تحديات تنامي الدور الصيني في منطقة الشرق الأوسط

أبوظبي، 17 مايو 2017

Trending Events - - المحتويات -

نظم مركز "المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة"، حلقة نقاشية مع خبراء من "معهد شنغهاي للدراسات الدولية"، حول الدور الصيني في منطقة الشرق الأوسط. وترأس الوفد الصيني دكتور "يي تشينج"، مساعد رئيس معهد شنغهاي ومدير معهد دراسات الحكم العالمي، وضم الوفد عدداً من خبراء معهد دراسات السياسة الخارجية، ومركز دراسات غرب آسيا وأفريقيا، ومركز دراسات آسيا والباسيفيك، التابعين للمعهد. وركّز النقاش على رصد وتحليل تحولات السياسة الصينية في الشرق الأوسط، وتقييم مبادرة طريق الحرير الجديد، وإسهامها في تعزيز العاقات الاقتصادية بين الصين ودول المنطقة، بالإضافة إلى التحديات التي تواجه العاقات العربية – الصينية.

اأولاً: روية ال�سين العالمية

تطرح الصين نفسها باعتبارها قوة دولية قادرة على إعادة التوازن للنظام العالمي، وتأسيس نظام عالمي جديد تحتل الصين فيه موقع الصدارة، مقارنةً بالنهج الصيني الثابت خال العقود الماضية بادعاء انتماء الدولة الصينية للدول النامية، وعدم قدرتها على أن تحل محلّ الولايات المتحدة في النظام الدولي. وفي محاولة لاقتراب من فهم هذا التوجه الصيني، ركز النقاش على عدة قضايا رئيسية شملت الجوانب التالية: 1- إعادة هيكلة النظام الدولي: طرح بعض المشاركين في النقاش من الجانب الصيني قضية إعادة هيكلة النظام الدولي ليصبح أكثر عدالة وتمثياً للمصالح المشتركة لدول العالم، باعتبار ذلك ضمن أولويات السياسة الصينية خال المرحلة المقبلة، لاسيما إصاح النظام الاقتصادي العالمي، وإعادة هيكلة مؤسساته الأساسية مثل البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، ومنظمة التجارة العالمية.

وتقوم الرؤية الإصاحية الصينية في هذا الشأن على عدة أسس، أهمها: عدم إجبار الدول على اتباع سياسات الانفتاح الاقتصادي والتجارة الحرة، والعدالة في توزيع عوائد التبادل التجاري بين الدول، والتوازن بين مصالح أطراف التفاعات الاقتصادية الدولية. 2- مشروع طريق الحرير الجديد: أكد الخبراء الصينيون أن مشروع طريق الحرير الجديد ليس مجرد مشروع اقتصادي للصين، وإنما يُعد رؤية استراتيجية لدور الصين في النظام العالمي، وهذا المشروع بمنزلة مرحلة جديدة من العولمة الاقتصادية.

ويقوم المشروع العالمي للصين على عدة أسس، أهمها: تطوير دبلوماسية جديدة للصين ذات طابع عالمي تتناسب مع مكانتها كقوة كبرى في العالم، وتقديم الصين نفسها كبديل في مجال التنمية الاقتصادية في مقابل تركيز الولايات المتحدة والدول الأوروبية على الأمن، ومراعاة المصالح المشتركة لدول العالم.

وتم التأكيد على أن مبادرة طريق الحرير الجديد تفتح فرص للتعاون بين الصين والدول العربية في قطاعات مختلفة، على اعتبار أن التعاون الاقتصادي سيترتب عليه فوائد من نواحي عديدة. 3- نقل الاستثمارات إلى الدول النامية: أكدت الاتجاهات الرئيسية في النقاش أن الصين لديها فوائض مالية غير مستغلة يمكن استثمارها في مشروعات البنية التحتية في دول العالم، وهو ما أدى إلى تأسيس البنك الآسيوي لاستثمار في البنية التحتية بهدف استغال هذه الفوائض المالية في استثمارات بدول الجوار تستهدف تحقيق التنمية. وقد توازى ذلك مع توسع قطاع الخدمات في الاقتصاد الصيني، ما جعل بعض الصناعات غير جاذبة للعمالة المحلية، ودفع للتفكير في إمكانية نقل هذه الصناعات وتكنولوجيا الإنتاج للدول النامية، خاصةً في ظل الجدل الداخلي المتصاعد حول مستويات التلوث البيئي الذي تُسببه بعض الصناعات التحويلية والصناعات الثقيلة.

وأشار الخبراء الصينيون إلى أن التعاون بين الدول النامية وبكين في إطار طريق الحرير قد يتضمن نقل مصانع كاملة ذات تكنولوجيا متقدمة،

والتركيز على الصناعات كثيفة العمالة باعتبارها الأكثر ماءمة لتعزيز التنمية الاقتصادية واستيعاب معدلات البطالة المرتفعة.

ثانياً: العلاقات العربية - ال�سينية

تطرق الحضور إلى العاقات العربية - الصينية والاتجاهات الحاكمة لها. وفي هذا الإطار، تمت الإشارة إلى تركيز الصين على التعاون الاقتصادي مع دول الخليج العربية لتلبية احتياجات بكين المتزايدة من إمدادات الطاقة، والإفادة من عوائد التعاون الاقتصادي في مجالات البنية التحتية، والتصنيع، ونقل التكنولوجيا الإنتاجية، والطاقة، والطاقة النووية، والزراعة، والتكنولوجيا الدقيقة، والتعاون المالي والتجاري، وتبادل الاستثمارات، وهو ما يؤكد استمرار أولوية الاقتصاد في السياسة الخارجية الصينية تجاه منطقة الشرق الأوسط.

