‪Western Malaise‬

أزمات الغرب بين الانقسامات الداخلية وتصدع الحواجز الخارجية كارن أبو الخير

Trending Events - - المحتويات - كارن أبو الخير مستشارة تحرير مجلة السياسة الدولية، مؤسسة الأهرام - القاهرة

على الرغم من فوز إيمانويل ماكرون بالانتخابات الرئاسية الفرنسية، فإنه سيواجه تحديات كبيرة، حيث كشفت الانتخابات عن انقسامات عميقة، وشعور عام في المجتمع الفرنسي بالتشاؤم، وهيمنة الحنين إلى الماضي على التيارات السياسية الرئيسية.

بينما يدفع البعض بأن التشاؤم يقتصر على فرنسا، فيما أطلق عليه “المرض الفرنسي”، فإن الواقع يشير إلى أنها تتكرر في عدة مجتمعات أوروبية، بل وفي الولايات المتحدة أيضاً. كما تتزامن مع تنافس النخب، وتغير الخريطة الجيوسياسة في أوروبا على وجه التحديد، بالإضافة إلى ما يراه البعض تراجعاً في التمسك بقيم الحضارة الغربية نفسها.

اأولاً: تراجع النخب ال�سيا�سية

كشفت الانتخابات الفرنسية تغيرات مهمة على مستوى النخب السياسية والتنافس الحاد على قمة النظام السياسي، حيث انقسمت الأصوات في الجولة الأولى بين أربعة مرشحين، جاء ثاثة منهم من خارج النخبة السياسية التقليدية، وهم مارين لوبان من أقصى اليمين، وإيمانويل ماكرون عن اتجاه الوسط الذي أسس حركة سياسية جديدة بما لا يزيد على عام قبل الانتخابات الرئاسية، وجان لوك ميلينشون، من أقصى اليسار، والذي شهد صعوداً مفاجئاً في الأشهر القليلة التي سبقت الانتخابات. وكان من الافت أن كا المرشحين اللذين صعدا إلى الجولة الثانية، ماكرون ولوبان، وكانا من خارج الأحزاب التقليدية، ما أكد الانهيار الكامل للمنظومة الحزبية التقليدية التي هيمنت على الحياة السياسية الفرنسية خال العقود السابقة.

ويعد ذلك استمراراً لما تشهده دول أوروبية أخرى من تراجع أو انهيار الأحزاب التقليدية، كما أن له أصداء على الجانب الأمريكي رصدها الباحث الأمريكي بيتر توركين، حيث أرجعها إلى ظاهرة زيادة "إنتاج النخب" التي تتصل بتغيرات هيكلية عميقة تتكرر في الدول الغربية، لكنه ركز في تحليله على الولايات المتحدة)1.)

وبلغ عدد المؤشرات التي درسها توركين حوالي 40 مؤشراً، تدور حول تغيرات مجتمعية واقتصادية، تتلخص مامحها الأساسية في تصاعد معدلات عدم المساواة في الدخل والثروة، والركود والتدهور في المستوى المعيشي لمعظم الأمريكيين، وتدهور الأداء الحكومي مع التفتت السياسي. وتنبأ الباحث بأن الولايات المتحدة سوف تشهد مرحلة ممتدة من عدم الاستقرار السياسي، تبلغ ذروتها في عام 2020. ومع أهمية المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية، يلفت توركين الأنظار إلى التغيرات المتعلقة بالنخبة، أو ما يسميه "الإنتاج المفرط للنخب" ‪.)Elite Over Production(‬

ويدفع توركين بأن الزيادة في "إنتاج النخب" تؤدي - بحسب الدراسات التاريخية - دوراً محورياً كأحد أهم دوافع عدم الاستقرار الاجتماعي وموجات العنف السياسي، حيث أدت هذه التغيرات في الولايات المتحدة إلى تصاعد عدم المساواة، وزيادة عدد من يتمتعون بالثراء، حيث ارتفع عدد الأسر التي تمتلك ثروة لا تقل عن عشرة مايين من الدولارات من 66 ألفاً في عام 1983، إلى 350 ألفاً في عام 2010.

