التحالفات غير المستقرة:

لم تعد إدارة التحالفات أقل تعقيداً من إدارة الصراعات في الوقت الراهن، فقد أضحت العلاقة مع الحلفاء، سواءً على المستوى الدولي أو الإقليمي، مشكلة كبرى ومعقدة، في السنوات الأخيرة؛ حيث انتقلت التحالفات، بمستوياتها كافة من ائتلافات وتكتلات وصولاً إلى الأحلاف، م

Trending Events - - News - د. علي جلال معوض مدرس العلوم السياسية - كلية الاقتصاد والعلوم السياسية - جامعة القاهرة

تعقيدات إدارة العلاقات بين الحلفاء على المستويين الإقليمي والدولي د. علي جلال معوض

أصبح بعض الحلفاء يمثلون مشكلة أمنية حقيقية لجوارهم الإقليمي، وانتقلوا واقعياً من الحليف إلى الخصم. كما تصاعدت ظاهرة عدم التزام بعض أعضاء التحالفات بمسؤولياتهم، خاصة على المستوى القيادي كما برز في حالة الولايات المتحدة الأمريكية في عهد الرئيس باراك أوباما، والتي اتخذت أبعاداً جديدة ذات طابع علني، في ظل إدارة الرئيس دونالد ترامب، هذا علاوة على بروز ظاهرة التحالفات المضادة، ودخول الفاعلين من دون الدولة في العديد منها مثلما هي الحال في منطقة الشرق الأوسط منذ اندلاع الثورات العربية في عام 2011.

في هذا السياق، تقدم هذه الدراسة معالجة أولية للتطورات الجديدة الخاصة بالتحالفات، وذلك من خلال رصد أهم مظاهر التغير والإشكاليات المثارة في التحالفات وإدارتها إقليمياً ودولياً، وعرض أبرز التفسيرات المطروحة لتزايد هذه الإشكاليات ومسبباتها النسقية والفكرية والمؤسسية، مع عرض موجز لأهم الاستراتيجيات والآليات المطروحة لكيفية مواجهة هذه التحديات؛ وذلك مع التركيز بشكل أكبر على المنطقة العربية والشرق الأوسط باعتبارهما حالة نموذجية لتطبيق وتطوير نظريات التحالفات، بالإضافة إلى تعدد الصدمات التي شهدتها المنطقة؛ ما يجعلها عرضة لتفاعلات أكثر دينامية في تشكيل التحالفات ورصد تغيراتها وتحولاتها) .)

اأولاً: اأبرز الق�ضايا الجديدة التي تثيرها التحالفات

أثارت التحالفات تقليدياً عدة إشكاليات رئيسية في مقدمتها تعريفها ذاته، حيث ساد من الناحية التاريخية تحديد نطاقها باعتبارها "اتفاقات رسمية بين دول مستقلة في النظام الدولي على التعاون العسكري في مواجهة الأطراف الخارجية في حالات الصراعات المسلحة") وقد سعت بعض الدراسات لاحقاً إلى تقليل الشروط المعيارية الخاصة بالرسمية أو مستوى الالتزامات الأمنية، وهو ما يظهر مثلاً في تعريفات ستيفن والت في دراسته حول "أصول الأحلاف"، حين عرفها بأنها "تفاهمات رسمية أو غير رسمية للتعاون الأمني بين دولتين مستقلتين أو أكثر") .)

وشهد استخدام مفهوم "التحالف" مرونة أكبر في معاييره، مع توسع مفهوم الأمن وتهديداته من جهة، وتصاعد أهمية التفاعلات الاقتصادية والاتصالية وما يعرف بالتهديدات "غير التقليدية" و"الناعمة" بشكل موازٍ للتفاعلات الأمنية التقليدية، فضلاً عن تنامي أدوار الفاعلين من غير الدول من جهة أخرى؛ حيث ساد توظيف مفهوم التحالفات لوصف أنماط متعددة للعلاقات والالتزامات بين مختلف أنواع الفاعلين، بمن فيهم الفاعلون من غير الدول، مثل الشركات متعددة الجنسيات، في مجالات متنوعة على المستويين الداخلي والخارجي.

وحتى في حالة الاقتصار على المجال الأمني بمعناه التقليدي في مجال العلاقات الدولية، يمكن تعريف التحالفات في أوسع معانيها باعتبارها "اتفاقيات أو تفاهمات رسمية أو غير رسمية للتعاون الأمني بين فاعلين دوليين أو أكثر بهدف إدارة تغير توازنات القوى و/أو التهديدات والفرص القائمة أو المحتملة أو المدركة، بما يحقق مصالح هؤلاء الأعضاء"، وذلك على الرغم من الجدل حول مدى دقة هذا التوسع ومزجه للتحالفات مع أنماط أخرى للانحيازات والتقاربات الأمنية مثل الائتلافات والشراكات الاستراتيجية والنظم الأمنية والمجتمعات الأمنية وغيرها) .)

وإذا كان هذا التوسع في التعريف يزيد من سمة التعقيد والتداخل في طبيعة الأحلاف؛ فإن الإشكاليات الأساسية تبقى ذات صلة بمعضلة الحفاظ على تماسك التحالفات، وهو ما يرتبط بدوافع نشأة الأحلاف وطبيعتها والروابط الأيديولوجية القيمية والمصلحية بين أعضائها ومدى مؤسسيتها وفاعليتها، فضلاً عن كيفية معالجة الإشكاليات الأخرى ذات الصلة بالمعضلة الثنائية للأمن داخل الأحلاف بين التخوف من عدم وفاء الحلفاء بالالتزامات وتخليهم Abandonment( Dilemma) عن حلفائهم خلال الأزمات والصراعات، مقابل معضلة توريط ‪Entrapment Dilemma(‬ ) بعض الحلفاء للآخرين في قضايا صراعية قد لا تحظى بالأولوية ذاتها لديهم.

وقد أدت التطورات الدولية والإقليمية وكذا الداخلية في بعض الدول المحورية في شبكات التحالفات القائمة إلى تجدد طرح العديد من هذه الإشكاليات والقضايا، مع طرح قضية تحول بعض الحلفاء لمصادر تهديد مباشرة كخصوم أو حتى أعداء؛ وهو ما يمكن عرضه في إطار ثلاثة تطورات أساسية أصبحت تتسم بها التحالفات بوضوح، وهي )التعقيد والسيولة، وتحديات القيادة، وتصاعد الخلافات الداخلية(، وذلك كما يلي: 1- تزايد تعقيد وسيولة التحالفات: تتسم التحالفات بحكم طبيعتها بسمة التعقيد، بوصفها شبكات للعلاقات والعمليات والاعتماد المتبادل بين الفاعلين، بما يؤثر على فرص الصراع والتعاون على المستويات الدولية والإقليمية بل والداخلية أيضاً، مع امتداد تأثيرات الأحلاف على المدى الطويل على سلوك الأعضاء وغير الأعضاء بين الانضمام أو الموازنة وغيرها، وتوليدها سلاسل جديدة لأحلاف مضادة؛ ما قد يولد تغيرات جذرية في النظام، وهو ما تظهره على سبيل المثال العديد من الدراسات والتحليلات التي فسرت نشوب الحرب العالمية الأولى )1918-1914( على ضوء سلاسل الأحلاف السابقة على نشوبها بقرابة نصف قرن، بدءاً من تحالف ألمانيا مع الإمبراطورية النمساوية المجرية عام 1879 .)

لكن الملحوظ تزايد تعقيد التحالفات وشبكاتها في المرحلة الراهنة في ظل اعتبارات متعددة، منها سعي الدول لتكثيف شبكات التحالف الخاصة بها كجزءٍ من استراتيجيات التحوط والموازنة متعددة الأبعاد، وتزايد الأدوار الأمنية للمنظمات والتجمعات الإقليمية المختلفة، وتزايد أدوار الفاعلين من غير الدول، وصعود أنماط الأحلاف المتعدية للحدود ‪)Transnational Alliances(‬ وبروز أنماط جديدة من التهديدات، ما أفضى إلى تطوير أنماط متعددة من الائتلافات واتفاقيات الشراكة الأمنية والتحالفات الناعمة Soft( Alliances،) جنباً إلى جنب مع التحالفات العسكرية الصلبة. وظهر جانب من ذلك في تطور الأحلاف الأمريكية في آسيا على سبيل المثال، حيث ترصد الدراسات تزايد تحولها إلى

الطابع الشبكي متعدد الأطراف، في إطار تعزيز الاتصالات المباشرة بين الحلفاء وبعضهم البعض ‪)Spoke to Spoke(‬ بدلاً من الطابع الثنائي القائم على المركزية الأمريكية كمحورٍ للاتصالات البينية ‪Hub to Spoke(‬ ) على نحو ما يتجلى في تطوير الحوار الاستراتيجي الثلاثي الأمريكي - الياباني - الأسترالي، والترتيبات الثلاثية الأمريكية - اليابانية - الكورية الجنوبية، لتشارك المعلومات وإدارة الأزمات، وكذلك الحوار الاستراتيجي الهندي - الياباني - الاسترالي.

