ماذا حدث لسكان العالم؟

د. سعيد المصري

Trending Events - - المحتويات - د. سعيد المصري أستاذ علم الاجتماع - جامعة القاهرة

تظل قضية النمو السكاني في العالم من التحديات الكرى التي تواجهه، فحجم السكان يتزايد باستمرار ، بينما حجم كوكب الأرض بموارده الطبيعية ظل على حالة.

لقد أنتج هذا الوضع تأثيرات اجتماعية واقتصادية وسياسية تتجاوز حدود المكان والزمان، بحيث قد يمتد أثرها أفقياً ورأسياً إلى مجتمعات أخرى مجاورة وإلى أجيال أخرى في المستقبل. ومن ثم فالسؤال: ما هي أهم معالم التغيرات السكانية الكبرى في العالم اليوم وأهم القضايا والتحديات السكانية التي تواجه كثيراً من شعوب العالم.

اأولاً: مراحل التحوّل الديموغرافي

يعرف التحوّل الديموغرافي بأنه انتقال المجتمع من معدلات مرتفعة إلى معدلات منخفضة في المواليد والوفيات. ويتم هذا التحوّل عبر خمس مراحل كالتالي: 1- توازن سكاني قائم على ارتفاعات شديدة في معدلات المواليد ومعدلات الوفيات معاً بالقدر نفسه. -2 زيادة سكانية بصورة ملفتة بفعل انخفاض واضح في معدلات الوفيات نتيجة التحسن في الخدمات الصحية. -3 تباطؤ في النمو السكاني بموجب انخفاض حجم المواليد بفعل التحسن في نوعية الحياة وتنظيم الأسرة وخروج المرأة إلى سوق العمل. 4- ينخفض النمو السكاني مع انخفاض معدلات المواليد ومعدلات الوفيات نتيجة التحسن الكبير في نوعية الحياة. 5- وصول السكان إلى مرحلة استقرار النمو السكاني بحيث يصل معدل الخصوبة إلى حد الإحال )أي أن يحل المواليد الجدد محل الوفيات دون زيادة طبيعية في السكان(.

وعلى ضوء ذلك فإن أغلب الدول النامية تنتقل حالياً من المرحلة الثانية إلى الثالثة، أي من نمو سكاني مرتفع إلى تباطؤ فيه. أما الدول المتقدمة فتشهد حالياً الانتقال من المرحلة الرابعة إلى الخامسة، أي من انخفاض في السكان إلى إحال سكاني.

ويعتبر القرن العشرون قرن الزيادة السكانية حيث بدأت سنوات هذا القرن بنحو 1.6 مليار نسمة وانتهت إلى 6.1 مليار نسمة. وحالياً بلغ سكان العالم 7.5 مليار نسمة منهم 83% يتركزون في الدول الفقيرة مقابل 17% في الدول الغنية، وتبلغ نسبة النمو السكاني عالمياً 1.1% سنوياً. وحدثت الزيادة السكانية بفعل استمرار ارتفاع معدل الخصوبة والمواليد مع ارتفاع السن المتوقع عند المياد وانخفاض حجم الوفيات نتيجة التحسن في نوعية الحياة ومستوى الرعاية الصحية. ومن ثم فإن السيناريوهات المتوقعة حول عدد السكان عام 2100 تتأرجح بين 9.4 مليار نسمة و13.2 مليار نسمة، وأن تكون آسيا أكثر القارات نمواً في عدد السكان على اعتبار أنها تضم أكثر من 60% من سكان العالم، أما أوروبا فهي القارة الوحيدة المرشحة لانخفاض حجم السكان في العقود الثاثة القادمة.

