ذئاب الإقليم:

الاشتباك مع محاولات السيطرة على ”عرب“ الشرق الأوسط

Trending Events - - News -

الاشتباك مع محاولات السيطرة على "عرب" الشرق الأوسط د.محمد عبدالسلام

لا يوجد مفهوم في العلاقات الدولية، حتى الآن، اسمه "التبجح"، لكن أصبح من الممكن رؤيته بالعين المجردة في التفاعلات التي تجري في الشرق الأوسط، فهناك موجات لا تتوقف من "السلوكيات السيئة" غير المبررة وغير المنطقية التي لا تراعي قواعد أو مصالح أو حتى منطقاً، تتمثل في توجهات وسياسات و"تصريحات" القوى الإقليمية الرئيسية المحيطة بالمنطقة العربية، كإيران وتركيا وإثيوبيا، أو الموجودة فيها كإسرائيل، إضافة إلى الحالة العربية المستعصية قطر، والفاعلين التابعين لهم داخل الدول العربية، بدعم أو بتجاهل عدد لا بأس به من العواصم الرئيسية في العالم، فقد بدا الجميع وكأنهم قرروا التخلص من الدول العربية.

حالة الطبيعة

أكاديمياً، يصعب تفسير ما يجرى إلا بالعودة إلى ما كتبه "توماس هوبز" عام 1651 في )Leviathan( عن الوحوش والذئاب في "حالة الطبيعة"، وأسباب النزاع بين البشر في عصر "انعدام التعقل"، فلو كان من الممكن الاستناد حتى إلى مفاهيم المصلحة والقوة، في أكثر نظريات العلاقات الدولية واقعية، لما ظلت الأسئلة نفسها تطرح من دون إجابات مقنعة لسنوات، فماذا تريد قطر بالضبط؟ وماذا تفعل تركيا؟ ومن يتخذ القرار في إيران؟، يضاف إليها حالياً أسئلة عما تدفع إليه إسرائيل في المنطقة الكردية، وما تقوم به إثيوبيا في إدارة مشكلة سد النهضة. أما بالنسبة ل "القوة" فإن الإجابة بسيطة، وقد سمعت مراراً، فهم يفعلون ذلك "لأنهم يستطيعون"، أو يتصورون ذلك.

على الجانب الآخر، تتم إقامة سيرك للدول العربية "المتبقية"، في ملتقيات دولية يفترض أنها شديدة الجدية، بأسئلة لا يوجد ملل من تكرارها، فلماذا قامت مصر بإزاحة الإخوان من الحكم؟ ولماذا ترسل السعودية قواتها إلى اليمن؟، ولماذا تتحرك الإمارات نحو مناطق التوتر الإقليمية؟، ولا يتم سماع الإجابات عنها، فلا يفترض أن تقوم دولة بالحفاظ على بقائها مما يشبه احتلالاً داخلياً، ولا يتصور أن تقوم الدول بالدفاع عن أمنها تجاه خطر وشيك، أو أن عليها أن تنتظر وصول التهديدات أراضيها. لكن كل ذلك لا يمثل شيئاً قياساً على ما يقال حالياً في إطار أزمة قطر.

في لقاء أكاديمي عقد مؤخراً، كان النقاش يدور حول الموقف الأمريكي من أزمة قطر، والأسباب التي تدفعها لاتخاذ موقف غير محدد، وكان المتحدث دبلوماسي أمريكي سابق، قدم ما يشبه التوصية، قائلاً "إن واشنطن لن تقف إلى جانب هذا المعسكر، لأنهم يقولون إن الدوحة تسبب لهم مشكلة، حتى لو اقتنعت بذلك، فعليهم إقناع واشنطن بأنها تسبب لها أيضاً المشكلة نفسها، إما دون ذلك، سيكون موقفها هو ‪Turning a blind eye(‬ .") فلن يتدخل أحد بجدية في " مسألة" لا تمسه مباشرة، ويرتبط الباقي بتحليله لمصالحه مع الطرفين، وقدرة كل طرف على التأثير عليه داخلياً، وتحوّل التوجهات من إدارة لأخرى.

المسألة، أن ذلك مقبول بمنطق السياسة العملية، أي أنه إذا لم تكن عواصم عالمية مؤثرة معنية بما إذا كانت أطراف أو جماعات في الإقليم تشكل تهديداً للدول العربية، فإنه بالمنطق نفسه ليس عليها أن تتدخل في الطريقة التي تدير بها هذه الدول توجهاتها إزاء ما تعتبره هي مصدر تهديد لها، لكن ما يحدث في "عالم الأكاديميا" على الأقل، أن المشاركين من بعض الدول العربية في مؤتمرات دولية حالياً، يتعرضون حرفياً لمحاكمات، فدولهم تتبع سياسات حادة، وليسوا قادرين على الحوار، أو أن المسألة كلها "تنافس إقليمي" أو "قادة جدد"، وإذا تم الرد على كل ذلك تأتي "الديمقراطية الليبرالية" وقيادة السيارات.