ويتوازى مع ذلك الدعم الأمريكي لتطوير القدرات الدفاعية الذاتية للحلفاء، وتحديث التحالفات القائمة واستحداث أخرى جديدة )مثل التحالف مع ميانمار وفيتنام(، وكذلك التحول نحو تشجيع الأطر الإقليمية المؤسسية، مثل قمة شرق آسيا وتجمع الآسيان؛ وهو ما يرتبط جزئياً بالاستراتيجية الأمريكية للموازنة عن بعد ومواجهة الصعود الصيني، وبمصالح الحلفاء أنفسهم في تنويع شبكات علاقاتهم الأمنية، وهذا كله يصب في اتجاه زيادة تعقيد شبكات التحالف والترتيبات الأمنية وطابعها الشبكي) .)

وعلى الرغم من أن سياسات الرئيس الأمريكي "ترامب" تظهر احتمال العودة للمفهوم الأكثر تقليدية للتحالفات وتقليل طابعها الشبكي نسبياً، وهو ما يظهر مثلاً في المراجعة الضمنية لأسس استراتيجية الارتكاز الآسيوي Pivot( ‪to Asia‬ ،) لاسيما مع إعلانه في اليوم الأول لرئاسته رفض اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادي؛ فإن سمة التعقيد والشبكية في التحالفات تظل قائمة، خصوصاً مع طرح حلفاء الولايات المتحدة الاستمرار في الاتفاقية بل وتطويرها من دون مشاركة الأخيرة، فضلاً عن مراجعة الصين سياساتها لتبني استراتيجية أكثر نشاطاً في بناء شبكات للتحالفات الإقليمية لمواجهة المحاولات الأمريكية لتطويقها، مع استغلال أي سلبيات تولدها سياسات الإدارة الأمريكية الجديدة في التشكيك في مصداقية الولايات المتحدة والسعي لخلق شبكات بديلة تشارك الصين فيها بأدوار مركزية) .)

وإذا كان التعقيد يرتبط بزيادة التوسع الثنائي والمتعدد الأفقي والرأسي التعاوني للتحالفات في مواجهة التهديدات الخارجية التقليدية وغير التقليدية في نموذج التحالفات الأمريكية الآسيوية وكذلك الأمريكية الأوروبية، فإن جانباً من هذه الأبعاد يحضر في المنطقة العربية والشرق أوسطية مع أبعاد إضافية للتعقيد والسيولة ناجمة عن تفاقم الصراعات وحالات عدم الاستقرار الداخلي والإقليمي وزيادة ضعف الدول العربية وانهيار بعضها منذ تطورات الاحتلال الأمريكي للعراق، ثم في مرحلة بعد ما عرف ب "الربيع العربي" عام 2011، وما صاحبها من استقطابات داخلية وإقليمية ساهمت في مفاقمة حالة الانكشاف Vulnerability() والهشاشة Fragility() في مختلف دول الإقليم) .)

وقد أدى ذلك إلى مراجعات مستمرة في المحاور الإقليمية القائمة وتطوير أطروحات وتحركات فعلية لتكوين تحالفات وائتلافات جديدة، حيث انتقلت المنطقة من ثنائية ما وصف بمحور الاعتدال في مواجهة محور الممانعة إلى تطور محاور وائتلافات متعددة متداخلة مع صعود الإسلاميين عقب 2011 ثم انحسارهم منذ منتصف 2013 مع تبلور ما يشبه ثلاثة محاور أساسية خليجية مصرية أردنية، وتركية قطرية مع استمرار تعزز محور النفوذ الإيراني الشيعي، من دون أن يمنع الصراع والتناقض والتنافس بين هذه المحاور ودولها التلاقي الجزئي بينها أو بين بعض دولها في بعض القضايا، هذا فضلاً عن طرح إمكانية المراجعة الداخلية في بعض المحاور مع تغير القيادات، وطرح محاولات للربط بين المحاور في مواجهة تهديدات مشتركة أو قضايا ذات أولوية لبعض الدول الإقليمية على نحو ما ظهر في الائتلاف أو التحالف الإسلامي ضد الإرهاب الذي أعلنته السعودية في ديسمبر 2015 بمشاركة 34 دولية عربية وآسيوية وأفريقية، والتحالف العربي في عملية عاصفة الحزم في اليمن. وصاحب ذلك كله بعض المحاولات المتعثرة لإحياء منظومة الدفاع العربي المشترك في إطار طرح مصري بالأساس لفكرة تكوين قوة عربية مشتركة للتدخل السريع بناء على مقررات القمة العربية في شرم الشيخ 2015 ، فضلاً عن انتشار الائتلافات الدولية والإقليمية الناشطة في المنطقة تحت المظلتين الأمريكية والروسية في مواجهة الإرهاب، وأبرزها الائتلاف الدولي ضد "داعش" بقيادة الولايات المتحدة ومشاركة عشر دول عربية ودول أخرى، وكذلك تحالف "4+1" بين روسيا وإيران وسوريا والعراق ثم حزب اله لاحقاً) كذلك تم الإعلان عن تحالف أمريكي - خليجي وتطوير الشراكة الاستراتيجية بين الجانبين عقب اجتماع للرئيس الأمريكي السابق أوباما مع قادة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية في كامب ديفيد في مايو 2015 وعدة اجتماعات لاحقة. ومع زيادة التقارب عقب تغير الإدارة الأمريكية ومراجعتها سياساتها الإقليمية، خاصة في مواجهة إيران، تم تقديم أطروحات لتشكيل تحالف عربي بقيادة سعودية ورعاية أمريكية خلال زيارة الرئيس الأمريكي ترامب للسعودية في مايو 2017 في أولى زياراته الخارجية، مع وصف التحالف المرتقب ك "ناتو عربي" لتعزيز القدرات الدفاعية لدول المنطقة لموازنة إيران بالأساس ومواجهة المخاطر الإرهابية) .)

وواكب ذلك نشاط أكبر لتوقيع الاتفاقيات الثنائية الاستراتيجية مع الدول الكبرى والمتوسطة، مثل الاتفاق البريطاني - البحريني في ديسمبر 2014، والاتفاق الروسي - السوري في أغسطس 2015 بخصوص قاعدة الحميميم، والاتفاق القطري - التركي في ديسمبر 2015 للتعاون الاستراتيجي والعسكري بين الطرفين وإنشاء قاعدة عسكرية تركية في قطر) .)

وزاد من تعقيد وسيولة خريطة التحالفات الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط تصاعد أنماط التحالفات والائتلافات العابرة للحدود مع فاعلين مسلحين من غير الدول، وهو ما يظهر بشكل واضح، على سبيل المثال، في الارتباطات الخارجية للجماعات

المسلحة من غير الدول المقاتلة في سوريا واليمن وليبيا والعراق بالمحاور والائتلافات الإقليمية المختلفة.

وعلى الرغم من أن نمط العلاقات التعاونية مع الفاعلين المسلحين من غير الدول ورعايتهم ودعمهم - سواءً عبر التشجيع أو التوجيه الأيديولوجي أو التواصل والدعم المعلوماتي والسياسي والدبلوماسي وصولاً إلى توفير الدعم المادي والاستضافة والتدريب والتسليح - ليس استثنائياً وينتشر في مناطق الأزمات والصراعات بشكل عام، فإن ما يثير الانتباه كتحول نوعي نسبي هو تداخل هذه العلاقات مع التحالفات القائمة وتزايد أنماط الاشتباك والقتال المباشر للقوات النظامية وشبه النظامية للدول جنباً إلى جنب مع هذه الجماعات، وتحول الفاعلين من غير الدول أنفسهم إلى أحد التهديدات الأساسية التي تشكل أساساً لنشأة التحالفات والمحاور في مواجهتها) إذ صاحب ذلك تصاعد موازٍ في سمة التحالفات أو الائتلافات بين الدول الساعية ليس فقط إلى موازنة أو ردع تهديدات خارجية مباشرة، وإنما أيضاً في مواجهة التهديدات الداخلية وبعض الجماعات داخل الدول ذات الارتباطات الخارجية بشكل شبه صريح، بما يتجاوز الطابع الضمني الذي ساد طرحه في العديد من أدبيات دراسة الأحلاف، في الشرق الأوسط خاصة حول ارتباطها بالأساس بالحفاظ على قوة النظام الحاكم في مواجهة التهديدات الداخلية كدافع أساسي لتشكيل التحالفات على نحو يفوق في أولويته مواجهة التهديدات الخارجية للدولة ككل وسلامتها الإقليمية() .)