كما كشفت مشاركة الصين كضيف شرف بمعرض أبوظبي الدولي للكتاب في عام 2017، عن تطور حركة النشر والترجمة من اللغة الصينية إلى العربية، ووجود عدد كبير من الكتب والمؤلفات الصينية التي تمت ترجمتها لتعزيز التواصل بين الشعوب العربية والصين، بالإضافة إلى دور منتدى التعاون العربي - الصيني في تعزيز التنسيق والتعاون بين الجانين.

وفيما يتعلق بالدور السياسي والأمني للصين في الشرق الأوسط، أشار خبراء "معهد شنغهاي" إلى توسع بكين في المشاركة في عمليات حفظ السام في الإقليم، وتمويل عمليات إعادة الإعمار في مناطق الصراعات المسلحة، بالإضافة إلى مشاركتها في جهود الوساطة والتوفيق بين الفرقاء في مناطق الصراعات، وتبنيها سياسات تقوم على دعم الاستقرار والأمن في الشرق الأوسط، وتجنب التدخل في شؤون الدول.

وثمة عوامل عديدة تدفع الصين إلى تكثيف دورها في الشرق الأوسط، ومنها مخاوفها من تفاقم الاضطرابات والصراعات في المنطقة وما يترتب عليها من انتشار الإرهاب والتطرف بما يهدد المصالح الاقتصادية لبكين واستثماراتها في الإقليم، خاصةً في ظل اعتمادها على المنطقة في سد احتياجاتها النفطية، فضاً عن كون المنطقة سوقاً كبيراً للمنتجات الصينية. كما أن هناك مخاوف تتعلق باحتمالية عودة آلاف الجهاديين الصينيين الذين اتجهوا إلى سوريا للقتال في صفوف الجماعات الإرهابية.

ثالثاً: تحديات الدور ال�سيني

أكد الحضور أن الدور الصيني الصاعد في منطقة الشرق الأوسط يواجه عدة تحديات ترتبط بتوجهات السياسة الصينية في الإقليم، وتتمثل أهم هذه التحديات فيما يلي: 1- التوازن بين المحاور الإقليمية: تسعى بكين إلى الحفاظ على عاقاتها مع مختلف الأطراف ضمن المحاور الإقليمية ذات المصالح المتعارضة، إذ إن العاقات الوثيقة بين الصين وكل من إيران وإسرائيل تؤثر على آفاق تطور العاقات الصينية - العربية في ظل تباين المصالح مع هذه الأطراف الإقليمية، وتهديدها الأمن والاستقرار في المنطقة. وفي هذا الإطار، ثمة العديد من التساؤلات في العالم العربي بشأن موقف الصين من الأزمة السورية، خاصةً نمط تصويتها في مجلس الأمن الدولي على القرارات الخاصة بهذه الأزمة، واستخدامها حق "الفيتو" في العديد من المرات. 2- الشراكة الإقليمية المتكافئة: على الرغم من إعان الصين سعيها للشراكة مع الدول العربية من خال مشروع طريق الحرير، فإن ثمة اتجاهات في المنطقة العربية تتخوف من أن تخدم عوائد المشروع في الأساس الاقتصاد الصيني، ولا تحقق فرص التنمية المتكافئة للجانبين.

وفي السياق ذاته، تواجه الصين بعض الصور السلبية التي تتعلق ببعض الممارسات غير التنافسية في عاقاتها التجارية بالدول العربية، والاتهامات المتصاعدة للصين بالإغراق الاقتصادي والمنافسة غير العادلة بسبب تراجع مستوى العملة الصينية إلى أقل من مستوياتها الحقيقية. 3- التمدد المتزايد لخريطة طريق الحرير: تطرق النقاش إلى وجود اتجاه يرى أن مشروع طريق الحرير يغلب عليه قدر كبير من الأبعاد الرمزية التاريخية تجعله أقرب للدعاية السياسية منه إلى مشروع واقعي قابل للتطبيق، بالنظر إلى اتساع نطاقه الجغرافي والاقتصادي ليشمل قارات العالم القديم، ومجالات البنية التحتية، والنقل، والمواصات، والماحة البحرية، والتصنيع، والتجارة، وهو ما يجعل هذا المشروع أقرب إلى رؤية رمزية لمستقبل العاقات منه إلى مبادرة قابلة للتطبيق ذات سياسات وآليات واضحة. 4- عودة الدور الأمريكي إلى المنطقة: تمثل إعادة صياغة التوجهات الأمريكية في عهد الرئيس دونالد ترامب تجاه الشرق الأوسط، على نحو يؤدي إلى عودة الولايات المتحدة لممارسة دورها بكثافة في الإقليم، أحد التحديات لدور الصين وطموحاتها في المنطقة، في ظل مساعِ أمريكية للحد من التوسع الصيني.

إجمالاً، يمكن القول إن العاقات العربية - الصينية تواجه عدة تحديات، وأبرزها إشكاليات الحفاظ على التوازن في العاقات الصينية مع المحاور الإقليمية المتعارضة، وضرورة العمل على إحداث توازن في العاقات الاقتصادية، وذلك في ظل اختال التوازن التجاري بين الصين وبعض دول الإقليم لصالح بكين، ومخاوف بعض الدول من احتمالات الإغراق التجاري وتدني مستوى التكنولوجيا الصينية في بعض المجالات مقارنةً بنظيرتها الأمريكية والأوروبية، والتركيز على نقل الصناعات غير الصديقة للبيئة إلى الدول النامية، والخبرات السلبية للتعاون الصيني مع بعض الدول الأفريقية فيما يتعلق بالتركيز على الحصول على المواد الخام والبترول بأسعار متدنية، ونقل العمالة الصينية للخارج من دون الإسهام في التنمية الاقتصادية لهذه الدول.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.