هل هناك عودة إلى ”الفلسفة“؟

د.عبدالله الجسمي

Trending Events - - المحتويات - د.عبدالله الجسمي رئيس قسم الفلسفة بجامعة الكويت

يأخذ الاهتمام بعلم الفلسفة في الوطن العربي سمة المد والجزر، فقد كان الاهتمام به في مراحل تاريخية في أوجه، تبعها مراحل أخرى عانى فيها التجاهل وعدم الاهتمام.

لقد وصل الوضع في بعض الأحيان إلى تبني اتجاهاً حاداً ضد الفلسفة وضد المهتمين بها وصل في أكثر الحالات تطرفاً إلى درجة التكفير.

اأولاً: محطات تاريخية

يشير التاريخ الخاص بالحضارة العربية الإسامية إلى اهتمام بعض الخلفاء بالعلم والفكر والفلسفة وازدراء من آخرين له. وبعد دخول مصر مرحلة التحديث التي قادها محمد علي وظهور حركة الإصاح الديني ورموزها، أحيّت تلك الرموز أمثال رفاعة الطهطاوي وجمال الدين الأفغاني الاهتمام بالفلسفة من جديد. وتجذر الاهتمام بها مع حركة النهضة العربية التي قادتها الرموز التنويرية العربية أمثال شمبلى شميل، وفرح انطون، وطه حسين.

وشهدت الفترة من منتصف القرن التاسع عشر نهوضاً فكرياً امتد حتى بدايات النصف الثاني من القرن العشرين، انعكس إيجاباً على الاهتمام بالفلسفة، وظهر أبرز رموز الفلسفة والتنورين العرب أمثال عثمان أمين وزكي نجيب محمود. ويذكر أن هؤلاء ساهموا بصورة كبيرة في تعميق الاهتمام بالفلسفة، وحاول عدد منهم ربطها وموضوعاتها بواقع الحياة اليومية عبر استخدام أدواتها ومناهجها وحججها الفكرية والمنطقية من أجل رفع المستوى الفكري والثقافي في الوطن العربي.

استمر هذا الزخم الفكري حتى حدوث انتكاسة حادة للفكر والفلسفة في الوطن العربي منذ الستينيات من القرن الماضي، مع سيطرة الحكم العسكري في عدد من الدول وما افضى إليه من تسييس التعليم والثقافة، بالإضافة إلى نمو المد الإسامي السياسي الذي قضى على كثير من القيم والافكار التنويرية والتحديثية التي كان يسعى إليها التنويريون العرب. فقد عملت تلك القوى على محاربة الفكر والفلسفة ورموزه، وتم اغاق عدد من أقسام الفلسفة في بعض الجامعات، وتوقف تدريسها كمادة في المدارس في عدد من الدول.

ثانياً: اإعادة الاهتمام بالفل�سفة

لقد مثلت مرحلة الاسام السياسي قطيعة معرفية وثقافية عن المراحل التي سبقتها، فقد عانت العلوم بشتى أنماطها كالعلوم التجريبية أو الانسانية محاولة أدلجتها بمنظور إسامي. كما عانت الثقافة رفض القيم والافكار المنادية ببناء مجتمعات حمل قيم التعددية والاختاف والتعايش بين مكوناتها. ووصلت هذه المرحلة إلى ذروتها مع انتشار الأعمال الإرهابية التي نعيشها خال العقدين الأخيرين ووصلت ذروتها فيما نراه في العراق وسوريا وليبيا. وعلى الرغم من ذلك، فإن ما نمر به حالياً يمثل نهاية لمرحلة تاريخية، وبداية مرحلة جديدة تمثل إعادة إحياء جديد لاهتمام بالفلسفة نتيجة الدوافع التالية:

1- عمليات المراجعة الكبرى التي تجري حالياً في أنحاء مختلفة من الوطن العربي لأطروحات الإسام السياسي بعدما أثبت فشلها عندما تقلدت الحكم في عدد من الأنظمة العربية. هذا الوضع يدفع إلى البحث عن بدائل فكرية توفرها الفلسفة بمختلف مشاربها. فالبديل الفكري مطلوب للمرحلة القادمة ليكون أساساً تستند إليه القوى الساعية لتحديث المجتمع ورفض الأطروحات الظامية لقوى الإسام السياسي. 2- مثل الحراك الشبابي الذي شهدته السنوات الماضية دافعاً نحو إعادة الاهتمام والتفكير بالعلوم مجدداً ومنها الفلسفة. وهناك عوامل من شأنها دعم هذا التوجه منها: أ- تشكل تيار شبابي ينادي بسيادة قيم التفكير المنطقي وإعادة النظر في الأفكار التي سادت لفترة طويلة ودعت إلى تغييب الفكر النقدي والتفكير العقلي، والتي ساهمت في تشظي المجتمع العربي وظهور الأفكار التقسيمية التي أنتجت الطائفية. وتبلور هذا التيار يعني السير في عملية التحديث الثقافي والفكري، مما يدفع إلى الاهتمام بالفلسفة وعلومها لما تحتويه من مناهج وأدوات تعمل على تطوير العقل والفكر والثقافة في المجتمع. ب- أظهر هذا الحراك هشاشة القوى السياسية التي تبنت الإسام السياسي، وضعف منطلقاتها الفكرية، فقد ظلت على هامش ما جرى ولم تستطع أن تؤثر في الحراك أو تقوده. من جانب آخر اتسم هذا الحراك بأنه لم يأخذ طابعاً أيديولوجياً أو يرفع شعارات ذات طابع عقائدي، لكنه في حاجة إلى الارتكاز على أساس فكري ثابت، لفهم ما يجري في العالم من تغيرات، وهذا يعني الحاجة إلى البحث الفكري والفلسفي الذي يمكن أن يكون خير دليل في هذا التوجه. 3- قامت التكنولوجيا بلعب دور أساسي في التأثير على الواقع العربي، خصوصاً على القيم الثقافية والاجتماعية. فوسائل التواصل الاجتماعي والشبكة العنكبوتية وغيرها من الوسائل التكنولوجية بدأت خلق واقع جديد يختلف عما سبقه، وهو اتجاه آخذ في التجذر وفي إحداث قطيعة ثقافية مع ما سبقه، ولا شك أن التأثيرات التكنولوجية عديدة لكن يمكن الإشارة إلى ثاثة منها: أ- أحدثت هذه الوسائل تغيرات حقيقة في جوانب ثقافية واجتماعية عدة وغيرت سلوكيات كثيرة متعلقة بالثقافات التقليدية، وبذلك فتحت آفاقاً جديدة بحاجة إلى تحليل ونقد للأوجه التقليدية للثقافة السائدة وطرق تفكيرها الغائية وغير الواقعية، وهو مجال خصب يمكن للفلسفة الإسهام فيه بصورة واضحة. ب- أسهمت المادة الفكرية والثقافية التي تنقلها هذه الوسائل في تقليص المسافات بين الشعب العربي وشعوب العالم. ففي السابق كان احتكاك الأفراد بالعوالم الأخرى يتم بصورة فردية، من خال البعثات التعليمية. ومع عودة الكثير منهم أصبحوا رواداً للتنوير. واليوم لم تعد هذه الممارسة فردية، بل إن وسائل الاتصالات وما تنقله من محتويات، سهلت الوصول بالصوت والصورة والفكرة أيضاً لعوالم سبقتنا حضارياً وفكرياً، مما ترك أثراً إيجابياً لدى من يسعون لاستزادة من الفكر ومظاهر الثقافة الرصينة. ج- كسرت وسائل التواصل احتكار الوسائل الإعامية التقليدية التي كانت تهيمن عليها أطراف معينة في المجتمع لبث أفكارها. فقد منحت هذه الوسائل حرية التعبير وكشفت حقائق وزيف ادعاءات الكثيرين، وخلقت واقعاً تعددياً من آراء وأفكار. وقد فتح ذلك المجال للجدال والحوار وتناول الأفكار ومهد الطريق للوصول إلى العديد من الأفكار ومنها الفلسفية وتداولها بين العامة.

ثالثاً: الواقع الحالي للفل�سفة

إن هناك ما يمكن اعتباره عملية تبلور لتيارين أساسيين في المجتمع العربي، التيار الأول يسعى إلى التحديث الثقافي والفكري للمجتمع، والثاني التيار الديني التقليدي المحافظ الذي يسعى إلى بقاء الحال كما هي عليه. والصراع بينهما صراع فكري يستدعي الاعتماد على الفلسفة من قبل نخبة التيار التحديثي لما تتضمنه من أساليب وأدوات وحجج تدحض الكثير من الادعاءات عند أصحاب التيار الديني السياسي.

وقد لوحظ في الآونة الأخيرة وجود أطروحات متطورة فكرياً عند عدد من الكتاب والمفكرين والمثقفين تتجاوز الخطوط التي وضعها التيار الديني ودأب على حصر النقاش بينها، وهذا يدل من دون شك على أن هناك بوادر لتحولات فكرية وثقافية في المجتمع تمهد الطريق لعودة الفلسفة إلى وضعها الطبيعي في مجتمع يعيش أبناؤه في القرن الواحد والعشرين ويسعون لتحديثه. والمطلوب هنا من القائمين على تدريس الفلسفة والمفكرين تعزيز هذه الفرصة وأخذ دور ريادي في إحداث التغيرات الفكرية المطلوبة.

هذا التحوّل يتطلب جهداً حقيقياً من العاملين في مجال تدريس الفلسفة، من أجل ربطها بالواقع وعدم حصرها في أروقه الجامعات أو المؤسسات الأكاديمية، والاسترشاد بما قامت به النخبة التي قادت النهضة العربية سابقاً عندما قدمت العديد من الأفكار الفلسفية بلغة مفهومة للقارئ العادي.

ختاماً، يبدو الأمر ممكناً، وتبدو الفلسفة مهمة من جديد، ومن السهل أن تعود إلى مكانتها. ومن ماحظة لمعارض الكتاب التي أقيمت في الكويت مؤخراً، يمكن مشاهدة إقبال مميز من الشباب على الكتب الفلسفية، ولربما يعطي هذا مؤشراً، ليس في الكويت فقط، على فترة مقبلة تزدهر فيها الفلسفة والتفكير الفلسفي في الوطن العربي.

إن هناك ما يمكن اعتباره عملية تبلور لتيارين أساسيين في المجتمع العربي، التيار الأول يسعى إلى التحديث الثقافي والفكري للمجتمع، والثاني التيار الديني التقليدي المحافظ الذي يسعى إلى بقاء الحال كما هي عليه.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.