ويرتبط ذلك بتصاعد حالة التداخل المباشر بين التهديدات الخارجية والداخلية كجزءٍ من ظاهرة نشأة مستويات بينية Intermestic() للتفاعلات تتجاوز الحدود الفاصلة التقليدية. ويفرض هذا النمط من الأحلاف لمواجهة الأخطار الداخلية - الخارجية أو الموازنة الشاملة متعددة الأبعاد )Omnibalance( تحديات وتعقيدات إضافية في إدارة الأحلاف، لاسيما مع معاناة العديد من الدول الأعضاء في تحالفات من هذا النوع من مشكلات وانقسامات داخلية تصعب تعبئة الموارد بفاعلية، وتزيد إشكاليات كيفية المواءمة المتزامنة بين التوازنات الداخلية والخارجية في الوقت ذاته) .) 2- التغير القيادي ومعضلات الالتزام والتوريط: لا تنفصل معضلات التغير القيادي عن التعقيد والسيولة، سواءً كسبب أو كنتيجة، حيث قد يفرض هذا التعقيد والتغيرات الدينامية في بيئة التحالفات وبنيتها مراجعات مستمرة في تقديرات القيادات القائمة وتوجهاتها، كما قد يؤدي تغير القيادات ورؤاها وتوجهاتها إلى إعادة تعريف الأولويات ومصادر التهديد الأساسية واستراتيجيات وآليات مواجهاتها، وهو ما يتضمن عادة السعي لتطوير شبكات أحلاف جديدة أو مراجعة تلك القائمة، بما يجدد إثارة الإشكاليات الأساسية ذات الصلة بإدارة الأحلاف، وتوزيع الأعباء، ومخاطر التحلل من التزامات الأحلاف مقابل التورط فيها.

وتطرح تغيرات القيادة تأثيرات وتحديات أكبر بطبيعة الحال إذا جاءت في سياق أنماط غير تقليدية للتغير أو انتقال السلطة مع وجود تحديات للقيادات الجديدة داخلياً وخارجياً و/ أو حال حدوثها في دول محورية في شبكات الأحلاف الدولية أو الإقليمية) وقد تجلى ذلك على المستوى الإقليمي في أوقات التغير القيادي في الدول والقوى الإقليمية الرئيسية، سواءً مصر بعد ثورة 2011 وثورة 2013، وكذلك السعودية بعد عام 2015، حيث صاحب ذلك مراجعات مستمرة لشبكات التحالفات الثنائية والإقليمية القائمة في مواجهة القضايا والأزمات والصراعات الإقليمية المختلفة، مع مراجعة تقدير الأولويات والتهديدات والفرص التي تنطوي عليها هذه القضايا، بحيث خرجت مصر لفترة من محور الاعتدال أو الاستقرار الإقليمي وانضمت إلى المحور القطري - التركي خلال فترة حكم جماعة الإخوان المسلمين، ثم عادت مرة أخرى للارتباط بالمحور السعودي - الإماراتي الخليجي بعد سقوط الإخوان في يوليو 2013 وتغير القيادة المصرية، مع التحول إلى صدام مباشر مع المحور التركي القطري.

وعلى الرغم من الطابع المؤسسي للنظام الأمريكي، والذي يفترض أن يحد نسبياً من تأثيرات التغير القيادي على الأحلاف واستقرارها وتماسكها، فقد صاحب تغير رؤساء الولايات المتحدة مراجعات مستمرة في علاقاتها بحلفائها وطرح إشكاليات متعددة، وهو ما ظهر بشكل أكثر وضوحاً مع فوز ترامب بالرئاسة الأمريكية، لاسيما مع انتقاده المستمر خلال حملاته الانتخابية لأعباء هذه التحالفات اقتصادياً وعسكرياً على الولايات المتحدة، وعلى رأسها حلف الناتو ذاته، والتشكيك في فاعليتها وإهدارها للموارد الأمريكية، والدعوة إلى مراجعتها لضمان مشاركة الحلفاء وتحملهم لالتزاماتهم بشكل أكبر، بل والسداد بأثر رجعي مقابل الأعباء التي فرضتها هذه الأحلاف، سواءً في أوروبا أو الشرق الأوسط والخليج أو آسيا على الولايات المتحدة، مع استثناء صريح للالتزام الأمريكي بحماية إسرائيل من جملة هذه الانتقادات ومطالب المراجعة، هذا علاوة على تأكيد ترامب ضرورة تبني سياسات تتسم بالغموض وطابع المفاجأة وصعوبة التوقع من قبل الحلفاء والخصوم على السواء كجزء من تعزيز القدرات التفاوضية الأمريكية) .)

ومع أنه قد جرت مراجعات جزئية لبعض هذه الانتقادات عقب تولي ترامب السلطة فعلياً بسبب الدور الضابط للمؤسسات الأمريكية الأخرى، إلا أن تصريحات ترامب وسياساته استمرت فعلياً في زيادة طرح معضلات "الركوب المجاني" Free( Riding) مع مطالبة الحلفاء بالمشاركة بشكل أكبر في تحمل الأعباء؛ وهو ما ظهر خلال الزيارة الأولى لوزير الدفاع الأمريكي في إدارة ترامب، جيمس ماتيس، إلى أوروبا، حيث تم التأكيد على ضرورة زيادة الحلفاء الأوربيين حجم إنفاقهم العسكري بنهاية عام 2017 إلى 2%، وهو التعهد الذي كانت دول الناتو وافقت عليه بالفعل عام 2014 لكن خلال عقد )أي بحلول عام 2024 أو دفع مقابل الالتزامات الأمنية الأمريكية بتنازلات ومزايا اقتصادية أخرى؛ وهو ما استجابت له ضمنياً اليابان بتأكيدها استثمار حوالي 450 مليار دولار داخل الولايات المتحدة، وذلك خلال زيارة رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي لأمريكا في فبراير 2017، وكذلك تفاهم السعودية مع الحكومة والشركات الأمريكية على مشتريات للأسلحة والاستثمارات المتبادلة بقيمة حوالي 400 مليار

دولار خلال زيارة ترامب في مايو 2017، مع الحرص على تأكيد تحقيق هذه "الصفقات" مصالح مشتركة اقتصادية وأمنية لأطرافها وتوليد مئات الآلاف من فرص العمل داخل الولايات المتحدة، بما يبدو تحقيقاً مباشراً لرؤية ترامب حول مساهمة التحالفات في تحقيق المصالح الأمريكية) .)

وتجدر الإشارة إلى أن اتهامات "الركوب المجاني للحلفاء" سائدة تاريخياً في دوائر أمريكية متعددة وغير مقتصرة على ترامب، حيث شكى العديد من صانعي القرار والمسؤولين الأمريكيين من أعباء التحالفات غير المتناسبة في مناسبات مختلفة، بدءاً من الرئيس أيزنهاور وانتقاده في خمسينيات وستينيات القرن السابق للحلفاء الأوروبيين لعدم تحملهم أنصبتهم من الدفاع، وصولاً إلى إدارة الرئيس السابق باراك أوباما الذي شكل مفهوم "ضرورة زيادة مشاركة الحلفاء في تحمل الأعباء" واعتبره أحد المكونات الأساسية لرؤيته في مجال السياسة الخارجية) لكن يبقى التغير النوعي في عهد ترامب هو زيادة إعطاء الأولوية لهذا البعد وتصاعد وتيرة تكراره وطرحه علانية وتجاوز الطرح الدبلوماسي وضوابطه إلى طابع أكثر صدامية في التصريحات، وتوظيف ذلك داخلياً وطرحه على المستوى الشعبي عبر آليات التواصل الاجتماعي ونحوها، إلى جانب زيادة الوضوح والاختزال في تأكيد الطابع المالي أو المدفوع مقابل الالتزامات والخدمات الأمنية الأمريكية.

وبهذا المعنى، فإن إدارة ترامب لم تبتدع بقدر ما جددت بشكل أكثر وضوحاً وشعبوية طابع المقايضة في الأحلاف بين الالتزامات الأمنية من جهة والمزايا والتنازلات في المجال الاقتصادي وغيره من جهة ثانية، وذلك بما يتسق مع ما يطرحه ترامب من توظيف نمط "إدارة الأعمال" و"عقد الصفقات" في العلاقات الدولية) كما أن تعامل ترامب مع كل تفاعل باعتباره "صفقة واحدة" One( ‪Shot Deal‬ ) يزيد تعقيد نمط المقايضات وتكاليفه وطابعه الفوري وقصير المدى نسبياً، حيث يقلل إمكانية الاعتماد على عقد صفقة في مرحلة معينة لضمان استمرار الإدارة الأمريكية بالتزاماتها على المدى الطويل، إذ قد يتقدم حلفاء أو حتى خصوم آخرون بصفقات أخرى أفضل لاحقاً، وهو ما دفع بعض التحليلات إلى تأكيد ضرورة عدم التنافس بين الحلفاء في تقديم الصفقات لإدارة الأمريكية والتنسيق بينهم لتقليل حدة هذا الطابع "السوقي" أو حصولهم على مقايضات أفضل إن جاز التعبير) .)

