المسألة الإثنية:

تحديات ضمان حقوق السكان الأصليين في أمريكا اللاتينية أليسيا رويز برافو

Trending Events - - المحتويات - أليسيا رويز برافو متدرب بشعبة العلاقات الخارجية بمفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في جنيف، سويسرا

شهدت دول أمريكا اللاتينية تطورات اقتصادية واجتماعية مهمة خلال العقود الماضية. تمثلت في انخفاض مستوى الفقر، وتحسن المؤشرات الاجتماعية، والنمو الاقتصادي المستدام، بيد أن هذا التطور أغفل الشعوب الأصلية التي كانت من أكثر الفئات المحرومة وأقلهم حظاً نتيجة لتطورات تاريخية واجتماعية معقدة بدأت منذ ما يزيد على 500 عام. ولاتزال الممارسات التمييزية مستمرة إلى اليوم، وهو ما يظهر في عدم الاعراف بخصوصيتهم الثقافية أو استغلال ثرواتهم الطبيعية) .)

يهدف التحليل إلى تقديم لمحة عامة عن الشعوب الأصلية في أمريكا الاتينية في الوقت الحاضر، وجهود الأمم المتحدة الرامية إلى معالجة التمييز ضد المجموعات الإثنية والسكان الأصليين، بالإضافة إلى السياسات التي تم تطبيقها لاحقاً في دول أمريكا الاتينية لمكافحة الإقصاء والتمييز، والتحديات التي مازالت قائمة حتى الآن، على الرغم من التقدم الذي تم إحرازه لإعطائهم حقوقهم.

اأولاً: الم�ساألة العرقية في اأمريكا اللاتينية

وفقاً للجنة الاقتصادية لأمريكا الاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، تضم أمريكا الاتينية حالياً حوالي 826 مجموعة مختلفة من الشعوب الأصلية، وحوالي 400 مجموعة لغوية، ومثلت تلك المجموعات في عام 2010 حوالي 45 مليون شخص، أي 8% من سكان الإقليم. وتوجد أكبر نسبة من الشعوب الأصلية في بوليفيا، إذ يشكلون حوالي 62.2% من السكان، تليها جواتيمالا (41%(، ثم بيرو )24%(، والمكسيك )15.1.)%

أما من حيث عدد المجموعات العرقية، فتحتل البرازيل المرتبة الأولى، إذ إن لديها حوالي 305 مجموعات عرقية مختلفة، وتحتل كولومبيا المرتبة الثانية من ناحية العدد بإجمالي 102 مجموعة، بينما تضم بيرو 85 مجموعة وتضم المكسيك 78 مجموعة)2(. وفيما يتعلق بأماكن وجودهم، نجد أن تلك

المجموعات تتنوع في أماكن معيشتها، بدءاً من أماكن معزولة يعيشون فيها باختيارهم مثل الغابات والجبال، إلى اختيار التعايش مع الآخرين في المدن والبلدات الحضرية الكبيرة.

أما فيما يتعلق بالمطالب التي ترفعها الشعوب الأصلية، فياحظ أنها تتمثل في الاعتراف بهويتهم، لاسيما الحق في تقرير المصير، والملكية الجماعية للأراضي، والمشاركة السياسية، فضاً عن السماح لهم بإقامة مؤسسات للحكم الذاتي، فضاً عن الاعتراف بتلك الحقوق في السياسات العامة لدول أمريكا الاتينية، ومن واقع التجارب الدولية المناظرة، فإن الاعتراف بها غالباً ما يأخذ وقتاً طوياً. وتلعب نساء الشعوب الأصلية ومنظماتهن، على وجه التحديد، دوراً حاسماً في إقامة تحالفات قومية وإقليمية ودولية تقف ضد أوجه عدم المساواة العرقية وقضايا الجنسين، بل وتقترح حلولاً سياسية في هذا الصدد.

ثانياً: العامل الاإثني في ال�سيا�سات العامة

اعترافاً من الأمم المتحدة، والمنظمات التابعة لها، بالنضال التاريخي لتحقيق الكرامة الإنسانية، فقد كان لها السبق في إضفاء الطابع المؤسسي على الدفاع عن حقوق الشعوب الأصلية من وجهة نظر القانون الدولي. وقد سعت لتنفيذ ذلك من خال مجموعة من المعايير والقيم، التي يمكن أن تسترشد

بها الدول المختلفة في سياستها حيال الأقليات العرقية المختلفة.