ولأن الأغنياء هم أكثر اهتماماً بالانخراط في العمل السياسي، فإن هذا يؤدي إلى تصاعد التنافس داخل النخبة،

مما يؤدي إلى تقويض مناخ التعاون بين أعضائها، والذي يعقبه الاستقطاب السياسي، وهي الظاهرة الملموسة بشدة في الولايات المتحدة، خاصة في أداء الكونجرس، حيث هناك غياب شبه تام للتواصل بين الجمهوريين والديمقراطيين.

وتتفتت الطبقة السياسية نتيجة لاستقطاب وتصاعد المنافسة، ذلك لأنه كلما زاد عدد المتنافسين على المناصب بين النخبة، كلما زاد عدد الخاسرين الذين لم يحصلوا على مناصب، وتتكون نتيجة لذلك طبقة كبيرة من الطامحين، الذين يتمتعون في الغالب بمستويات عالية من التعليم ودرجات عالية من الكفاءة، والذين تم استبعادهم من الأدوار القيادية، وبالتالي يعمدون إلى مختلف الوسائل لإزاحة النخب المهيمنة والإحال محلها.

ولا يقتصر السبب وراء الزيادة الكبيرة في أعداد الطامحين لتولي مناصب سياسية فقط إلى زيادة عدد الأثرياء، وإنما أيضاً لزيادة أعداد الخريجين من الجامعات، خاصة كليات "النخبة"، مثل خريجي كليات القانون في الجامعات الأمريكية، والتي تخرج كل عام ضعف عدد الوظائف المتاحة في هذا المجال. ولذلك ليس من قبيل المصادفة، بحسب الباحث، أن الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 2016 كانت سباقاً بين رجل أعمال ثري ومحامية.

على الرغم من أن التحليل ينصب على الولايات المتحدة، فإنه يفسر صعود القيادات الجديدة من خارج الأحزاب السياسية التقليدية في عدة دول أوروبية، ومنها فرنسا. أما في الولايات المتحدة، حيث يترسخ نظام الحزبين الكبيرين، وليس هناك مساحة لظهور أحزاب جديدة، فقد أدى تزايد التنافس بين النخب الأمريكية إلى حدوث انشقاقات داخل كل من الحزب الجمهوري والديمقراطي. يرصد الباحث تشقق الحزب الجمهوري إلى ثاث جبهات داخلية هي الجمهوريون التقليديون، و"حزب الشاي"، والجمهوريون المؤيدون لترامب، وهذه الانقسامات عميقة للدرجة التي رفض فيها بعض أعضاء الحزب إعان مساندتهم لترامب، كما حدث انقسام مشابه في الحزب الديمقراطي، بين أنصار هياري كلينتون وأنصار بيرني ساندرز.

ثانياً: �سعود الت�ساوؤم المجتمعي

اجتهد المحللون في تحديد العوامل التي تؤدي بالشعوب لمساندة النُخب الجديدة. وبينما تعددت التفسيرات، فقد اتجه الاهتمام لظاهرة شيوع التشاؤم تجاه المستقبل في المجتمعات الغربية، وما يترتب عليها من "حنين" إلى ماضٍ أكثر ازدهاراً، وما لذلك من تداعيات سياسية.

وتتضح هذه الظاهرة في فرنسا بشكل خاص، حيث ترصد استطاعات الرأي منذ سنوات أن فرنسا من أكثر الدول تشاؤماً في أوروبا، بل وتصدرت القائمة عدة مرات. وبحسب أحدث الاستطاعات التي أجريت في مارس 2017، بلغت نسبة الفرنسيين الذين يرون أن بادهم في طريقها إلى التدهور 53% ممن شملهم الاستطاع، كما عبر70% من الفرنسيين المستطلعة آراؤهم عن قناعتهم بأن العالم سوف يتعرض لأزمة مالية جديدة، ووصلت نسبة الذين عبروا عن ثقة متدنية في مؤسسات الحكم في فرنسا إلى 2(% 71.)