وإضافة إلى رفع تكاليف التحالفات الأمريكية بالنسبة للحلفاء وإثارة التخوف من احتمالات عدم وفاء أمريكا بالتزاماتها حال عدم تحقق ذلك، فإن رؤية ترامب وتصريحاته استمرت في إثارة مخاوف الحلفاء من معضلة الهجر أو سعي الولايات المتحدة لتصدير أعباء الحروب والصراعات بشكل غير عادل إليهم نتيجة تبنيه مواقف تفوق سلفه أوباما حول الموازنة عن بُعد وضرورة عدم تورط الولايات المتحدة في صراعات خارج أراضيها طالما لا تتضمن تهديدات مباشرة للولايات المتحدة، انطلاقاً من أولوية المصالح الأمريكية )أمريكا أولاً(، وترك الأطراف الأخرى )سواء الحلفاء أو حتى الخصوم مثل روسيا في سوريا( يتولون معالجة هذه المشكلات ويتحملون أعباءها) .)

ويُضاف لما سبق أن رؤية ترامب ومواقفه تتسم بطابعها المفاجئ ونزعتها الانفرادية والتصعيدية في مواجهة بعض الأطراف، بما قد تثيره من ردود أفعال تصعيدية من خصوم الولايات المتحدة، وهو ما يطرح أيضاً إشكاليات أخرى تتصل بمخاطر التعرض للتوريط نتيجة التصعيد غير المحسوب للأزمات والصراعات الإقليمية، الأمر الذي وصل إلى درجة التخوف من أن تشتعل مواجهات نووية غير محسوبة العواقب) ولكن لا يمنع ذلك من وجود تقييمات أخرى تستبعد تحقق مثل هذه السيناريوهات الكارثية، على ضوء ارتفاع تكاليفها وسعي مختلف الأطراف لتجنبها، فضلاً عن تأكيد العديد من التحليلات ذات الطابع البرجماتي لنمط التصعيد الترامبي باعتباره أقرب إلى استهداف تعزيز موقفه التفاوضي والحصول على "صفقات أفضل" من الحلفاء والخصوم من خلال تعزيز جاذبية العرض باستعراض قدرات الولايات المتحدة )وذلك على نحو ما ظهر في قصف قاعدة الشعيرات في سوريا واستخدام "أم القنابل" في أفغانستان(، وزيادة الطلب على الأدوار الحمائية الأمريكية من خلال تأجيج التهديدات الإقليمية.

وفي الأحوال كلها، من شأن سياسات ترامب في التصعيد المباشر ضد بعض القوى والأطراف، مثل إيران في الشرق الأوسط وكوريا الشمالية وبدرجة أقل الصين في شرق آسيا، أن تزيد التهديدات والمخاطر التي يواجهها حلفاء الولايات المتحدة، وتخلق صعوبات في الحفاظ على أي صياغات توازنية أو تحوطية ساعية لتحجيم النزاعات أو استيعابها إقليمياً، لاسيما أن تقلبات تصريحات ترامب والاختلافات التي تصل إلى حد التناقض داخل إدارته وبين المؤسسات الأمريكية المختلفة تضعف نسبياً من مصداقية أي مواقف متشددة أمريكية كآلية للردع، مع عدم تيقن الخصوم من مدى جدية السياسات الأمريكية واتساقها) .) 3- تصاعد الخلافات الداخلية وظاهرة الحلفاء الخصوم: تُعتبر مشكلة تنامي الخلافات بين الحلفاء Inter-Alliance( Discord) في جانب منها امتداداً لإشكاليتي زيادة تعقيد الأحلاف وسيولتها، والتغير القيادي؛ فالتناقضات الناجمة عن تعقيد شبكات العلاقات التحالفية للفاعلين، وتغير القيادات وتوجهاتها وأنماطها قد تكون ضمن العوامل الأساسية لإشعال الخلافات داخل الأحلاف عبر تجديد إثارة إشكاليات مدى الالتزام برؤية مشتركة للتهديدات وكيفية توزيع الأعباء ومقايضات العلاقات التحالفية واحتمالات التوريط أو مراجعة الالتزامات على النحو السابق بيانه.

كما أن تنامي الخلافات الداخلية في الأحلاف قد يدفع بعض أطرافها للبحث عن ائتلافات وتحالفات جديدة بديلة أو مكملة لتلك القائمة، أو حتى في أسوأ الفروض القيام بتغير الانحيازات Realignment() أو الانقلاب إلى التحالف مع الأعداء أو الأحلاف والمحاور المضادة، بما يزيد من تعقيد خريطة التحالفات القائمة وتداخلها) .)

والأصل أن الاختلافات داخل الأحلاف تمثل ظاهرة طبيعية، لاسيما في إطار الأحلاف التعددية، كما تثار عادة إشكالية النمط المركب أو المعقد للعلاقات Complex( Relations) بين بعض الحلفاء في إطار وجود أبعاد للتلاقي وأخرى للاختلاف في القضايا المتنوعة، وهو ما قد يصل في بعض الأحيان إلى جمود الأحلاف أو تشرذمها أو حتى نهايتها وانهيارها حال تراكم الخلافات وعدم معالجتها وامتدادها إلى القضايا والتهديدات الأساسية المشتركة المفترض مواجهتها) .)

وتميز بعض الدراسات في هذا الصدد بين الخلافات العادية التي يرجع مصدرها إلى مشكلات التنسيق بين الحلفاء، وهو ما يظهر عادة في مراحل بداية تشكيل الأحلاف والائتلافات، وكذلك في فترات تفعيل الأحلاف خلال الأزمات والصراعات، حيث قد تظهر اختلافات حول صياغات السياسات المشتركة أو توزيع المهام والأعباء والتنسيق العملياتي، وهي خلافات قابلة للتجاوز عادة مع استمرار الأحلاف.

وفي المقابل، فإن النمط الأكثر خطورة هو ذلك المتصل بخلافات التنافس الاستراتيجي على القيادة، سواءً على مستوى الحلف أو مستويات إقليمية أدنى، إذ قد يؤدي هذا النمط إلى تصعيد متواصل وانتشار سلبي إلى مختلف مجالات العلاقات بين الحلفاء وتشرذم التحالفات وهياكلها المؤسسية) .)

لكن الجديد نسبياً هو تنامي ظاهرة الحلفاء الخصوم أو حتى الأعداء ‪Adversary/ Enemy Allies(‬ ) أو ما يوصف أحياناً بالأصدقاء /الأعداء Frenemies() ممن يحرصون على الاستمرار في العلاقات التحالفية والائتلافات، لكنهم يوظفون وجودهم في التحالف لدعم سياسات تتناقض أحياناً مع الأهداف الأساسية للأخير، وقد يتعاونون بشكل مباشر مع الأعداء الذين يفترض ردعهم أو مواجهتهم والتهديدات التي يفترض الحد منها. وقد يتحول هؤلاء الحلفاء في بعض الأحيان إلى مصادر تهديد أساسية – بأشكال غير معلنة غالباً - لأعضاء الحلف الآخرين بشكل ربما يفوق في تأثيره وسلبياته الخصوم والأعداء الظاهرين) .)

وتقدم السياسات الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط، وما خلقته من فراغات واضطرابات استراتيجية بتداعياتها السلبية خلال العقد الأخير، نموذجاً واضحاً في هذا الصدد من حيث تأثيراتها السلبية على مصالح العديد من حلفائها الرسميين وغير الرسميين إقليمياً. كما أن سياسات بعض الحلفاء الإقليميين للولايات المتحدة، مثل تركيا وقطر تقدم نماذج مقابلة للحلفاء الخصوم أو الأعداء في إطار العلاقات مع الفاعلين المسلحين من غير الدول في الأزمة السورية والليبية، وكذلك في إطار الدور التركي في تجاوز العقوبات الأمريكية والدولية المفروضة على إيران وبرنامجها النووي من خلال فجوة صادرات الذهب خاصة خلال الفترة من مارس 2012 حتى يوليو 2013 .)

وفي المقابل، تتهم تركيا الولايات المتحدة بدعم وحدات حماية الشعب الكردية في شمال سوريا المتداخلة مع تنظيم حزب العمال الكردستاني، وكذلك عدم توفير الحماية الكافية لتركيا بموجب العلاقات التحالفية بين الجانبين، بما يدفع تركيا للبحث عن تطوير قدراتها الحمائية الذاتية بالتعاون مع أطراف أخرى. ومن أبرز صور ذلك تفاوض تركيا لشراء نظام دفاع صاورخي من الصين ثم شراء منظومة إس 400 الروسية، وصولاً إلى اتهامات تركية ضمنية للولايات المتحدة بالسعي لإسقاط النظام التركي في إطار محاولة انقلاب يوليو 2016 من خلال دعم واستضافة فتح اله كولين الذي تتهمه تركيا بالمسؤولية عن الانقلاب والتلميح لمشاركة حلف الناتو في التخطيط لعملية الانقلاب وتنفيذها) .)