ويستند ذلك إلى مبدأين، الأول: "اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 169 المتعلقة بالشعوب الأصلية والقبلية في البلدان المستقلة" في عام 1989، والذي تم فيها الاعتراف بالحقوق الجماعية للشعوب الأصلية لأول مرة في التاريخ، والثاني: "إعان الأمم المتحدة بشأن حقوق الشعوب الأصلية" لعام 2007، والذي أكد حق "تقرير المصير". وعاوة على ذلك، تتبنى الأمم المتحدة ثاث آليات خاصة من أجل ضمان تحقيق المعيارين السابقين، وتلك الآليات هي: المنتدى الدائم المعني بقضايا الشعوب الأصلية، وآلية الخبراء المعنية بحقوق الشعوب الأصلية، والمقرر الخاص المعني بحقوق الشعوب الأصلية.

وينص إعان الأمم المتحدة لعام 2007– وهو إلزامي لجميع الدول– على خمسة حقوق أساسية، الأول: الحق في عدم التمييز، والثاني: الحق في التنمية والرعاية الاجتماعية، والثالث: حق التنوع الثقافي، والرابع: الحق في الاعتراف بممتلكاتهم وحقوق الملكية فيما يخص الأراضي والأقاليم والموارد التي شغلوها تاريخياً، والخامس: الحق في المشاركة السياسية) 3 .)

وعند النظر إلى مدى التزام دول أمريكا الاتينية بتلك المعايير، نجد أنها تباينت في حجم الحقوق التي أعطتها لهم، فقد قامت بعض الدول بإعادة صياغة دساتيرها الوطنية لتنص صراحة على حقوق السكان الأصليين، في حين أنه بعض الدول الأخرى، قامت بإنشاء وزارات أو إدارات جديدة تعني بمتابعة أوضاع السكان الأصليين، ورفع التمييز ضدهم. ويعود الفضل في ذلك إلى جهود الأمم المتحدة التي عنيت بالدفاع عن حقوق السكان الأصليين.

ومن أكثر الدول التزاماً في هذا الصدد، دولتا بوليفيا والإكوادور، واللتان قامتا بإعادة صياغة دستورهما للنص صراحة على أنهما دولتان متعددتا القوميات، كما أنهما نصتا صراحة على إعطاء الشعوب الأصلية "الاستقالية الإقليمية"، أي منحهم نوعاً من الامركزية، بحيث يتولون إدارة شؤونهم المحلية، وبالإضافة إلى ما سبق، فقد اعترفت الدولتان باللغات الأصلية كلغات رسمية، ومنحت لأبناء السكان الأصليين تعليماً ثنائي اللغة، للحفاظ على هويتهم الثقافية. وعلى النقيض من ذلك، ياحظ أن دستوريّ المكسيك وبيرو لا يمنحان الشعوب الأصلية، الاستقالية الإقليمية أو يعترف بلغاتهم الأصلية كلغة رسمية.

ولا تقتصر جهود الدفاع عن السكان الأصليين على المنظمات الدولية، إذ إن هناك منظمات إقليمية مثل منظمة الدول الأمريكية، أو مصرف التنمية للبلدان الأمريكية، والتي تعمل بنشاط كبير على إطاق برامج وأنشطة لدعم أكثر الفئات تهميشاً وأكثرهم تعرضاً للتمييز في القارة. وتغطي خطط العمل لتلك المنظمات مجالات عديدة تتعلق برفاه الشعوب الأصلية، مثل التعليم )تعزيز ثنائية اللغة واحترام الأديان( والفقر والتوظيف، إلى جانب حماية أراضي تلك الشعوب ومواردهم، وتمويل المشاريع المتعلقة بالتنمية المستدامة، وغيرها من الجهود)4.)

