواقفهم وتصريحاتهم المتناقضة، على سبيل المثال، واستخدمت في ذلك لغة سهلة، وبسيطة تقترب من لغة رجل الشارع العادي، وبالتالي أصبحت أكثر تأثيراً وجاذبية، بسبب مضمونها الساخر والبسيط)5(، وبالتالي فإن "السخرية" لا تعد بالظاهرة الجديدة، غير أنها تشهد زخماً كبيراً في الوقت الحالي.

ثانياً: اأ�سكال ال�سخرية الاأكثر �سيوعاً

تعد السخرية واحدة من مكونات الثقافة الشعبية لدى العديد من الدول، خاصة العربية منها، فيعرف عن بعض شعوبها حبها للمرح والتهكم، وأدى نجاح البرامج الأمريكية الساخرة إلى ظهور برامج مماثلة في بعض الدول العربية، في المرحلة التالية على ثورات الربيع العربي، وتنتشر ثاثة أشكال أساسية من السخرية هي: برامج التوك شو الساخرة، والصحافة الساخرة، وميم الإنترنت، وسوف يتم تناول كل شكل من هذه الأشكال بقدر من التفصيل، وذلك على النحو التالي: 1- برامج التوك شو الساخرة: تمثلت أبرز البرامج الناجحة في المنطقة العربية في أعقاب ثورات الربيع العربي في برنامج "البرنامج" لباسم يوسف الذي عرف باسم "جون ستيورات مصر"، حيث أسس برنامجه الساخر على غرار البرنامج الأمريكي ‪The Daily Show(‬ ،) وكان يعتبر البرنامج الأكثر مشاهدة في الشرق الأوسط، وركز البرنامج على تقديم "الكوميديا السوداء" للسخرية من الأزمات السياسية والاقتصادية التي كان يمر بها الشعب المصري آنذاك.

وعلى المنوال نفسه، استطاع برنامج التحليل السياسي الساخر "دي إن إيه" DNA() اللبناني أن ينال انتباه قطاع عريض من الجمهور اللبناني والعربي، نظراً لتناوله بصورة نقدية حادة، وأحياناً ساخرة الأحداث والتصريحات السياسية داخل لبنان والشرق الأوسط.

وإذا كانت الموجة الأولى من البرامج الساخرة التي ظهرت في المنطقة العربية غلب عليها الطابع السياسي، فقد تلتها سلسلة من البرامج الساخرة التي تنحو نحو النقد الاجتماعي والثقافي، حتى البرامج التي حاكت البرامج الأمريكية، مثل برنامج "سترداي نايت بالعربي"، لم يأخذ الطابع السياسي المعروف عنه في أمريكا، بل ركز بالأساس على الطابع الثقافي والاجتماعي، وأصبحت العادات والتقاليد وأسلوب الحياة والمفاهيم الاجتماعية الراسخة محل انتقاد تلك الموجة الثانية والتي مازالت قائمة وتشهد نمواً وتطوراً ملحوظين.

ولعل هذا التحول من السياسي إلى المجتمعي يرجع في جانب منه إلى انصراف الاهتمام جزئياً عن الشأن السياسي، بعد الإحباط الذي أصاب المجتمعات العربية، نتيجة الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية التي عانتها تلك الدول في أعقاب الثورات، فضاً عن انهيار بعض الدول العربية في صراعات مزمنة. 2- الصحافة الساخرة: تصاعدت المواقع الإخبارية "الساخرة" التي تحاكي الصحف والمواقع الإخبارية، إلا أنها تعتمد إما على قصص إخبارية صحيحة مكتوبة بطريقة ساخرة، أو على قصص إخبارية مزيفة من وحي الأحداث الجارية. ومن أهم المواقع الإخبارية الساخرة ذات الشهرة العالمية "ذا أونيون" ‪The Onion(‬ ،) و"بين سوب تايمز" ‪Bean soup(‬ Times،) و"ذا ديلي كورانت" courant(‬ daily ‪The.) ويعد الهدف الأساسي من هذه المواقع الساخرة التشكيك في منطقية ونزاهة الممارسات الصحفية الحالية، فضاً عن سخريتها من السياسيين أو المؤسسات السياسية)6.)