وتظهر الدراسات واستطاعات الرأي أن هذه ظاهرة أوروبية عامة منذ عام 2008، ما دفع إحدى الدراسات لتوصيف "التشاؤم المجتمعي"، على أنه "الواقع الاجتماعي الجديد" في أوروبا)3(. وترصد هذه الدراسة تحولاً لافتاً في رؤى المجتمعات الأوروبية، حيث إنه، ولأول مرة منذ اندلاع الثورة الصناعية، والتي وضعت الدول الغربية على طريق التقدم المادي والاقتصادي، يرى الأوروبيون أن مستقبل أبنائهم وأحفادهم لن يشهد تقدماً مماثاً، بل إن الأجيال القادمة سوف تكون أسوأ حالاً منهم. وهي أول مرة في التاريخ المعاصر ترصد الدراسات شيوع التشاؤم بشأن المستقبل في الغرب.

وقد رصد استطاع رأي لمركز بيو للأبحاث، تم إجراؤه في ديسمبر20164((، معدلات عالية من التشاؤم تجاه الوضع الاقتصادي لجيل الأبناء في أوروبا والولايات المتحدة أيضاً، فبحسب الاستطاع، يرى 64% من الأوروبيين أن الأوضاع الاقتصادية للأبناء ستكون أسوأ من آبائهم، بينما كانت نسبة من يرون أنها ستكون أفضل لا تتعدى 26%. وفي الولايات المتحدة، بلغت نسبة المتشائمين بشأن المستقبل 60،% والمتفائلين 32.%

والافت أن انتخاب ترامب لم يقلل في المجمل من إحساس الأمريكيين بالقلق، حيث رصد مؤشر القلق الذي تصدره الجمعية النفسية الأمريكية ارتفاعاً غير مسبوق لنسبة القلق بين الأمريكيين في يناير 2017، حيث سجل ثلثا المستطلعة آراؤهم شعوراً بالقلق، بينما كانت النسبة 52% في أغسطس 2016، أي قبل انتخاب ترامب.

والجدير بالذكر أن منطقة الشرق الأوسط جاءت في المركز التالي مباشرة من حيث نسبة التشاؤم، حيث عبر 44% من المستطلعة آراؤهم أن مستقبل الأبناء سوف يكون أسوأ، بينما لم تتجاوز نسبة المتفائلين 32%. وفي المقابل، يسود التفاؤل مجتمعات الاقتصادات الصاعدة، حيث رصد استطاع أجرته مؤسسة ديلويت بين جيل الشباب في 30 دولة، أن 71% من الشباب في هذه الدول الصاعدة يتوقعون أن يكونوا أفضل حالاً على المستوى الاقتصادي من آبائهم)5.)

وفي السياق ذاته، تظهر استطاعات الرأي ميل "المتشائمين" للتصويت لمرشحين من خارج النخب السياسية التقليدية، فقد عبر 81% من الموالين لترامب عن قناعتهم بأن الحياة أصبحت أسوأ بالنسبة لهم، بينما عبر الثلثان عن توقعهم بأن الأوضاع في الولايات المتحدة بشكل عام سوف تسير إلى الأسوأ)6(. وتكررت هذه الظاهرة في فرنسا، حيث أظهرت دراسات حديثة أن المتشائمين بشأن المستقبل اتجهوا بشكل واضح للتصويت للمرشحين الأكثر تطرفاً في الجولة الأولى لانتخابات الرئاسية، مارين لوبان وجان لوك ميلينشون. كما أشارت إلى أن الشعور بالتشاؤم تعدى الانقسامات التقليدية للسن والتعليم والمستوى الاقتصادي ليمثل الدافع الأول لصعود حزب الجبهة الوطنية بزعامة مارين لوبان)7.)