ثانياً:بع�ضم�سكلاتالتحوّلالديموغرافي

في ضوء التحولات التي تمر بها التركيبة السكانية في العديد من دول العالم، فإن هناك عدداً من المظاهر والتحديات المرتبطة بها ومنها التالي: 1- الطفرة الشبابية: تشير الإحصاءات السكانية لعام 2015 إلى حدوث طفرة شبابية ‪youth bulge‬ حيث وصل حجم السكان الشباب في العالم في الفئة من 15 - 24 سنة

إلى 1.2 مليار نسمة. وهناك 60 دولة في العالم أغلبهم في الدول النامية والفقيرة ذات طابع سكاني شاب بما يعني أن ثلثي السكان في العالم أقل من 30 سنة. ومن المتوقع عام 2030 زيادة حجم الشباب في العالم ليصبح عددهم 1.3 مليار نسمة. وتحمل هذه الظاهرة جانبين أحدهما إيجابي يتمثل في تحقيق النمو الاقتصادي والاجتماعي كونهم في سن العمل، في المقابل فإن عدم توفر فرص العمل لهم يتسبب في اضطرابات وعدم استقرار، ويلعب الشباب دوراً محورياً في العنف السياسي على مر التاريخ، ويحدث ذلك في ظل توسع التعليم مع ضعف قدرة الاقتصاد على توليد فرص عمل كافية للشباب. ويترتب على البطالة تعميق الشعور العام بالظلم الاجتماعي.

وتشير العديد من الدراسات إلى أن المجتمعات ذات نسبة التركيب السكاني الشاب أكثر عرضة للصراعات المدنية من المجتمعات ذات التركيب السكاني الأكبر سناً. وبعض الدراسات تشير إلى أن الحروب الأهلية والحروب الإقليمية والعالمية في القرن العشرين كانت في جانب كبير منها بسبب الطفرة الهائلة في حجم الشباب لدى تلك المجتمعات التي انخرطت في هذه الصراعات والحروب الدموية. 2- الشيخوخة السكانية: تعد هذه الظاهرة الأبرز في التغيرات السكانية التي بدأت مامحها في الظهور مع مطلع القرن الواحد والعشرين. وتشير البيانات إلى أن عدد السكان كبار السن في العالم بلغ 205 مايين نسمة عام 1950، وأصبح 901 مليوناً عام 2015 ومتوقع أن يصل عددهم في عام 2050 إلى 2 مليار نسمة. ويشكل السكان المسنون ملمحاً ديموغرافياً بارزاً في الدول المتقدمة وعلى رأسها اليابان التي يبلغ حجم المسنين بها 33% من مجموع السكان. ومن أكثر القارات شيخوخة سكانية أوروبا التي يبلغ حجم كبار السن بها 24% ومن المتوقع أن تصل النسبة بها 34% عام .2050

وعلى الرغم من كون الشيخوخة السكان تشكل عبئاً اقتصادياً على الدول المتقدمة وتهدد نموها الاقتصادي، فإن هذه الظاهرة هي نتاج طبيعي للتقدم الاجتماعي والاقتصادي لتلك الدول، والذي ساهم في تحسين نوعية الحياة بحيث أدى إلى خفض عدد المواليد وتوفير ظروف مواتية لكي يعيش الناس حياة أطول. ومع ذلك فإن المفارقة تشير إلى أن ثلثي عدد السكان كبار السن في العالم يعيشون في الدول النامية واتجاهات نموهم في الدول النامية تزيد بصورة أسرع من الدول المتقدمة، ومن المتوقع بحلول عام 2050 أن يصبح 80% من السكان كبار السن في العالم يعيشون في الدول النامية.

-3 الفجوة النوعية: تشير الدراسات إلى تحسن نسبي في أوضاع النساء على المستوى العالمي مقارنة بما كانت عليه الحال في بداية القرن العشرين، ومع ذلك فإن أوضاع النساء تظل أدنى مقارنة بالرجال على مستوى العالم وبالأخص في الدول النامية والفقيرة. ولهذا يتوقف جانب كبير من مستقبل السكان في العالم على التغيرات التي يمكن أن تحدث للإناث الصغيرات في سن العاشرة والائي يبلغن 60 مليون فتاة على مستوى العالم، ذلك أن أكثر من نصف هؤلاء الفتيات يعشن في المناطق الأقل نمواً والأكثر فقراً في العالم التي تشهد أعلى درجات الامساواة )مثل: الصين والهند وأفريقيا جنوب الصحراء وأمريكا الاتينية(. فهناك مازالت الفتيات أقل حظاً في التعليم، وثلث فتيات الدول النامية يتزوجن قبل بلوغ سن 18 سنة، ويتعرضن للعنف في حياتهن. ولذلك فإن مصير الفتيات الإناث في التعليم والصحة والعمل والزواج والإنجاب يشكل تحدياً وفرصة في الوقت ذاته وسوف يكون لهذه الفئة دور حاسم في رسم مامح مستقبل السكان في العالم.