ويظهر ذات النمط الإشكالي في علاقات تركيا بالاتحاد الأوروبي، فعلى الرغم من الارتباطات التحالفية والمؤسسية بين الجانبين وسعي تركيا إلى عضوية الاتحاد الأوروبي؛ فإن العلاقات بين الطرفين شهدت تنامي الخلافات على ضوء قضايا تعثر العضوية وتنامي النزعات السلطوية في النظام التركي وتسارع وتيرتها بعد محاولة انقلاب يوليو 2016 مع توظيف تركيا قضية المهاجرين واللاجئين السوريين إلى الاتحاد كآلية للضغط عليه للحصول على مزايا اقتصادية ودبلوماسية وسياسية. ومع أن توظيف قضايا اللاجئين كسلاح للضغط مألوف في العلاقات بين الدول ذات العلاقات الصراعية؛ إلا أن توظيفه في إطار العلاقات التركية - الأوروبية يمكن اعتباره تجسيداً مباشراً لفكرة الحليف - الخصم) .)

وتمثل الأزمة القطرية مع دول مجلس التعاون الخليجي ومصر نموذجاً إضافياً لتحول أحد الحلفاء إلى مصدر تهديد والدخول في شبكات علاقات غير متسقة مع فاعلين من الدول وغير الدول بشكل يمثل تهديداً لمصالح الحلفاء الأساسيين مقابل سعي الأطراف المقاطعة إلى ضبط السلوك القطري وتقليل التأثيرات السلبية للسياسات القطرية إقليمياً مع اتهامها بتهديد الأمن الخليجي والعربي) .)

ثانياً: عوامل �ضعود م�ضكلات التحالفات

يطرح تصاعد المشكلات والقضايا المختلفة للتحالفات تساؤلات حول تفسيرات حدوثها وتزايدها، والآليات المقترحة لمعالجتها، وتأثيراتها على مستقبل التحالفات ذاتها. وهنا يلاحظ أن مصادر استحضار قضايا تماسك الأحلاف ومعضلاتها الأمنية تأسيساً واستمراراً وتفعيلاً تجد جذورها فيما يشهده الواقع الدولي والإقليمي الراهن، وبصفة خاصة في المنطقة العربية والشرق الأوسط، من تأثيرات متزامنة للعوامل والمحددات التي تقترحها نظريات العلاقات الدولية على المستويات المختلفة النسقية والفكرية والمحلية والمؤسسية، وذلك على النحو التالي: 1- المستوى النسقي: يرتبط تصاعد مشكلات التحالفات بتصاعد مماثل في التفاعلات القائمة لمراجعة أو إبقاء توازنات القوى العالمية والإقليمية، مع عمليات متكررة لإعادة الارتكاز

من قبل الولايات المتحدة والقوى الكبرى، وتغيرات مصاحبة في إدراكات التهديدات والفرص المتاحة، مع تفاقم الوضع في بعض المناطق، مثل الشرق الأوسط نتيجة تزايد حالات الفراغ الإقليمي على ضوء ضعف وانهيار العديد من دول المنطقة عقب عام 2011، وتزايد الطابع العسكري والتدخلي الغالب على حضور القوى الكبرى في الإقليم.

وفي هذا السياق تمثل الأحلاف سواء الناعمة )الاقتصادية والبيئية.. إلخ( أو الصلبة )العسكرية( آلية أساسية لإدارة عمليات انتقال القوة، سواء من قبل القوى الصاعدة أو القوى الساعية لموازنة هذا الصعود واحتوائه، وهو ما قد يأخذ أشكالاً تعاونية سلمية ساعية لتجنب الصراعات وتحقيق مكاسب مشتركة أثناء مراحل انتقال القوة على نحو ما يظهر جزئياً في الدائرتين الأوروبية والشرق آسيوية، أو صراعية تصادمية تسعى لإدارة الصراعات في إطار مباريات شبه صفرية أو استنزافية لمختلف الأطراف على النحو الظاهر في منطقة الشرق الأوسط.

وتساهم في تغذية هذا العامل ظاهرة انتشار القوة ‪Power Diffusion(‬ ) المرتبطة بنمو أدوار الفاعلين من غير الدول وظهور مجالات وقضايا جديدة للتفاعلات لا تمثل الدول فيها بالضرورة الفواعل الأساسية، مع اندماج هؤلاء الفاعلين وتزايد ارتباطهم بشبكات الأحلاف الدولية، وهو ما قد يأخذ بدوره طابعاً أكثر سلمية من حيث طبيعة الفاعلين والمجالات )مثل تنامي أدوار التنظيمات الدولية والإقليمية وشبكات منظمات المجتمع المدني العالمية وأدوار الشركات العابرة للحدود ومشاركتها في الأحلاف الناعمة العالمية الاقتصادية التجارية والصحية والبيئية والافتراضية بل وحتى في إطار بعض التحالفات الأمنية(، وذلك مقارنة بطابع أكثر صراعية )يرتبط بتنامي أدوار الفاعلين المسلحين من غير الدول وتحولهم إلى جزء من شبكات تحالفية غير رسمية وغير معلنة في كثير من الأحيان على نحو ما تشهده منطقة الشرق الأوسط(. 2- المستوى الفكري والأيديولوجي: تشير التفسيرات البنائية إلى ارتباط قوة الأحلاف وتماسكها )أو العكس( بدرجة التوافق القيمي والأيديولوجي، إضافة إلى تأثيرات التغيرات في إدراك الهوية والشعور بتهديدها على توليد نزعات مراجعة للتحالفات والائتلافات القائمة) .)

وفي هذا السياق يمكن تفسير تزايد إشكاليات الأحلاف إقليمياً ودولياً في ظل تطورات ذات طبيعة مزدوجة لطبيعة حضور الأفكار والأيديولوجيات؛ فمن ناحية ثمة تأثيرات سلبية وفراغات ناجمة عن ضعف أو تراجع الروابط القيمية والفكرية والأيديولوجية الجامعة في بعض أنماط التحالفات والائتلافات القائمة بما يضعف تماسكها ويزيد الإشكاليات التي تواجهها، مع تزايد نزعة إضفاء البرجماتية والتقديرات المصلحية على العديد من التفاعلات والتقدير "السوقي" لحسابات العائد والتكلفة المرتبطة بها، وهو ما يعني زيادة الطابع التكتيكي والجزئي للتحالفات والائتلافات القائمة وزيادة قابليتها للتقلب مقابل تراجع فكرة "المجتمعات الأمنية Security( )Communities المتسمة بكثافة الروابط والتفاعلات القيمية والمادية، أو حتى نمط التحالفات الطبيعية Natural( Alliance) التي تجمع بشكل أكثر توازناً بين الاعتبارات المصلحية والأمنية في مواجهة التهديدات والمخاطر من جهة والتلاقي في الأبعاد القيمية الفكرية والرؤية المشتركة للمستقبل والتوجهات الإيجابية والقيم المشتركة على المستويات النخبوية والشعبية من جهة ثانية) .)

وفي المقابل، ثمة تصاعد واضح في الاستحضار السلبي للعوامل الفكرية والأيديولوجية كمصادر للتهديد في إطار تزايد التخوفات من تغير الهوية أو مساعي تذويبها مع التوظيف السياسي لهذه المخاوف من قبل فاعلين مختلفين، بما يشكل مصدراً لإعادة تشكيل التحالفات والائتلافات الصلبة والناعمة القائمة.

ويمكن تلمس نماذج لهذه السلبيات في تحذير بعض التحليلات من التأثيرات السلبية للنمط "السوقي" لإدارة ترامب في زيادة إضعاف الأسس القيمية للروابط التحالفية الأمريكية. كما يبرز تحذير بعض التحليلات من تنامي التأثيرات السلبية لقضايا المهاجرين واللاجئين على إثارة نزعات حماية الهوية لدى الاتحاد الأوروبي ودوله، بما قد يفضي إلى مراجعة للترتيبات القائمة سياسياً واقتصادياً وأمنياً على نحو ما تجلى جزئياً في خروج بريطانيا من الاتحاد.

وعلى المستوى الإقليمي، اتضحت جوانب من تأثيرات هذا الاستحضار السلبي للأبعاد القيمية في إطار المخاوف من "النفوذ الشيعي" ومحاولات الإخوان المسلمين وبعض تيارات الإسلام السياسي "اختطاف هوية" الدول القومية، فضلاً عن التخوف من تصاعد أدوار القوى غير العربية التركية والإيرانية وصعود قوميات جديدة كالقومية الكردية مع غياب مقابل لهوية إقليمية جامعة بشكل فعال، بما يجعلنا إزاء حالة يمكن وصفها ب "صراعات أيديولوجية من دون أيديولوجيات") .) 3- مستوى النظم السياسية والقيادات: تشير الأدبيات إلى ارتباط تماسك التحالفات وكفاءتها بشكل أكبر باستقرار النظم السياسية للدول الأعضاء من ناحية وتشابهها من جهة ثانية نتيجة ما يوفره ذلك عادة من ضوابط مؤسسية تجعل التحالفات أكثر استقراراً. وفي هذا السياق يجد جزء من تزايد إشكاليات الأحلاف مصدره في تصاعد مظاهر عدم الاستقرار السياسي والأزمات الاقتصادية ومشاكل الهوية بتجليات مختلفة في النظم السياسية للدول المتقدمة والنامية على السواء، بما ينعكس على الطابع غير التقليدي في تغيير القيادات السياسية، سواءً في إطار ثورات أو صراعات أو صراعات داخلية أو تدخلات للمؤسسات العسكرية أو صعود للتيارات والقيادات

اليمينية والشعبوية والاستقطابات الداخلية الحادة، بما يزيد احتمالات تبني سياسات أكثر تحدياً للترتيبات المؤسسية القائمة داخلياً وخارجياً، والدعوة لمراجعتها، وهو ما يمتد تأثيره إلى الأحلاف السياسية) .)