ويرى دييجو روبيو، الباحث بجامعة هارفارد، أن سيادة الشعور بالتشاؤم نحو المستقبل هو الخطر الجديد الذي يهدد الديمقراطيات الغربية 8)(. فهذا الإحساس بالانحدار أو التدهور لا يؤثر فقط على السلوك الاقتصادي والشخصي، بزيادة الشعور بالتوتر وتراجع الدافع لاستثمار، لكن له تداعيات سياسية غير مسبوقة. فتقليدياً، كان مثل هذا الشعور يؤدي إلى العزوف عن الاهتمام بالسياسة والمشاركة في الانتخابات، لكن منذ الأزمة المالية عام 2008، ولجوء العديد من الدول الأوروبية إلى تطبيق الإجراءات التقشفية، انقلب الوضع، واندفع المتشائمون لتكوين حركات وأحزاب سياسية جديدة، غيرت من شكل الخريطة السياسية في سعيها لتغيير الوضع القائم عبر تبنيها لفكرة "الحنين إلى الماضي".

ويرصد روبيو هذه الظاهرة في عدة دول، كان أولها المملكة المتحدة، حيث تمكن الداعمون لفكرة الانفصال عن الاتحاد الأوروبي من تحويل الاستفتاء على الانفصال إلى استطاع للرأي حول ما إذا كانت الباد أفضل حالاً مما كانت عليه وقت الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي منذ أربعين عاماً. وبالتالي، فالذين رأوا الماضي أفضل، صوتوا لانفصال، بغض النظر عن العواقب المستقبلية وحتى المصالح المباشرة. وحدث شيء مشابه في الولايات المتحدة، حيث صوت المتشائمون لترامب. وفي فرنسا وألمانيا، يدفع قادة الحركات والأحزاب اليمينية المتطرفة بأنهم يقدمون سبياً "سحريا" لمسانديهم بالعودة إلى ماضٍ أكثر ازهاراً.

ووفقاً لروبيو، ينبع إحساس البشر بأن الماضي كان أفضل من أنهم لا يكونون تصورهم عن الماضي في العادة من خال بحث دقيق في الأحداث التاريخية، لكن عن طريق المفارقة مع الحاضر، فإذا كان الحاضر تكتنفه الصعوبات وعدم اليقين، فإن الماضي كان بالضرورة أفضل وأكثر استقراراً.

ومن جانب آخر، فإن الأشخاص في العادة يتذكرون الماضي بصورة "وردية"، وبشكل أكثر إيجابية مما كان عليه فعاً، ولذلك يتجهون لمحاولة إعادة التجارب الإيجابية الماضية نفسها. لذلك فالحنين إلى الماضي ليس الأساس الصحيح لاتخاذ القرارات الصائبة، ويتم استغاله من قبل قادة سياسيين لحشد الدعم العاطفي وليس العقاني، لسياسات من المفترض أنها ستعيد إنتاج ماضٍ ذهبي، لم يكن في الواقع موجوداً بهذه الصورة.

وبالإضافة إلى أنه يمثل قاعدة غير سليمة لاتخاذ القرارات السياسية، فإن الحنين إلى الماضي يعزز الانقسامات الداخلية، وقد تجسد ذلك فيما واكب الانتخابات الرئاسية الفرنسية من إعادة إحياء الخاف حول تاريخ فرنسا الاستعماري وحرب تحرير الجزائر التي قسمت فرنسا وكادت تؤدي إلى حرب أهلية لولا قرار الرئيس الفرنسي شارل ديجول بالانسحاب)9.) حيث يشكل المستعمرون الفرنسيون الذين اضطروا إلى مغادرة الجزائر النواة الصلبة التي يستند إليها حزب الجبهة الوطنية بقيادة مارين لوبان، التي دافعت أثناء حملتها عن تاريخ فرنسا الاستعماري التي تراه جديراً بالفخر، بينما هاجمه ماكرون ووصف الممارسات الفرنسية في الجزائر بأنها جرائم ضد الإنسانية.