-4 تفاقم أوضاع المهاجرين: الهجرة الدولية ظاهرة متصاعدة في الزيادة بين دول العالم المختلفة، ومن المتوقع أن يزيد عدد المهاجرين إلى 400 مليون مهاجر بحلول عام 2050. وتشير البيانات إلى أن 60% من المهاجرين في العالم يتركزون في أكثر من 30 دولة صناعية في العالم، مقابل 40% منهم يعيشون في البلدان النامية الفقيرة البالغ عددها 170 بلداً. وفيما يتعلق بالهجرة القسرية هناك ما يقرب من 65.3 مليون نسمة من النازحين، منهم 21.3 مليون لاجئ، أغلبهم يقيمون في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وترجع الهجرة إلى ثاثة أسباب رئيسية: عدم المساواة الديموجرافية بين الدول، وعدم المساواة الاقتصادية بين مجتمعات المنشأ والمقصد إلى جانب أسباب تتعلق بثورة الاتصالات والمعلومات والمواصات مما أتاح الفرصة لكثير من البشر أن يقرروا الهجرة بحثاً عن حياة أفضل في هذا العالم.

وللهجرة عائد اقتصادي كبير على الدول الجاذبة عموماً، وكذلك الدول الطاردة. وعلى سبيل المثال، تحصل الصين والهند على ثلث التحويات التي يرسلها العاملون في الخارج إلى الدول النامية بما يقدر بنحو 400 مليار دولار بحسب عام 2012. أما الهجرة القسرية فإنها تمثل عبئاً اقتصادياً كبيراً على الدول المستقبلة لاجئين.

5- اتساع نطاق التحضر: يتجه السكان في العالم وبقوة نحو الحياة الحضرية فيما يعرف بالتحضر، مقابل تقلص نمط الحياة الريفية والرعوية. وبحلول عام 2014 أصبح أكثر من نصف سكان الكرة الأرضية يعيشون في مدن وتجمعات حضرية. ومن المتوقع زيادة نسبة التحضر في العالم لتصل إلى 66% بحلول عام 2050.

ارتبط النمو الحضري بعوامل جذب متعددة أبرزها التحوّل الاقتصادي والتصنيع والخدمات والأسواق، مما يؤدي إلى ارتفاع معدلات الهجرة من الريف إلى المدينة، وقد ترتبت على النمو الحضري مشكات كبيرة في المدن كالتزاحم الشديد، وتردي أحوال البنية الأساسية، وعدم قدرتها على استيعاب النمو الحضري السريع، والضغط الشديد على الموارد، ونمو المناطق العشوائية الفقيرة على أطراف المدن. يضاف إلى ذلك تلوث البيئة بفعل النفايات التي تنتجها المدن في العالم ويصل مجموعها إلى 1.3 مليار طن سنوياً، وبفعل 70% من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون التي تنتجها المدن سنوياً. وأصبح الضباب الدخاني سمة مشتركة في العديد من المناظر الطبيعية الحضرية.

من العرض السابق لأبرز مامح التحول الديموغرافي في العالم، فإن أغلب هذه المظاهر يحمل جوانب إيجابية وأخرى سلبية، والعديد من هذه الجوانب يخلق تحديات ممتدة، منها ما هو عابر لحدود الدولة الوطنية ويتطلب تعاوناً دولياً من أجل التمكن من تقليص حدة الجوانب السلبية المصاحبة للتحولات السكانية العالمية.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.