وقد رصدت بعض الدراسات في هذا الصدد تأثيرات الصعود الحالي والمتوقع استمراره لأنماط القيادات "الشعبوية" - على غرار أردوغان في تركيا وبوتين في روسيا وترامب في الولايات المتحدة ودوتيرتي في الفلبين - على السياسات الخارجية والأحلاف وزيادته إشكاليات إدارتها، مع ميل هذا النمط من القيادات عادة لانتقاد الترتيبات التحالفية والائتلافية القائمة والسعي لاستحداث أخرى جديدة تحقق مزايا وسيطرة أكبر لهذه القيادات، مع تفضيل نمط الإدارة بالأزمات وارتفاع نزعات المجازفة والمخاطرة مع عدم التردد عن التراجع عن التصعيد أو الالتزامات التحالفية حال تهديد البقاء السياسي أو المصالح الاستراتيجية على نحو ما ظهر في الأزمة التركية - الروسية على خلفية أزمة إسقاط تركيا طائرة روسية فوق الأراضي السورية في نوفمبر 2015 وهي جميعاً سمات تستحضر مختلف إشكاليات بناء التحالفات وإدارتها. 4- المستوى المؤسسي والعملياتي للتحالفات ذاتها: تفسر بعض الدراسات زيادة إشكاليات التحالفات والائتلافات بضعف أطرها المؤسسية أو جمودها، بما يؤدي إلى انخفاض فاعليتها في تحقيق التنسيق وتجميع مقدرات الأطراف المتحالفة لتحقيق الأهداف المنشودة، وهو ما قد يفضي إلى تنامي الخلافات الداخلية والبحث عن تحالفات بديلة أو مكملة وتزايد النزعات الانتقادية لدى القيادات الجديدة في المطالبة بتعديل التحالفات القائمة.

ولا تقتصر هذه المشكلات على حالات الائتلافات والتحالفات الأقل مؤسسية، وإنما قد تظهر أيضاً في التحالفات المؤسسية المستقرة لفترات زمنية طويلة نسبياً حال جمودها وبطء تكيفها مع التغيرات في السياقات المحيطة، وإن كان الطابع المؤسسي بانتظامه قد يخفي هذه المشكلات مرحلياً حتى انكشافها في مواقف الأزمات، وهو ما أثارت بعض التحليلات احتمال حدوثه في حالة حلف الناتو ذاته، بالإضافة إلى العديد من الترتيبات الإقليمية الأخرى للأمن بما فيها ترتيبات النظام الإقليمي العربي ونظمه الفرعية بما يقتضي تطويرها ومراجعة مؤسساتها وعمليات صنع القرار بها) .)

ويضاف إلى ذلك تراكم التأثيرات السلبية لأخطاء قيادات التحالفات وأعضائها في إدارة التفاعلات ومعالجة الخلافات داخل الأحلاف. فمن ناحية، تمثل القيادة أحد المصادر الأساسية لاستمرار الأحلاف والحفاظ على تماسكها، وهو ما يقتضي استعداد القيادة تحمل أعباء والتزامات الحفاظ على التحالف بشكل غير متكافئ في بعض الأحيان حفاظاً على مصداقية التحالف مع مراعاة التوليف الذكي بين آليات القوة الناعمة والصلبة في قيادة الأحلاف وبناء الثقة والطابع التشاركي داخلها) .)

وعلى العكس، فإن مشكلات القيادة وأخطاء سياستها الخارجية وإثارتها مشكلات التخلي عن الالتزامات ورفع تكاليف التحالف قد تدفع الأعضاء إلى السعي للاستقلال وتأمين مصالحهم بآليات أخرى وصولاً إلى تبني سياسات خارجية متعارضة مع الحلفاء) وقد أثارت سياسات الولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط هذه الإشكاليات بشكل واضح، سواءً خلال حرب احتلال العراق وتداعياتها اللاحقة أو في مرحلة الثورات العربية وما بعدها، بما دفع حلفاء الولايات المتحدة الرسميين وغير الرسميين في المنطقة إلى السعي لتطوير بدائل أخرى بعضها يسعى لموازنة التهديدات التي ساهمت السياسات الأمريكية ذاتها في مضاعفتها، بما أفرز تعقيدات إضافية في خرائط التحالفات وإدارتها.

ثالثاً: ا�ضتراتيجيات التعامل مع م�ضكلات التحالفات الم�ضتجدة

يزيد تصاعد إشكاليات التحالفات وقيادتها وإدارتها من إعادة طرح بعض المقولات التي راجت في الفترة التالية لنهاية الحرب الباردة ثم بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 حول نهاية الأحلاف بمعناها المؤسسي طويل الأمد ومتعدد الأطراف والطابع العسكري الجامد، والتحول إلى أنماط أخرى أكثر مرونة مثل )التحالفات الجزئية، والشراكات الأمنية، والائتلافات(، نتيجة تغير طبيعة التهديدات وإدراكها والآليات المناسبة لمواجهتها) لكن الاتجاه الأرجح هو توقع استمرار الأحلاف من دون إنكار حدوث بعض التغيرات في طبيعتها؛ على ضوء انتشار القوة وتغيرات خرائط الفاعلين وتشابك القضايا؛ وهو ما تبرز تجلياته في استحداث مفاهيم جديدة، مثل الأحلاف الناعمة ‪Soft Alliances(‬ ) للتعامل مع القضايا الأمنية الجديدة أو التقليدية بآليات غير عسكرية؛ والأحلاف السيبرية ‪Cyber Alliances(‬ ) للتعامل مع تنامي تهديدات الفضاء الإلكتروني ذات الطبيعة الإدراكية وكذلك المادية الاتصالية المستهدفة للبنى التحتية للشبكات الاتصالية اختراقاً أو تدميراً؛ والأحلاف الهجينة ‪Hybrid Alliance(‬ ) التي تجمع بين الدول والفاعلين من غير الدول) .)

ولا يعني وجود هذه الأنماط الجديدة تراجع أهمية مفهوم الأحلاف بمفهومها التقليدي؛ فاستمرار احتمالات حضور الصراعات والحروب بين الدول في بعض المناطق خاصة في الشرق الأوسط وآسيا، مع انتشار هذه الاحتمالات على ضوء عودة اتجاه عسكرة بعض التفاعلات الدولية والسياسات التصعيدية لبعض القيادات – بمن فيهم ترامب - من شأنها أن تزيد من أهمية التحالفات الصلبة "التقليدية" كآليات للردع أو إدارة الصراعات) .)

وفي هذا الصدد يمكن اعتبار الصور الأخرى بما فيها الائتلافات ذاتها أحد الأنماط الخاصة للأحلاف، بل ويشهد الواقع الراهن استمرار الأحلاف الصلبة إلى جوار الصور الجديدة مثل الائتلافات السائلة) وثمة تداخل وارتباط بينهما في كثير من الأحيان؛ حيث تعتمد الائتلافات السائلة والأنماط الجديدة للأحلاف في كثير من الأحيان على الروابط والعلاقات ومصادر القوة وضمانات الردع التي توفرها الأحلاف الصلبة )وهو ما يظهر مثلاً في تكيف حلف الناتو مع تنامي التهديدات السيبرانية بإطلاق مبادرات متعددة بقيادة الولايات المتحدة لتطوير أحلاف سيبرانية لتعزيز القدرات الدفاعية

لدول الحلف، وكذلك في ركون الدول الناشطة في تكوين ائتلافات مرنة وتحالفات هجينة متعدية للحدود مع الفاعلين المسلحين غير الدول، مثل تركيا وقطر إلى الضمانات الأمنية التي توفرها التحالفات التقليدية في أوقات الأزمات سواءً حلف الناتو في الحالة التركية أو القواعد العسكرية الأمريكية والتركية في الحالة القطرية(.