إن كل ذلك يمكن أن يحتمل، أو يدار، على الرغم من تعقيداته، لكن ما يقلق في واقع الأمر هو "الصورة الكبرى"، التي تعتم عليها أحياناً أصوات المعارك الإلكترونية اليومية، وهي التي تتعلق بحجم التصدعات التي تحدث في العالم العربي، بفعل سلسلة لم تتوقف من التفجيرات على أراضيه، منذ احتلال العراق 2003، مروراً بالثورات المتتالية، وتوحش المتطرفين، والتدخلات الإقليمية، ثم مشكلة قطر، والمنطقة الكردية، وإذا كان هناك من يتصور أننا نواجه حالياً "سيناريو الكابوس"، فعليه أن ينتظر ما سيحدث إذا تم تقسيم "دول الاضطرابات" العربية.

الجوار الخطر

هنا تأتي دلالات "التبجح" فيما يثار حالياً من جانب الأطراف المشار إليها في البداية، فهم حتى لا يرهقون أنفسهم في تقديم مبررات تناقش، لدرجة يضطر معها بعض المشاركين العرب لترديد العبارة الشهيرة "نحن لسنا أطفالاً". ولا تتعلق المسألة هنا بالقدرة على الرد على ذلك، إذ إن المقلق هو أن تلك الأطراف تتعامل مع المنطقة العربية وكأنها انتهت، وأن الدول الرئيسية بها تتجه نحو "الخسوف"، وأنه لم يبق سوى تقسيمها أو تحجيمها، وعليها أن تقبل مصيرها

كأي طرف واقعي، فبعض ما يُقال في المؤتمرات الدولية كالتالي: 1- إن كل ما تقوم به إيران في المنطقة يرتبط بالطريقة التي تفهم بها أمنها، فهي تريد "تجميع أوراق" للردع والتفاوض مع الأطراف التي تستهدفها، فتواجدها في العراق "ملء فراغ" حتى لا يتم استهدافها، وعنصر مساومة مع واشنطن، وعلاقتها بحزب اله جزء من المواجهة مع إسرائيل، كما أنها أصلاً– ويمكن تخيل أن ذلك يقال– لا يوجد لها وجود مؤثر في اليمن، و"الشعب اليمني ليس في حاجة إلى من يسلحه أو يعلمه القتال".

أكثر من ذلك، فإن أغرب ما يقال أن إيران دولة تعمل حالياً على الحفاظ على الأمر الواقع )الذي هو وجودها في 4 دول عربية على الأقل(، أما الدول العربية، وأولها السعودية، فهي التي تريد تغيير الأمر الواقع، من خلال "سياسات حادة" تسبب عدم الاستقرار، وعليها )كما كان الجميع يضغطون من أمريكا الشمالية إلى الدول الإسكندنافية( أن تفتح قناة حوار مع إيران. 2- إنه كان يجب على "الدول الأربع" أن تكون أكثر واقعية في التعامل مع قطر، فكثير من دول العالم، إن لم يكن معظمها، يدعم جماعات إرهابية ويحتفظ بعلاقات مع متطرفين، بشكل أو بآخر، لأسباب عملية خاصة بتجنب المخاطر أو التوظيف أو الصفقات أو المعلومات، والأهم– وقد قيل ذلك مباشرة على مستويات قيادية– "إن كل الدول تتدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى" بصورة ما، فلماذا تم اتخاذ تلك القرارات الحادة ضد الدوحة؟، ولماذا لا يتم الحوار معها من دون شروط مسبقة، على أساس مبدأ سيادة الدول؟ هذا على أساس أن قطر كانت تحترم سيادة الدول، وكفى. 3- إن الحدود التي قامت على أساسها دول المنطقة حدود مصطنعة، وهذه مقولات إسرائيلية، وأنها هي التي تسببت في كل المشاكل الحالية، عندما انفجرت الدول من الداخل بفعل الثورات، وأنه لكي يتم الحفاظ على استقرار الإقليم في الفترة القادمة، يجب رسم الفواصل على أساس الحدود الطبيعية والديموجرافية التي ستكون "حدوداً آمنة"، ولا يهم عدد الكيانات التي ستتكون منها دول، مثل سوريا والعراق وليبيا، أو غيرها، وأنه مهما قيل بشأن المشاكل التي قد تنتج عن استقلال المنطقة الكردية في العراق مثلاً، فإن الوضع سيكون أفضل مع الوقت "فإسرائيل ذاتها قامت بينما كانت عدة دول تهاجمها عسكرياً". وعموماً "فإن إسرائيل ليست في حاجة إلى هذه المنطقة كلها"، فإطارها الطبيعي يقع في "وادي السيليكون"، وكفى أيضاً.

