الاعتماد المتبادل:

المحددات الاقتصادية لسياسة روسيا الشرق أوسطية يوري بارمان

Trending Events - - المحتويات - يوري بارمان خبير بمعهد الشؤون الدولية الروسي، موسكو

تسعى السياسة الروسية الجديدة إلى خلق نوع من الاعتماد المتبادل، سياسياً أو اقتصادياً، بالإضافة إلى توظيف تنامي نفوذها الاقتصادي في الشرق الأوسط سياسياً، حتى ترفع تكلفة قطع العلاقات السياسية معها، وذلك نظراً لإدراك موسكو جيداً أن فرص إقامة تحالف قوي مع نظرائها في الشرق الأوسط هو أمر مستبعد مرحلياً.

اأولاً: ا�ستعادة النفوذ ال�سيا�سي لتوظيفه اقت�سادياً

لم يكن التورط الروسي في الأزمة السورية سعياً وراء تحجيم النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط، أو دعماً منها لنظام بشار الأسد في دمشق فحسب، بل لتسليط الضوء على دور موسكو كفاعل رئيسي في سوق الدفاع، بالإضافة إلى تأمين الداخل الروسي من مخاطر عودة المقاتلين الروس من سوريا، وبالمثل، فإن دعم الكرملين لخليفة حفتر لم يكن نابعاً من الرغبة في استعادة حليف سابق وحسب، ولكن لامتاك قدر من النفوذ يضمن لها حماية مصالحها الاقتصادية مستقباً، وهو ما يمكن تفصيله على النحو التالي: 1- الأزمة السورية: إن نجاح الحملة العسكرية الروسية في سوريا، على الرغم من كل الظروف المعاكسة، أعاد الجدل حول محددات سياسة فاديمير بوتين الشرق أوسطية. وفي حين أن تلك السياسة، في جانب منها، تعكس صراعاً على القوة والنفوذ بينها وبين الولايات المتحدة، فإن أهداف الكرملين تتجاوز ذلك.

فقد مثّلت أحد المحفزات الأساسية للعودة الروسية إلى المنطقة هو الربيع العربي، الذي هدد بإسقاط حليفها الإقليمي الوحيد، خاصة أن موسكو نظرت إلى ذلك الربيع باعتباره امتداداً للثورات الملونة، التي قامت الدول الغربية بدعمها في الدول السابقة في الاتحاد السوفييتي كوسيلة لإسقاط النظم الموالية للكرملين. ومن جهة ثانية، فإن عودة روسيا كانت ضرورية للقضاء على المتطرفين الروس، الذين ذهبوا للقتال إلى جانب الجماعات الإرهابية في سوريا، إذ إنها شعرت بالتهديد من إمكانية عودتهم مرة أخرى إلى روسيا لتنفيذ عمليات إرهابية.

وقد اتضح ذلك عندما قرر فاديمير بوتين إرسال قوات عسكرية إلى روسيا، إذ انصب التركيز على الأبعاد الأمنية للأزمة وحدها، وسرى تقدير أن القضاء على الإرهابيين في روسيا سوف يستغرق حوالي ثاثة أشهر) وهو ما ثبت عدم صحته، وهو ما يرجع إلى غياب التخطيط طويل الأمد للأزمة السورية، وعدم فهم تعقيدات الوضع الميداني. فبعد مضي حوالي 18 شهراً على التدخل الروسي، فإن الحكومة السورية لاتزال تحارب المعارضة المسلحة، كما أن تنظيم "داعش" لم يتم القضاء عليه.

ولذلك فإن محاولات استشراف السياسة الروسية طويلة الأمد حيال الأزمة السورية لن تكون ذات جدوى، نظراً لأن تلك السياسة ظرفية، فهي بمنزلة رد فعل للتطورات الميدانية، وأفعال القوى المناوئة والمؤيدة للأسد، وهو ما لا يوفر

الفرصة للكرملين لتطوير استراتيجية واضحة المعالم لمستقبل سوريا. ولذلك ياحظ أنه في البداية كانت موسكو تراهن على الحل العسكري وترفض التسوية السياسية، غير أنه مع مرور الوقت، بدأت موسكو القبول بها، وأصبحت أكثر مرونة في المفاوضات، كما يتضح في إشراكها جماعات مثل "أحرار الشام" و"جيش الإسام" في المحادثات السياسية.