ويُعتبر عكس ما سبق صحيح كذلك، إذ قد تمثل الائتلافات حال استمرارها وتكرارها في قضايا متعددة مصدراً لخلق أشباه الأحلاف ‪Quasi Alliances(‬ ،) مع إمكانية تحولها لاحقاً لأحلاف رسمية، وهو ما يظهر مثلا في تطور العلاقات التركية - القطرية على المستوى الإقليمي. لكن توفر الائتلافات درجة أعلى من المرونة لا تتوافر في الأحلاف الصلبة مقابل توفير الأخيرة درجات أعلى من الالتزام والمؤسسية في إدارة العلاقات، بما يبرر توقع استمرار النمطين معاً لأنهما يوفران مزايا نسبية متكاملة وغير متعارضة بالضرورة، مع إمكانية الجمع والتوليف بين التحالفات والائتلافات الصلبة والناعمة بما يحقق مصالح الدول في إطار التركيز على قضايا التلاقي وتحييد أو تحجيم الخلافات في إطار ما يسميه البعض "الأحلاف الذكية ‪(Smart Alliances(‬ .)

وحتى في الحالات التي تتهدد فيها الأحلاف بالتفكك، سواءً نتيجة تعارضها مع أنماط الائتلافات الأخرى لفواعل أساسيين أو نتيجة تحديات القيادة وتصاعد الخلافات الداخلية، فإن ثمة تعدداً وتنوعاً في الاستراتيجيات والآليات القائمة واقعياً والمرصودة والمقترحة نظرياً، والتي تطورها الأطراف المختلفة للتعامل مع هذه المشكلات في إطار إدارة الأحلاف والائتلافات ذاتها أو إنشاء أخرى جديدة أو إفساد الائتلافات أو التحالفات المضادة أو إضعافها.

وقد برزت في هذا السياق مفاهيم تعبر عن بروز أنماط جديدة أو إعادة استدعاء وتفصيل لآليات تاريخية بشكل مستحدث أكثر تفصيلاً، سواءً في إطار استراتيجيات الموازنة Balancing() أو الانضمام إلى الركب )Bandwagoning( أو التحوط Hedging() أو حتى الحياد والانعزال والمقاطعة، وهو ما يمكن استعراضه فيما يلي: 1- آليات الموازنة عن بُعد: تعد آليات الموازنة عن بُعد ‪Offshore Balancing(‬ ) تطويراً أكثر نشاطاً لاستراتيجيات تمرير المسؤولية ‪Buck-passing Strategies(‬ ،) حيث تتجنب الدولة تصدر التدخل المباشر لمواجهة التهديدات، وتُلقي المسؤولية في الموازنة والمواجهة العسكرية إلى قوات الحلفاء الإقليميين باعتبارهم أصحاب المصلحة الأصلية الأكبر في تحقيق التوازن ومنع الهيمنة، مع إمكانية تقديم الدعم اللوجستي لهؤلاء الحلفاء والتدخل فقط عند الضرورة وحال عجز هذه الدول، مع اتسام هذا التدخل بطابع محدود وتأخير الانخراط المباشر قدر الإمكان والانسحاب السريع فور الانتهاء من أهدافه لزيادة المكاسب المتحققة وتقليل سلبيات وتكاليف الصراع على الأرض واحتمالات التعرض لاستنزاف الموارد.

وعلى الرغم من غلبة الاستشهاد بالسياسات الأمريكية في الشرق الأوسط كنموذج لتطبيق هذه الآليات، فإنه يمكن تطبيقها – وإن بدرجة أقل - في ممارسات العديد من القوى الإقليمية الأخرى في علاقاتها بحلفائهم وبالفواعل من غير الدول، نتيجة اعتبارات متعددة، في مقدمتها عدم التمتع بالقدرات الهجومية والدفاعية، والمزايا الاستراتيجية التي تتمتع بها الولايات المتحدة الأمريكية) .)

2- آليات الموازنة الناعمة: تقوم هذه الآليات على تعاون بعض الدول – عادة بشكل ضمني غير معلن لا يصل إلى مستوى تشكيل التحالفات - لتطوير هيئات أو تفاهمات أمنية محدودة مع بعضها البعض أو التنسيق السياسي والدبلوماسي والاقتصادي والمؤسسي لموازنة مخاطر محتملة من دولة معينة، أو من قوة صاعدة، من دون الوصول إلى التهديد باستخدام القوة العسكرية أو التلويح بذلك.

وقد تجلى ذلك مثلاً في التحرك الفرنسي - الألماني - الروسي - الصيني لعرقلة سعي الولايات المتحدة لاستصدار قرارات من مجلس الأمن لإضفاء الشرعية على احتلال العراق عام 2003 وجددت بعض التحليلات اقتراح هذه الآلية بشكل أو بآخر لاحتواء نمط قيادة ترامب من خلال زيادة التنسيق بين حلفاء الولايات المتحدة وبعضهم البعض والعمل في إطار المؤسسات الإقليمية والدولية ومع المؤسسات الأمريكية الأخرى كالكونجرس والمؤسسات الأمنية من أجل ضبط العلاقات التحالفية مع الولايات المتحدة وتجنب التعرض للهجر أو التوريط أو الانخراط في تنافسات بين الحلفاء الإقليميين لاسترضاء الولايات المتحدة بما يخلق أعباء زائدة غير مبررة) .) 3- استراتيجيات الفصل أو الوقيعة: تعد آليات الفصل أو الوقيعة ‪Wedging Strategies(‬ ) من أساليب إدارة الأحلاف ومعالجتها، والتي بدأت تحظى باهتمام متزايد. وتقوم على كيفية إفساد أو إضعاف الأحلاف والائتلافات المعادية أو المهددة لمصالح الفاعل أو منع قيامها ابتداء، وهو ما يندرج ضمن استراتيجيات الموازنة السلبية الخارجية External( ‪Negative Balancing‬ ،) حيث يعمل الفاعل على تغيير توازن القوة لصالحه عبر إضعاف قدرة الخصوم أو المنافسين على تجميع أو حشد قواهم، وهو ما قد يسهم في تحييد بعض هؤلاء الخصوم أو تحويلهم إلى حلفاء للفاعل نفسه بما يغير توازنات القوة بشكل جذري) .)

وقد ظهرت نماذج متعددة لتوظيف هذه الآليات في الشرق الأوسط في إطار المساعي التركية - القطرية لإفساد المحور المصري – الخليجي، خاصة بعد التغير القيادي في السعودية، والمساعي المقابلة لإضعاف المحور التركي - القطري – الإخواني، وهو ما ظهر بشكل واضح في إطار أزمة مقاطعة قطر من قبل السعودية والإمارات والبحرين ومصر، وظهر أيضاً في التعامل الروسي مع تركيا في علاقاتها بحلف الناتو والفاعلين المسلحين في سوريا، وإن كانت درجة نجاح هذه الآليات تظل محل جدل مع التساؤل حول مدى توافر مقومات نجاحها.

ويمكن التمييز في هذا الصدد بين مسارين أساسيين لاستراتيجيات الإفساد: الأول مسار المواجهة التصادمية

‪Coercive Confrontation(‬ ) القائم على التشدد والتصلب في مواجهة كافة الحلفاء المنافسين انطلاقاً من تأثيرات ذلك في إظهار الفجوات والاختلافات في إدراك التهديدات بين الحلفاء وتقليل قدرتهم على التعاون أو الاعتقاد بأن أحد الحلفاء المنافسين على الأقل يمثل حلقة ضعيفة يمكن الضغط عليها لإخراجها من التحالف حال تعرض مصالحها الحيوية للخطر والتهديد وعدم مساعدة الحلفاء الآخرين لها، بحيث قد تلوذ هذه الدولة بالحياد أو حتى الانضمام إلى الركب الأقوى.

ويزداد تفضيل استراتيجيات المواجهة وعدم تقديم الحوافز حال الاعتقاد باختلال توازن القوة لصالح الفاعل الساعي للتقسيم، وانخفاض التماسك في التحالف المضاد، أو عدم خطورة رد الفعل العكسي حال تحركه بشكل موحد للرد على استراتيجيات المواجهة.

أما المسار الثاني الأعلى احتمالاً في النجاح، فيقوم على الاجتذاب والتكييف الانتقائي Selective( Accommodation) من خلال المزج بين آليات المواجهة والتشدد في مواجهة أحد الحلفاء المنافسين أو بعضهم مقارنة بالحوافز والتعويض لحليف آخر لاجتذابه أو تحييده، مع محورية هدف تقليل الشعور بالخطر المشترك بين أعضاء الحلف المضاد.

ويرتبط اختيار المسارات الأمثل للتفرقة أو المزج بينها بتوقيتات التدخل وبتقديرات الفاعل لمخاطر واحتمالات رد الفعل العكسي لاستراتيجيات الموازنة السلبية ‪Balancing Blowback(‬ ) في صورة دعم وتقوية التحالفات المضادة بدلاً من إضعافها، ومن ثم زيادة المخاطر التي يواجهها الفاعل؛ وهو ما يرتبط بتقديرات مدى التماسك الظاهري للتحالف بين الخصوم والمخاطر الناجمة عن زيادة التنسيق بينهم وتحركهم بشكل موحد. وبالطبع لا تقتصر محددات نجاح استراتيجيات إفساد التحالفات الأخرى فقط على قوة هذه التحالفات المضادة وتماسكها، ولكن أيضاً على قوة تحالفات الفاعل الأصلي وتماسكها، وكذلك على السياق المحيط ومواقف القوى الكبرى) .) 4- آليات التحالف الاستيعابي أو التحالفات الضابطة: يعتمد الفاعلون على آليات التحالف الاستيعابي Tethering( Alliance) أو التحالفات الضابطة، حين يصبح الهدف الأساسي للتحالف هو محاولة استيعاب الصراع بين الأعضاء وضبط سلوكهم من خلال دمجهم في مؤسسات مقيدة لهم بشكل متبادل أو تضمن زيادة الاتصالات بينهم، بما يقلل من احتمالات سوء الإدراك وتصاعد الصراعات.