وقد نقلت هذه التجربة باللغة العربية من خال الموقع الاخباري الساخر "الحدود"، وهو موقع أردني تم تأسيسه في 2013 على يد ستة صحفيين أردنيين. والذي يهدف إلى استخدام السخرية في سرد الوقائع السياسية الصعبة التي نعيشها حالياً. ويبلغ عدد المتابعين لهذا الموقع 5 مايين متابع من داخل الأردن وخارجها، وبلغ عدد القراء لصفحته على الفيس بوك حوالي 250 ألفاً)7.)

ولا تقف فكرة الصحافة الساخرة عند المواقع الإخبارية، بل إن هناك برامج إخبارية ساخرة كذلك تختلف عن برامج التوك شو الساخرة، حيث تأتي في شكل محاكاة لبرامج بث الأخبار،

وتبث بدورها أخباراً ساخرة في إطار يبدو عليه الجدية، وكان من أشهر البرامج في هذا النمط البرنامج الأمريكي القديم "ليست بالضرورة الاخبار" ‪Not necessarily the(‬ new،) والذي اقتبس فكرته من برنامج بريطاني كان يعرف باسم "ليست أخبار التاسعة" وتأخذ هذه البرامج شكل البرنامج الاخباري الجاد مع وجود مذيع أخبار ومراسلين. 3- ميم الإنترنت ‪:)Internet Mems(‬ وهو مصطلح يُستخدم لوصف موضوع فكاهي أو ساخر ينتشر بسرعة كبيرة بين مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي. وعادة ما يكون ال "ميم" عبارة عن صورة واحدة يكتب عليها الناس تعليقات)8،) ويحتوي مضمون التعليق، أو الصورة، أو الاثنين معاً على رسالة ساخرة من الموضوع محل التعليق، وتعرف أيضاً بين الشباب أحياناً بمصطلح "الثيمة".

وجاء مصطلح "الميم" من العالم البيولوجي "ريتشارد داوكينز" ‪Richard Dawkins(‬ ) الذي حاول وضع وحدة ثقافية على غرار "الجين"، أي الوحدة الاساسية للوراثة في الكائن الحي، فوضع مفهوم "ميم" ليكون المكافئ الثقافي للجين، والتي يمكن من خالها تتبع تطور الثقافة أو كيفية انتشارها)9(، فهي الفكرة أو الشعار أو الرمز الذي يتنشر بسرعة فائقة بين مايين من المستخدمين في وقت زمني بسيط، وتظهر الميم على مئات الموضوعات والقضايا بدءاً من الموضوعات والأحداث العالمية والمحلية الكبرى وانتهاءً بالخبرة والمواقف الشخصية) 10 .)

وقد انتشر هذا النوع من السخرية بشدة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بل وأصبح أحد أهم مكونات ثقافة الإنترنت، خاصة في ظل انتشار ثقافة "الرسائل البصرية"، وانتشارها أكثر من النصوص المكتوبة. ووفقاً لإحدى الدراسات الميدانية التي تناولت ظاهرة الميم السياسي الساخر، يتم إنتاج وتداول الميم من خال منفذي الفكرة، وأولئك الذين يقومون بتحويلها إلى اللغة المحلية، فضاً عن مايين المشاركين الذين يقومون بتداوله، ويحتاج إنتاج الميم الإلمام بمهارات تكنولوجية معينة لذلك غالباً ما يكون المنتجون لهذه الصور الساخرة من ذوي خلفيات تعليمية عالية، ويقعون غالباً في الفئة العمرية ما بين 18 و29 عاماً، وأغلبهم من الذكور.

وبحسب الدراسة، تتمثل أهداف المنتجين للميم في التعبير عن الذات، وتعزيز الانتماء لهذا المجتمع الافتراضي الذي يتداول هذا النوع من السخرية. ويشعرون بأنهم لعبوا دوراً في انتقاد عدم الرشادة في السياسات العامة، مثل نظام التأمين الصحي بأمريكا. ويجتذب ميم مايين المتابعين، ولذلك فإن القائمين عليه يشعرون وكأنهم يساهمون في وضع أجندة النقاش العام)11 .)