وفي ضوء ما سبق، أصبحت روسيا تتبنى عدة مبادئ أساسية لتسوية الصراع السوري، أولها: حاجة موسكو إلى حكومة حليفة وموالية للمصالح الروسية في المنطقة. وثانيها: تدويل مسؤولية تسوية الصراع السوري وجهود إعادة الإعمار، أي أنه يجب أن تتم التسوية بموافقة الأمم المتحدة، ولذلك تسعى روسيا إلى التواصل مع الفاعلين المؤثرين في الصراع، لاسيما الولايات المتحدة وتركيا وإيران. أما ثالث هذه المبادئ، فيرتبط بالحفاظ على وحدة الأراضي السورية، حتى لا تترتب على ذلك زعزعة الاستقرار في منطقة المشرق العربي.

2- الأزمة الليبية: مع انتهاء دور حاملة الطائرات الروسية الأميرال كوزنيتسوف في الصراع السوري، ومرورها بالسواحل الليبية، وزيارة المشير خليفة حفتر المفاجئة لها، سارع المحللين إلى توقع التدخل العسكري الروسي في الأزمة الليبية، غير أنه على الرغم من الرغبة الروسية في أن تكون الطرف الرئيسي المؤثر على التوازنات في هذا البلد، فإنها غير مستعدة لحسم الصراع هناك عسكرياً.

ولقد أدركت روسيا أنها خسرت مليارات الدولارات من سقوط نظام القذافي، وترغب الآن في تحقيق مكاسب سياسية واقتصادية، في ليبيا من خال الفوز بصفقات مربحة هناك، وهو ما لن يتأتى إلا من خال امتاك النفوذ على أي حكومة مستقبلية، وتعتقد موسكو أن الرجل الذي سوف يساعد على تحقيق ذلك هو المشير خليفة حفتر، والذي يقود "الجيش الوطني الليبي"، وقد رفعت أسهمه لدى القيادة الروسية أنه من الضباط الليبيين الذين تلقوا تدريبهم العسكري في الاتحاد السوفييتي في فترة الحرب الباردة، فضاً عن كونه طرفاً أساسياً في أي تسوية سياسية، بالإضافة إلى امتاكه القوة العسكرية الازمة لفرض التسوية في حالة فشل المسار السياسي.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن روسيا سعت كذلك إلى تكثيف جهودها لبناء روابط قوية مع حكومة طرابلس، وغيرها من الفاعلين المؤثرين، مثل كتائب مصراتة، ولكنها لاتزال تفضل أن يضطلع حفتر بلعب دور رئيسي في أي حكومة مستقبلية، غير أن التوصل لتسوية سياسية مقبولة من كل الأطراف، على المدى القريب يبدو أمراً عسيراً في ضوء فشل الجهود الغربية السابقة في هذا الصدد.

ثانياً: التوظيف ال�سيا�سي للعلاقات الاقت�سادية

تلقّى الاقتصاد الروسي ضربةً قاصمةً، نتيجة للتحولات التي شهدتها أسواق الطاقة مع تراجع أسعار النفط في عام 2015، بالإضافة إلى العقوبات الاقتصادية الغربية ضد موسكو على خلفية الأزمة الأوكرانية. ونتيجة لذلك، سعت الحكومة الروسية للبحث عن شركاء جدد في آسيا والشرق الأوسط. وقد كان لهذه الاستراتيجية هدفان رئيسيان: أولاً، احتكار تصدير الغاز الطبيعي إلى الاتحاد الأوروبي وثانياً، التوسع في أسواق جديدة في منطقة الشرق الأوسط. 1- العلاقات مع تركيا: ركزت موسكو على إقامة عاقة بنّاءة مع تركيا، وتم الاتفاق على إنشاء مشروع "السيل التركي" في ديسمبر 2014. وسينقل هذا المشروع ما يصل الى 63 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي الروسي إلى تركيا سنوياً، ومن المتوقع أن يمتد المشروع في وقت لاحق إلى اليونان. وجاء هذا المشروع ليحل محل خط أنابيب مشروع "السيل الجنوبي"، والذي كان من المزمع إقامته بالتعاون مع بلغاريا، غير أن الاتحاد الأوروبي ضغط على الأخيرة لعدم إقامته وذلك كجزء من العقوبات الغربية ضد روسيا)2.) وتعتبر إيران – وهي ثاني أكبر مصدر للغاز – أن تركيا مركزاً محتماً لنقل الغاز إلى أوروبا، وهو ما قد يضع موسكو وطهران أمام بعضهما البعض في المنافسة على سوق الاتحاد الأوروبي.