ثالثاً: التحديات الرئي�سية لل�سكان الاأ�سليين

بغض النظر عن التدابير الدولية والإقليمية المذكورة آنفاً، فإن هناك بعض القضايا والمشاكل التي يعانيها السكان المحليون على المستوى المحلي، كما لا تزال بعض الجوانب الخاصة بوضع الشعوب الأصلية في أمريكا الاتينية مثيرة للجدل والانتقاد، وتتمثل أبرز التحديات الرئيسية التي تواجهها المجموعات العرقية ما يلي: 1- الفقر والتهميش: لا تزال الغالبية العظمى من السكان الأصليين تعيش في فقر مدقع)5(، وذلك بسبب الإصاحات الاقتصادية الليبرالية التي طبقتها أغلب دول أمريكا الاتينية في القرن التاسع عشر، فلقد تسبب مفهوم "الملكية الخاصة" في الفقدان التدريجي للأراضي التاريخية المملوكة لهم، وهو ما أضعف أوضاعهم الاقتصادية، بالإضافة إلى التهجير القسري لمجموعات من الشعوب الأصلية.

ففي بوليفيا، أسفر الركود والفقر في المناطق الريفية عن توسع حضري سريع، وأدى إلى تركز السكان في المدن على وجه الخصوص. وقد كان لهذا الوضع عواقب سلبية مباشرة على وظائف السكان الأصليين ودخلهم وتوافر خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة لها)6(. ولا يختلف الوضع كثيراً في المكسيك، فقد وُجد أن ما يزيد على 50% من المساكن الواقعة في مناطق الشعوب الأصلية با كهرباء. وبحلول عام 1998، لم تتجاوز نسبة من يستطيعون القراءة والكتابة من الشعوب الأصلية في المكسيك ممن تزيد أعمارهم على 15 عاماً نسبة 59%، ولم يلتحق 37% منهم بالمدارس)7.) 2- الصراع على الأرضي التاريخية: يدور حالياً حوالي مائتي صراع على أراضي الشعوب الأصلية، وذلك بسبب وجود ثروات طبيعية في مناطق تمركز السكان الأصليين، وهو ما دفع إلى استغال تلك الأراضي في استخراج المواد الهيدروكربونية أو أنشطة التعدين، وذلك على حساب حقوق السكان الإصليين في الانتفاع بتلك الأراضي، ولذلك فإن هناك حاجة إلى النص في التشريعات الوطنية على حماية حقوق الشعوب الأصلية في الأراضي التي يقطنونها)8(. ومن أبرز الصراعات التي تفجرت حول الأراضي، ذلك الذي شهدته شيلي في التسعينيات، حينما ثار نزاع بين شركة "شركة إنديسا لتوليد الكهرباء" الإسبانية، وسكان مابوتشي بهونش ‪Mapuche Pehuenche People(‬ ) على نهر بيوبيو في جنوب شيلي، وذلك بسبب إقامة سد "بانجو ورالكو" ‪Pangue and Ralco Dams(‬ ،) والذي أدى بناؤه إلى

تعد دولة كولومبيا أكثر دول أمريكا اللاتينية التي عانى فيها السكان الأصليون التهجير، كما عانوا الاضطرابات التي شهدتها البلاد، نتيجة العنف الذي يمارسه تجار المخدرات والعصابات والفرق شبه العسكرية، إذ تم إجبارهم على الانضمام إلى تلك العصابات أو النزوح.