ثالثاً: حدود تاأثير ال�سخرية

لايزال الجدل حول تأثير السخرية، بنمطيها السياسي والاجتماعي، غير محسوم، فبينما يراها البعض مجرد أداة للترفيه حول القضايا السياسية والاجتماعية، وأن تأثيرها لا يتعدى التعبير عن الإعجاب like() بأعداد كبيرة على الفيس بوك، من دون أن يكون لذلك انعكاس على الواقع العملي، فإن هناك رأي مغاير يذهب إلى أن السخرية لديها القدرة على التأثير على توجهات المواطنين في المجال العام، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة. وقد تركز الجدل بين الاتجاهين حول دور السخرية كمصدر للمعلومات، وقدرتها على التأثير على شعبية السياسيين، بالإضافة إلى دورها في تشكيل الوعي المجتمعي، وذلك على النحو التالي: 1- مصدر مضلل للمعلومات: حيث فقد الشباب، على مدار السنوات الماضية، اهتمامهم بمصادر الأخبار المختلفة، خاصة وسائل الإعام التقليدية، وكان السؤال الذي يتساءله السياسيون كيف يشكل الشباب وعيهم عن العالم المحيط بهم، وكيف يحكمون على الأشياء ومن أين يستقون معلوماتهم عن الداخل والعالم. ويجيب تقرير صادر عن مركز بيو لاستطاعات الرأي في 2005، أن 21% من الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 سنة يستقون معلوماتهم عن التطورات السياسية، ويكونون معرفتهم عن المرشحين السياسيين والمرشحين لرئاسة الدولة من خال البرامج الكوميدية)12،) وقد وجد الباحثون أن مشاهدي البرامج الساخرة هم الأصغر سناً مقارنة ببقية برامج التوك شو.

ويتمثل الأمر المقلق في هذه النوعية من البرامج في أن المشاهد لها لا يستطيع التمييز أحياناً بين ما هو حقيقي وما هو محاكاة، أي بين الاحداث الواقعية والمفبركة في العمل الساخر، وهو ما قد يؤدي إلى تشكيل وعي زائف أو فهم مغلوط تجاه قضية من القضايا، خاصة مع ميل البرامج الساخرة إلى تسليط الضوء على موقف بعينه واقتطاعه من سياقه أحياناً، كما لا ينبغي إغفال أنها عادة ما تكون قريبة من تيارات سياسية يعينها. 2- التأثير على شعبية السياسيين: ياحظ أن هناك وجهتي نظر حول تأثير برامج السخرية على توجهات الرأي العام، ويرى الاتجاه الأول أن تلك البرامج تؤثر على توجهات الناخبين، وإن بصورة غير مباشرة، فمن خال سخريتها من مواقف بعض المرشحين، فإنها قد تؤثر على حظوظهم في الفوز بالانتخابات، خاصة إذا ما ركزت على تناقضات في أقوالهم خال الدعاية الانتخابية مقارنة بقناعتهم التي عبّروا عنها في فترة سابقة على ترشحهم، أو إذا سخرت من بعض جوانب برامجهم السياسية، وهو الأمر الذي قد يؤدي إلى الإضرار بمصداقيتهم أمام ناخبيهم، وبالتالي يضعف فرصهم في الفوز.

ويستند أنصار هذا الاتجاه إلى واقعة "سارة بالين"، حاكمة ألاسكا السابقة، باعتبار ذلك دلياً على قدرة البرامج الساخرة على التأثير على شعبية بعض الرموز السياسية، فقد أدى ترشحها لمنصب نائب الرئيس مع مرشح الحزب الجمهوري

تصاعدت المواقع الإخبارية "الساخرة" التي تحاكي الصحف والمواقع الإخبارية، إلا أنها تعتمد إما على قصص إخبارية صحيحة مكتوبة بطريقة ساخرة، أو على قصص إخبارية مزيفة من وحي الأحداث الجارية.

لانتخابات الرئاسية جون ماكين إلى خساراتهما الانتخابات الرئاسية في عام 2008. وفقد أرجع البعض ذلك إلى برنامج "ساترداي نايت"، حيث قامت الممثلة "تينا فاي" بمحاكاة شخصيتها في صورة ساخرة أثرت على شعبيتها، وهو ما عرف حينها باسم "تأثير تينا فاي" ‪(Tina Fey effect(‬ 13(.) وبطبيعة الحال، فإن هذا الرأي على وجاهته، فإنه يغفل أن هناك عوامل أخرى قد أثرت على حظوظهما في الانتخابات الرئاسية، والتي قد يأتي ضمنها عدم شعبية سارة بالين في أواسط الحزب الجمهوري نفسه.