ويهدف الكرملين من "السيل التركي" إلى خفض كميات الغاز المصدرة إلى أوروبا من خال أوكرانيا، والاعتماد على خط "السيل التركي"، وهي الخطوة التي لا يرحب بها الاتحاد الأوروبي، ومن جهة ثانية، تسعى موسكو من مسارعتها في تنفيذ المشروع إلى تقويض فرص إقامة مشروعات بديلة لنقل الغاز الطبيعي إلى أوروبا عبر تركيا، مثل خط نابوكو وخط أنابيب قطر – تركيا، وبالتالي حرمان الاتحاد الأوروبي من أي محاولة لكسر الاعتماد على الغاز الروسي. 2- العلاقات مع الشرق الأوسط: تسعى موسكو لتعزيز التعاون في مجال الطاقة مع دول الشرق الأوسط، غير أن السياسة الروسية في هذا الصدد تختلف عن تلك التي تبناها الاتحاد السوفييتي، حينما كان يساعد حلفاءه الإقليميين على تطوير صناعاتهم الاستخراجية، ليس بغرض الربح، ولكن لشراء ولائهم. وفي هذا الإطار نفذ الاتحاد السوفييتي 350 مشروعاً للطاقة في مصر والعراق والجزائر وسوريا وليبيا واليمن)3(، وساهم في تمويل أغلبها، ونقل تكنولوجيا الاستكشاف والاستخراج إلى تلك الدول. أما اليوم، فقد تحولّت أولويات الطاقة الروسية إلى دول الخليج العربية

أدركت روسيا أنها خسرت مليارات الدولارات من سقوط نظام القذافي، وترغب الآن في تحقيق مكاسب سياسية واقتصادية، في ليبيا من خلال الفوز بصفقات مربحة هناك، وهو ما لن يتأتى إلا من خلال امتلاك النفوذ على أي حكومة مستقبلية، وتعتقد موسكو أن الرجل الذي سوف يساعد على تحقيق ذلك هو المشير خليفة حفر، والذي يقود "الجيش الوطني الليبي"

سعياً وراء إبرام صفقات جديدة.

وعلى الرغم من الصراع الدائر بين روسيا وكل من المملكة العربية السعودية وقطر من أجل زعامة سوق الطاقة، فإن الكرملين سعى لإقامة مشروعات طاقة مشتركة معهما. وليس الدافع وراء هذه الاستراتيجية هو الربح فحسب، بل تساعد تلك الاستراتيجية أيضاً على تحقيق الاعتماد المتبادل لمنع أي منافسة تضر بمصالح الطرفين. وعلى مدى السنوات الخمس الماضية، كانت الحكومة الروسية تسعى لتأمين استثمارات خليجية في قطاع النفط والغاز الروسي، ليس بدافع الاستغناء عن الاستثمارات الغربية فحسب، ولكن رغبةً منها في دمج صناعة الطاقة الروسية في السوق الدولية كذلك.

وفي ديسمبر 2016، نجحت شركة النفط الروسية العماقة "روس نفت" في اجتذاب استثمارات قطرية بقيمة 5 مليارات دولار)4(. وأوشكت شركتا مبادلة للبترول الإماراتية و"روس نفت" الروسية على إبرام صفقة مشتركة لاستكشاف حقليّ نفط في شرق سيبيريا)5(. وفي الوقت ذاته، أبرم "صندوق الاستثمار الروسي المباشر" عدداً من اتفاقيات الشراكة مع صناديق الثروة السيادية لدول مجلس التعاون الخليجي، حيث وقّعت اتفاقيات استثمارية بقيمة مليارات الدولارات، في قطاعات متعددة، ومنها قطاع الطاقة. وتشمل تلك الصفقات شركة مبادلة، وهيئة الاستثمار الكويتية، وصندوق الاستثمارات العامة السعودي، وقطر القابضة وغيرها.