إغراق الأراضي المحيطة بها بالمياه، وبالتالي تطلب تهجير السكان الأصليين من مناطق سكانهم الأصلية على ضفاف النهر) 9 .) 3- التمثيل السياسي والاستقلال الذاتي: تعد مشاركة ممثلي الشعوب الأصلية في البرلمانات الوطنية في دول أمريكا الاتينية، أحد الوسائل الأساسية للتعبير عن مصالحهم والدفاع عنها. وقد لعبت النساء دوراً فاعاً في التعبير عن مصالح السكان الأصليين في البرلمانات على المستويين القومي والمحلي. فقد لعبت المرأة، لاسيما في العقد الأخير، دوراً جوهرياً في الدفاع عن اللغات الأصلية وقضايا البيئة والإرث الثقافي. وعاوة على ذلك، فقد بدأ تمثيل المرأة في الأحزاب السياسية للشعوب الأصلية، كما حدث في حزب باتشاكوتيك )في الإكوادور(، وحزب ياتاما )في نيكاراغوا(، وحزب ويناك )في جواتيمالا()10 .) 4- التحولات الديمغرافية والتهجير: وتعد دولة كولومبيا أكثر دول أمريكا الاتينية التي عانى فيها السكان الأصليون التهجير، كما عانوا الاضطرابات التي شهدتها الباد، نتيجة العنف الذي يمارسه تجار المخدرات والعصابات والفرق شبه العسكرية، إذ تم إجبارهم على الانضمام إلى تلك العصابات أو النزوح. ولقد عانت الجماعات العرقية، لاسيما جماعة "أووا" U’wa() في منطقة "جواخيرا"، وجماعة "كويباس" Cuibas() في "أراوكا – أبور"، أعمال العنف والقتل) .) 5- الرعاية الصحية: فقد أعربت منظمة العمل الدولية ومنظمة الصحة للبلدان الأمريكية عن وجود تحيز ضد ممارسات الطب التقليدي لصالح التقنيات الغربية، ونتيجة لذلك، زاد إهمال التقاليد الصحية للشعوب الأصلية تدريجياً، وهو ما أثر على أوضاعهم الصحية سلباً) .)

وعلى سبيل المثال، يتراوح عدد المصابين بفيروس "التهاب الكبد الوبائي ب" من الشعوب الأصلية الذين يعيشون في الغابات، مثل جماعة "يانوماميس" Yanomamis() في الأمازون، في فنزويا، ما بين 58.3% إلى 84%، وهذا الفيروس هو المسبب الثالث للوفاة بعد الماريا وسوء التغذية.

وفي بوليفيا، نجد أسوأ المؤشرات الصحية في الباد بين جماعات "أيمارا" و"كوتشوا" ‪،)Aymara and Quechua(‬ ففيما يتعلق بوفيات الأطفال، يموت منهم في مدينتي أورورو وبوتوسي ‪Oruro and Potosí(‬ ) ما بين 120 و 135 مولوداً من بين كل ألف مولود جديد، ويموت في العاصمة لاباز 106 مواليد من بين كل 1000 مولود جديد)13.)

الخاتمة

ياحظ أن تراجع أوضاع الجماعات الإثنية والسكان الأصليين ليس أمراً حصرياً على قارة أمريكا الاتينية، بل عانت العديد من الجماعات العرقية خارج القارة في أفريقيا وأوقيانوسيا من الممارسات الاستعمارية السابقة. وعلى الرغم من دفاع المنظمات الدولية عن حقوق الشعوب الأصلية، وسعي بعض دول أمريكا الاتينية إلى تطبيقها، سواء في الإصاحات الدستورية، كما حدث في الإكوادور وكولومبيا، أو الإصاحات التشريعية مثل بوليفيا، فإن هناك حاجة إلى مواصلة الجهود الرامية إلى معالجة باقي أوجه التمييز التي لايزالون يعانونها.

وتنبغي مراعاة إعطاء الجماعات الإثنية الاستقالية المجتمعية، مع دمج هذه الشعوب في المجتمع الأوسع. وعاوة على ذلك، من الضروري إنشاء آليات للمساءلة لضمان تنفيذ التشريعات التي تضمن حقوقهم، بالإضافة إلى تعزيز الخدمات المقدمة لهم كالرعاية الصحية، والتعليم المجاني، على أن يتم احترام لغات الشعوب الأصلية، والاستعانة بالممارسات الطبية التقليدية للسكان الأصليين، إضافة إلى الطرق الحديثة في الطب، للنهوض بأوضاتهم الصحية.

ولا ينبغي إغفال أن تطبيق السياسات التي تحمي حقوق السكان الأصلية، سوف يتفاوت من دولة لأخرى، طبقاً للتطور والسياق الاقتصادي والاجتماعي والسياسي لكل دولة، ومع ذلك، فإن هناك حاجة إلى الاعتراف بهذه الحقوق وتضمنيها في الأطر الدستورية والتشريعية لدول أمريكا الاتينية، حتى تمكن تلك الجماعات من الاستناد إليها للدفاع عن حقوقهم في النهاية.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.