أما تركيا، فإن هناك حالة غضب غربي تجاهها في الوقت الحالي، وتثير سياساتها الحالية متاعب في الداخل ومشاكل في الخارج، ولم يعد لها أصدقاء كثيرون، وبدأت في التحرك بعيداً عن دوائر اهتماماتها التقليدية، وتتمثل مشكلتها مع الجميع، في المنطقة والعالم، في تصورات أردوجان ب "أنها أصبحت قوية لدرجة تمكنها من القيام بما تريده، من دون الالتفات لأحد".

الرد في الميدان

مرة أخرى، فإن المسألة ليست الرد كلامياً على ما سبق، أو ما هو أكثر تمادياً منه، ولن يفيد ذلك كثيراً، فالمنطقة حالياً ليست ساحة جدال، وإنما "ساحة معارك" تشنها الأطراف التي تعتقد "أنها تستطيع" بمنطق ‪Eat or be(‬ ،)eaten وبالتالي فإن أي دولة عربية تبدو عليها أي علامات ضعف سوف تسحق، ولن يتورع أحد عن الاستيلاء على ما يمكنه الاستيلاء عليه من مواردها أو أراضيها أو "سيادتها"، وإسقاطها إن أمكن. والملفت للانتباه، أنه إذا تمت متابعة ما يقال في عواصم الإقليم الأخرى، كطهران وأنقرة وتل أبيب مثلاً، عن بعضها البعض، سيتم اكتشاف سياسة عملية من نوع آخر، تتسم بنوع من العقلانية التي تستند إلى مبادئ منسية كالتعايش السلمي مع "جار خطر" أو عدم المغامرة في التعامل معه على الأقل. إن هناك تقديراً ذائعاً يتشكل حالياً بأن شيئاً لن يعود إلى ما كان عليه، وهو دقيق إلى حد ما، فسوف تتغير ملامح الإقليم بالفعل، لكن لكى لا يتم "البكاء على ملك لم تتم المحافظة عليه" من جانب الدول العربية، فإن ما تقوم به الدول الأربعة حالياً يجب أن يستمر، وأن يتطور باتجاه التأكيد على ما اسماه "ليدل هارت" قديماً "استراتيجية العمل"، فلم يعد أحد يرتدع من دون أن يتم المساس به فعلياً وبشكل مؤلم، بعكس مفاهيم استخدام القوة في "زمن الحسابات العقلانية"، التي تترك مجالاً لمصالح مشتركة، والمشكلة هنا واضحة، ففي ظل موازين القوة القائمة ستكون المواجهات طويلة ومكلفة، وتتضمن ألماً أيضاً، وربما مفاجآت من نوعية "البجع الأسود"، والأكثر أهمية هو الاعتماد على النفس، فلن يمد أحد يداً لمساعدة الدول العربية، على الأرجح.

وفي النهاية، فإن "التحالف الرباعي" الحالي بين الدول العربية، يجب أن يتم توسيعه بصورة ما، ليس لامتلاك قدرات أكبر، ولكن للتوافق حول تصور عام، فقد أظهرت أزمات المرحلة الأخيرة أن هناك أطرافاً عربية "لديها توجهات معاكسة"، أو تفضل أن تنأى بنفسها عما يدور، لكن تفاهماً مع "من يبدو راغباً"، على أسس للدفاع عن منطقة تمثل فيها الدولة– مع مرونة بشأن شكلها – الوحدة الأساسية في مواجهة الكيانات الصغيرة، والقيم المدنية في مواجهة التيارات المتطرفة، والهوية العربية المستندة إلى إسلام معتدل في مواجهة الطغيان الإقليمي، مع إعادة تعريف كل ما يحتاج ذلك، يمكن أن يشكل تصوراً مشتركاً، يمثل بديلاً للفراغ العربي والتبجح الإقليمي، في أصعب مرحلة تواجهها المنطقة في تاريخها الحديث.

د. محمد عبدالسلام مدير المركز أبوظبي، 15 أغسطس 2017

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.