وعلى الجانب الآخر، يسلم أنصار الاتجاه الثاني بشعبية برامج السخرية، خاصة السياسية منها، ونجاحها في اجتذاب مايين المشاهدات، ومع ذلك، فإنهم يتبنون تقييماً متحفظاً لتأثيرها على تغيير قناعات الناخبين، وهو ما يرجعونه إلى حقيقة أن الناخبين من مختلف التوجهات السياسية، سوف يتابعون تلك البرامج التي تتوافق مع خطهم السياسي بصورة أساسية.

وتدعم هذا الرأي دراسة ميدانية أعدتها جامعة أوهايو حول تأثير الأخبار الساخرة، والتي قامت من خالها باستطاع رأي 146 طالباً من الجامعة، وقد وجدت أن الشباب يختارون نوع الأخبار الساخرة التي تتفق مع توجهاتهم بالأساس، سواء كانوا محافظين أو ليبراليين، ومن ثم تعمل هذه البرامج على التأكيد على توجهاتهم أكثر من برامج الأخبار الجادة)14.)

ومن جهة ثانية، فإن برامج السخرية تؤدي إلى إحداث استقطاب في الرأي بين المؤيدين والمعارضين لها، وهو ما يتضح مثاً من خال النظر إلى التعليقات الموجودة بأسفل الفيديوهات أو المقالات الساخرة، إذ تنقسم إلى نوعين هما، تعليقات مؤيدة تمدح البرنامج وتثني عليه، وتعليقات رافضة تنتقده وتزدريه، ومن ثم لا يتعدى دور السخرية سوى التأكيد على التوجهات القيمية المسبقة التي يتبناها الفرد، ولعل فوز الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية الأمريكية في عام 2016، رغم حجم الانتقادات والسخرية التي وجهت له لهو دليل واضح على ذلك. 3- تشكيل الوعي المجتمعي: تلعب برامج السخرية دوراً في تشكيل وعي قطاع من الجمهور حول بعض القضايا الاجتماعية والسياسية، فقدرة هذه البرامج على الوصول إلى رجل الشارع العادي بلغة سهلة، و"إمتاع" المشاهدين بالمواقف الساخرة، والحث على النقد ينمي المعرفة بالجدل السياسي والاجتماعي القائم في المجتمع)15(. فكلما زادت نسبة التعرض لهذه النوعية من البرامج، كلما زاد الاهتمام والانخراط في معرفة الشأن السياسي ومواقف السياسيين)16.)

وقد أوضحت دراسة جامعة أوهايو سالفة الذكر، أن الأفراد ذوي المعرفة السياسية الضئيلة يذهبون إلى اختيار البرامج الساخرة عن برامج الأخبار الجادة وتؤثر مشاهدتهم لمثل هذه البرامج على شعورهم بأنهم طرف مؤثر في العملية السياسية، نظراً لقدرتهم على فهم الرؤية المبسطة التي تقدمها هذه البرامج)17 .)

وفي الختام، ياحظ أن "السخرية" تصاعد استخدامها في الآونة الأخيرة في الولايات المتحدة وبعض الدول العربية، التي تشهد احتقاناً مجتمعياً واضحاً، أو تواجه شعوبها تحديات سياسية واقتصادية، وذلك كوسيلة لتعبير قطاعات اجتماعية معينة عن عدم رضاهم عن الوضع القائم. وعلى الرغم من شعبية البرامج الساخرة، فإن هناك جدلاً غير محسوم حول حجم تأثيرها الحقيقي على توجهات الرأي العام، وهو ما يرجع، في جانب منه، إلى الإخفاق في فصل عامل السخرية عن العوامل الأخرى، التي قد تدفع الرأي العام إلى تبني توجه معين. ومن جانب آخر، فإن بعض الحالات تقدم مثالاً واضحاً على أن حجم السخرية، مهما بلغت شدتها لا تؤثر على اتجاهات الرأي العام، فالهجوم الإعامي والسخرية المكثفة من ترامب خال الحمات الانتخابية الأمريكية في عام 2016، لم تنجح في التأثير على حظوظه في الفوز بها.

هالة الحفناوي رئيس وحدة تقييم التفاعلات المجتمعية - المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، أبوظبي

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.