وتتعدد وظائف التحالفات الضابطة وأهدافها في هذا الصدد، بين مجرد مراقبة ومتابعة الخصم أو مصدر التهديد المتوسط، إلى محاولة تقليل احتمالات انضمامه إلى تحالفات مضادة أو تشكيلها، أو التفاهم أو التوافق، وصولاً إلى محاولة التحكم في الخصم وضبطه بحسب هياكل القوة القائمة ونمط إدارة التحالف.

وقد تختلط هذه التحالفات بنمط الانضمام إلى الركب حال اختلال توازن القوة بشكل واضح لصالح الطرف المفترض استيعابه، لكن يظهر تميز النمط التقييدي بشكل أكبر في حالة التقارب النسبي في القوى، أو ممارسة قوة أكبر لهذا النمط التحالفي لاستيعاب قوة صاعدة أو إقليمية ذات توجهات تشكل تهديداً متوسطاً لمصالحها.

وثمة تدرج تفترضه الدراسات في أنماط التحالفات حسب درجة التهديدات، ففي حالات التهديد المنخفضة تلجأ الدول لاستراتيجيات وأحلاف التحوط ذات الالتزامات المحدودة والمرنة مع توزيع التحالفات في اتجاهات متنوعة. أما في حالات التهديدات المتوسطة فتلجأ الدول إلى التحالفات التقييدية أو الضابطة بالتعاون مع الخصوم أو مصدر التهديد، بينما تنتقل الدول في حالة ارتفاع مستويات التهديد إلى التحالفات الموازنة، ثم الانضمام للركب في حالة الفشل في الموازنة.

وبينما تتسم التحالفات الموازنة والقائمة على الانضمام إلى الركب بدرجة عالية نسبياً من التماسك الداخلي، فإن التحالفات التحوطية والتقييدية الضابطة تتسم عادة بدرجة أقل من التماسك الداخلي) ويتداخل نمط التحالفات الضابطة مع نمط آخر أقل مؤسسية هو "التحالف المؤقت مع الأعداء ‪Alliance with"‬ Enemy والقائم على البحث عن الأعداء المشتركين مع العدو القائم وبحث إمكانية التحالف الجزئي المرحلي معه في مواجهتهم، بما يقلل الجهد المستنزف في مواجهة هذا التهديد المشترك، بديلاً عن خوض مواجهة مع عدوين بشكل متزامن، وهو ما كان أحد الأفكار التي طرحها ترامب قبل وصوله للسلطة حول التعاون مع روسيا في مواجهة الجماعات الإرهابية في سوريا) .) -5 استراتيجيات التحوط: تمثل استراتيجيات التحوط ‪Hedging Strategies(‬ ) إحدى أكثر البدائل المطروحة حديثاً على المستوى النظري والقابلة للتوظيف في الواقع من قبل مختلف القوى الكبرى والمتوسطة والصغرى على السواء للتعامل مع حالات عدم اليقين وتعدد التهديدات في البيئة المحيطة.

وتقوم فكرة التحوط على سعي الفاعل لتجنب المخاطر أو تقليلها عبر تبني خيارات سياسية متعددة في الوقت ذاته، لها نواتج وتأثيرات تصب في اتجاهات متعارضة ظاهرياً للتعامل مع بيئات ومواقف خارجية عالية المخاطر تتسم بدرجات مرتفعة من عدم اليقين. وتمثل سياسات أو استراتيجيات التحوط بدائل للدول للتعامل مع المواقف التي يصعب فيها الحسم بين خيارات أكثر مباشرة )مثل الموازنة أو الحياد أو الانضمام المباشر للركب(. ولا تعني سياسات التحوط افتقار الفاعل لتحديد واضح ودقيق لمصالحه وأمنه، لكنها تقوم على مرونة

لقد برزت عدة مفاهيم وآليات جديدة نسبياً تعبر عن التكيف نظرياً وواقعياً مع التحولات الراهنة في التحالفات، دولياً وإقليميا، كما يظهر في إطار "اسراتيجيات الموازنة"، و"اسراتيجيات التحوط"، و"الانضمام إلى الركب"، و"التحالفات الاستيعابية"، "والموازنات السلبية الخارجية"، وغيرها.

أكبر في محاولة الإمساك بأكبر قدر من البدائل لتأمين تحقيق هذه المصالح، فيما يشبه عمليات تنويع المحفظة الاستثمارية بين مختلف الأسهم والسندات، عبر الجمع مثلاً بين آليات الانخراط الإيجابي والتكامل من جهة، والسياسات الواقعية للموازنة والتعاون الأمني من جهة ثانية.

ولا يعني ذلك بالضرورة التوزيع المتوازن بين جميع هذه البدائل، إذ قد يكتسب بعضها ثقلاً نسبياً أكبر، بحيث تبدو الدولة كما لو كانت تتبنى رهاناتٍ كبيرة في اتجاه معين عبر تبني استراتيجية الانضواء في ركب قوى كبرى مثلاً )مثل لجوء قطر لخيار الاحتماء بالمظلة الأمنية الأمريكية عبر استضافة أكبر القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة على أراضيها(، مع القيام برهانات أصغر في اتجاهات أخرى بفتح قنوات اتصال مع أطراف معارضة - ظاهرياً على الأقل - لهذه القوة الكبرى بما يمثل نوعاً غير مباشر من استراتيجيات الموازنة وعدم الخضوع الكامل للقوى الكبرى )مثل حفاظ قطر على علاقات طيبة مع إيران والحركات الإسلامية في المنطقة(، وتقليل مخاطر الصراع أو الاستهداف من قبل أي من القوى الإقليمية أو الفواعل من غير الدول بل وتوفير فرص للصعود الإقليمي حال تغير المعادلات لصالحهم، مع السعي لبلورة صياغات تقلل التعارض الظاهر بين هذه الاستراتيجيات )مثل الدفاع عن هذه القنوات كآليات تسمح للقوى الكبرى بالانخراط غير المباشر مع خصومها، أو إضفاء الاعتدال على سلوك هؤلاء الخصوم، أو شعارات السياسة الخارجية متعددة الأبعاد والبعد عن المحاور والاستقطابات، وغيرها() .)

خاتمة

على الرغم من أن التنوع والتطوير في استراتيجيات وآليات إدارة التحالفات يستهدف بالأساس زيادة فاعلية توظيفها ومعالجة إشكالياتها، فإن الطابع الجمعي المعقد للأحلاف وتفاعلاتها والمزج بين هذه الاستراتيجيات قد يؤديان إلى تحول هذا التنوع ذاته إلى مصدر إضافي لمشكلات جديدة، على نحو ما يظهر مثلاً في التأثيرات السلبية لسياسات الموازنة عن بُعد الأمريكية وسياسات التحوط التركية والقطرية.

ويمكن اعتبار هذا التداخل بين الإشكاليات والمعالجات جزءاً من ظاهرة أوسع للدوائر المفرغة الإيجابية والسلبية للأحلاف؛ فإذا كان من المتوقع أن نجاح الأحلاف والائتلافات يؤدي إلى استمرارها وتكرارها في مواجهة تهديدات وقضايا جديدة، فإن الواقع يكشف أن معالجة فشل أو إخفاق الأحلاف والائتلافات لا تكون عادة عبر هجرها بل في كثير من الأحيان عبر تكوين أخرى جديدة، حيث قد يتوقع الفاعل أن تضمين أطرافاً جديدة أو استبعاد بعض الأطراف القائمة أو تغيير آليات التنسيق والتعاون وإدارة التحالف داخلياً وخارجياً قد يؤدي إلى اختلاف النواتج.

ويمكن أن يُفسِر ذلك جزئياً حالة السيولة في بعض التحالفات والائتلافات الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط، وكثرة توالد التحالفات والائتلافات واستمرار بعضها على الرغم من وضوح تأثيراتها السلبية في تواصل الصراعات والأزمات بل وتصعيدها وتوليد أخرى جديدة في كثير من الأحيان، بما قد تقتضي معالجته البحث عن بدائل أوسع وأكثر تعاونية من سياسات الأحلاف والمحاور في إطار ترتيبات إقليمية مشتركة للأمن أو الأمن الجماعي، وصولاً إلى تكوين مجتمع أمني إقليمي؛ وهو ما قد يبدو متعذراً في المرحلة الحالية، لكنه غير مستحيل مستقبلاً من واقع خبرات دول وأقاليم أخرى.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.