ويدور الخاف في جوهره حول رؤيتين مختلفتين للإرث التاريخي للأمة والدولة الفرنسية، رؤية تستند إلى مبادئ الثورة الفرنسية، خاصة فيما يتعلق بالمساواة، والتي تتناقض مع ممارسات الحكم الاستعماري، ويتبناها ماكرون، ورؤية تكونت عبر 130 عاماً من الحكم الاستعماري، وتستند إلى هوية "امبراطورية"، تم فيها دمج مبادئ الوطنية والعلمانية مع أبعاد عنصرية تتعلق بتفوق الفرنسيين على الشعوب المستعمرة تتبناها لوبان.

ولهذا الخاف تداعيات مباشرة على الحاضر والمستقبل، خاصة فيما يتعلق بوضع الأقليات المهاجرة، والتي يعود أصول أعداد كبيرة منها إلى شمال أفريقيا. حيث يرتبط الماضي المجيد الذي تنادي لوبان بإعادته بإحياء الهوية الإمبريالية، وبالتالي إقصاء المهاجرين ومن يختلفون عن الفرنسيين "الأصليين" في الدين أو الثقافة أو العرق من "الجمهورية الفرنسية".

وفي المقابل، يستند ماكرون إلى الإرث الثوري، ومبدأ المساواة، الذي يحتم توسيع نطاق الهوية الفرنسية ليتسع للأقليات المختلفة. هذا الخاف يتكرر بأشكال متعددة في مختلف المجتمعات الأوروبية، وفي الولايات المتحدة، حيث يتبنى القادة والحركات السياسية التي تنادي بالعودة إلى ماضي "أكثر ازدهاراً" موقفاً مناقضاً لسياسة التعددية الثقافية التي تبنتها المجتمعات الغربية في السنوات الأخيرة، كطريقة لاستيعاب الأقليات الدينية والعرقية والثقافية.

ثالثاً: تحولات الخريطة الجيو�سيا�سية

يقود الحديث عن التاريخ والواقع الديموغرافي في أوروبا بشكل منطقي إلى الحديث عن الجغرافيا السياسية، حيث يرصد الباحث المتخصص في الجغرافيا السياسية روبرت كابان تغييراً في الخريطة الجيوسياسية لأوروبا والمناطق المحيطة بها، وتداعي الحواجز التي كانت تفصل أوروبا أثناء الحرب الباردة وفي الفترة التي تلت نهايتها، عن شمال أفريقيا والمشرق والامتداد الأوراسي إلى الشرق)10.)

ويتحدث كابلن عن العودة لخرائط العصور القديمة والوسيطة، حين كانت خريطة أوروبا تشمل حوض البحر المتوسط بأكمله، حينما كان الرومان على سبيل المثال ينعتونه "بحرنا"، وكانت منطقة شمال أفريقيا تقع في إطار حدود أوروبا، وذلك حتى الفتح العربي لهذه الباد.

ويدفع كابان بأن الوقت الحالي يشهد إعادة توحيد مشابهة لهذا الوضع التاريخي في حوض البحر المتوسط من خال جحافل المهاجرين المتجهين شمالاً إلى أوروبا. فقد انهارت الدول السلطوية، في ليبيا والعراق وسوريا، التي كانت

إن "الخطر الأكر الذي يهدد أمن وبقاء الغرب الديمقراطي، ودوره القيادي على الساحة الدولية لا يأتي من الخارج، بل من داخله".

"تحتجز" مواطنيها في الداخل، وتمنعهم من التدفق إلى أوروبا، والتي كانت مدعومة من الاتحاد السوفييتي خال الحرب الباردة.

كما يرصد كابلن صورة انهيار الحواجز إلى الشرق من أوروبا أيضا، حيث أصبح السؤال المطروح أوروبيا هو: من أين تبدأ حدود المنطقة التي كانت تسمى "الشرق الأدنى"؟ فهو يبدأ اليوم بحسب كابان، داخل أوروبا، في دول البلقان، حيث يتراجع تأثير ونفوذ الاتحاد الأوروبي، وتزيد درجة عدم الاستقرار السياسي، وترتفع مستويات الفساد.