وعلى الجانب الآخر، توسعت شركات الطاقة الروسية في الاستثمار في مناطق أخرى من المنطقة. ولقد زادت حصص شركات الطاقة الثاث الرائدة )روس نفت وغازبروم ولوك أويل( بصورة كبيرة في مشروعات واعدة للنفط والغاز في مصر والعراق )بما فيها كردستان العراق( وليبيا وإيران قبل تراجع أسعار النفط.

واشترت شركة "روس نفت" الروسية في ديسمبر 2016 حصة تبلغ 35% في أكبر مشروع للغاز الطبيعي في البحر المتوسط قبالة السواحل المصرية مقابل 1.13 مليار دولار)6.) وتعتزم الشركة زيادة استثماراتها في المشروع لتصل إلى 4 مليارات دولار. وترجع أسباب تركيزها على مصر إلى أهمية البحر المتوسط كطريق رئيسي لنقل الطاقة إلى أوروبا.

وتحتل الطاقة النووية مكانة بارزة في استراتيجية الطاقة الروسية. وتتركز تلك الصناعة في يد شركة واحدة تابعة للدولة، وهي "روس أتوم". وتسعى موسكو لتوظيف صناعتها النووية لاجتذاب شركاء من جميع أنحاء العالم، خاصة أن "روس أتوم" هي واحدة من الشركات العالمية القليلة القادرة على التعامل مع الدورة الكاملة لإنشاء محطات الطاقة النووية وخدماتها. ولقد كان اهتمام الشرق الأوسط بالصناعة النووية الروسية كبيراً، حيث سعت جميع القوى الإقليمية تقريباً، سواء أكانت منتجة للنفط أم لا، للتواصل مع روس أتوم لاستكشاف آفاق التعاون معها. وحققت الشركة قفزة هائلة في تسويق طاقتها النووية في الشرق الأوسط، وافتتحت أول مكتب إقليمي لها في دبي في ربيع 2016، والذي سيشرف على المشروعات الجارية في مصر وإيران والأردن وتركيا والإمارات العربية المتحدة.

وتتبنى المملكة العربية السعودية خططاً طموحة لبناء 16 مفاعاً بحلول عام 2032، لذا سعت هي أيضاً للتواصل مع روسيا، حيث عقدتا اتفاقاً لتعزيز التعاون النووي في عام 7( 2016(، ستعمل موسكو بموجبه على إقامة بنية تحتية نووية للسعودية. كما أن روسيا ومصر في المراحل الاخيرة من التفاوض حول اتفاق إنشاء أول محطة للطاقة النووية في مصر في منطقة الضبعة. ووقّعت الحكومتان على الاتفاق بشأن إنشاء محطة الضبعة في نوفمبر 2015. وستتكون المحطة من أربع وحدات للطاقة النووية بقدرة 1200 ميغاواط لكل وحدة، ومن المتوقع أن تنتهي "روس أتوم" من بناء المحطة في غضون 12 عاماً)8.)

وفي الختام يمكن القول إن عودة روسيا بثبات كقوة رائدة في الشرق الأوسط ليس هدفاً في حد ذاته لفاديمير بوتين، فالهيمنة لمجرد الهيمنة هي أمر مكلف ولا ينتهي بعواقب جيدة، وهذا هو الدرس الذي تعلمه الروس جيداً على مر التاريخ. ومنذ عودة موسكو إلى المنطقة، سعت جاهدةً لتحقيق أهداف عملية للغاية تهدف إلى تثبيت أقدامها في المنطقة من خال التعاون ذي المنفعة المتبادلة مع القوى الإقليمية. ولهذا لاتزال روسيا ملتزمة بالتعاون الاقتصادي مع قوى مثل تركيا وقطر والمملكة العربية السعودية ومصر، على الرغم من خافات موسكو السياسية العديدة مع تلك الدول.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.