وقد أصبحت لتداعي الحدود الخارجية لأوروبا انعكاسات على زيادة وجود ونفوذ كيانات كانت تاريخياً إمبراطوريات لها امتدادات فيما يمكن أن يسمى "الشرق داخل أوروبا"، مثل روسيا وتركيا. يتضح ذلك بشكل خاص في دولة أوروبية مثل بلغاريا، التي لا تزال عضواً في الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، لكن روسيا وتركيا تتنافسان بقوة على تدعيم نفوذهما ووجودهما في هذا البلد.

وفيما يتعلق بالسياسة الخارجية الروسية، يتعامل بوتين مع منطقتي الشرق الأوسط ووسط وشرق أوروبا بوصفهما امتداداً واحداً، تحتل فيه أوكرانيا وسوريا درجة الأهمية نفسها بالنسبة لأمن روسيا القومي، مما يدفعه لتحدي أوروبا وخلق منطقة ممتدة من النفوذ الروسي داخلها.

وينعكس ذلك أيضاً في تغير السياسة الخارجية التركية، وتحولها عن السعي لأن تكون دولة أوروبية بمنطق الاتحاد الأوروبي، إلى العودة لسياسة خارجية تستند إلى جذورها الامبراطورية العثمانية، والتي امتدت لمنطقة البلقان في شرق أوروبا.

وفي إطار "عودة عالم ماركو بولو"، يرجح كابان تراجع تأثير أوروبا كوحدة جيوسياسية محددة، في مقابل تصاعد تداخلها مع مناطق الجوار. ولا ينعكس ذلك فقط في أزمة المهاجرين، أو قضايا إدماج الجاليات المهاجرة، وإنما أيضاً امتداد تأثير الاستقطاب السياسي في تركيا مثاً إلى الداخل الألماني أو الهولندي، وتصاعد المخاوف من تأثير روسيا على نتائج الانتخابات في عدة دول غربية من خال الدعم المادي أو التدخل الإلكتروني.

رابعاً: اأزمة الغرب الح�سارية

تتجه أعداد متزايدة من المحللين لربط هذه المؤشرات، وغيرها، للدفع بأن الغرب على المستوى الحضاري والجيوسياسي يواجه أزمة غير مسبوقة في تاريخه الحديث، وأن نجاح ماكرون في وقف المد الشعبوي، وحتى النجاح المتوقع لأنجيا ميركل في الانتخابات الألمانية المقبلة، لن يمثا تحولاً جذرياً في مسيرة الغرب نحو الأفول.

ويذهب المحلل الأمريكي ديفيد بروكس إلى أن جوهر الأزمة يتمثل في انهيار الإيمان بمبادئ الحضارة الغربية داخل الغرب نفسه، وذلك نتيجة لعقود تعرضت فيها هذه الحضارة للنقد والمراجعة داخل الجامعات الغربية على وجه التحديد)11.)

ولا تقدم هذه الجامعات في مناهجها حالياً دروساً عن الحضارة الغربية إلا فيما ندر، حيث لا يدرسها الطاب في معظم الأحيان إلا بوصفها تاريخاً من القمع لأمم وحضارات أخرى، ونتج عن ذلك غياب الإيمان بقيم الحضارة الغربية، مما انعكس في انهيار الوسط السياسي في مختلف المجتمعات الغربية، وتراجع الإيمان بالقيم الليبرالية والديمقراطية، حتى داخل الولايات المتحدة.

وختاماً، كان لانهيار الإيمان بالقيم الغربية تداعيات على تماسك الغرب وفاعليته على الساحة العالمية، وبحسب آندرو ميختا، فإن "المشكلة التي تواجه الغرب اليوم لا تنبع من ضعف في القوة، لكن من غياب القدرة على بناء توافق حول الأهداف والمصالح المشتركة التي باسمها يتم استخدام هذه القوة". لقد حقق الغرب الهيمنة في الماضي بسبب قناعته بأن القيم التي تجسدها حضارته تستحق الدفاع عنها أمام مخاطر الفاشية والشيوعية، ولكن اليوم فإن "الخطر الأكبر الذي يهدد أمن وبقاء الغرب الديمقراطي، ودوره القيادي على الساحة الدولية لا يأتي من الخارج، بل من داخله")12.)

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.