‪:Media Wars‬

أساليب غير تقليدية لحروب الإعلام بين موسكو وواشنطن

Trending Events - - News - بسمة الإتربي باحثة بوحدة دراسة التحولات السياسية، المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، أبوظبي

أساليب غير تقليدية لحروب الإعلام بين موسكو وواشنطن بسمة الإتربي

أدى تصاعد الحرب الإعلامية بين روسيا والولايات المتحدة لطرح مراكز التفكير الأمريكية الليبرالية توصيات حادة، مثل حجب القنوات الإخبارية المدعومة من موسكو، وتأسيس قنوات ناطقة بالروسية للتأثير على توجهات الرأي العام الروسي، ومنافسة المنصات الإعلامية الموالية للكرملين. كشف وصف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لوسائل الإعلام بأنها "عدو الشعب الأمريكي")1(، تزايد حدة الصدام بين الإدارة الأمريكية، والمؤسسات الإعلامية مثل "سي إن إن" و"نيويورك تايمز"، خاصةً عقب اتهام ترامب لها بنشر أخبار كاذبة تستهدف تضليل الشعب الأمريكي والعالم.

وتزامن ذلك مع انتشار مصطلح "الحروب الإعلامية" لإشارة للحرب الباردة الجديدة بين الولايات المتحدة وروسيا، إذ اتجهت بعض مراكز التفكير الأمريكية، مثل مؤسسة راند والكيانات الإعلامية الليبرالية الشهيرة، مثل "مجلة الأطلنطي" لطرح توصيات متعددة للتعامل مع الإعلام التابع لموسكو يتصدرها إغلاق القنوات الروسية، وهو ما يمثل ارتداداً عن الأفكار الليبرالية التي تأسس عليها النموذج الأمريكي)2.)

وعلى الرغم من الجدل الذي أثارته هذه المقترحات، فإنها لا تعد تطوراً جديداً في السياسة الأمريكية، حيث أشار "جي آر يودر" إلى أن إجراءات التضييق على الإعلام ترجع إلى فترة حكم الرئيس الأميركي الثاني جون آدامز )1779 – 1801(، الذي ينسب إليه إقرار "قانون التحريض على الفتنة" عام 1798 والذي جرم انتقاد الحكومة وتضمن قيوداً على حرية التعبير)3.)

وتدحض هذه الحادثة، بالإضافة إلى نماذج أخرى في التاريخ الأمريكي، المقولات المتداولة حول تقديس حرية الرأي والتعبير والصحافة في الولايات المتحدة.

اأولاً: اتجاهات الهيمنة الاإعلامية

يرتبط احتدام "حرب الإعلام" بين الولايات المتحدة وروسيا بالجدل النظري حول دور الإعلام في "تأطير الواقع" Framing( Reality،) والتأثير في توجهات المتابعين وأولوياتهم وتشكيل تفضيلات الرأي العام.

وتعتمد الدول على ترسانة ضخمة من وسائل الإعلام التابعة لها في الدفاع عن مصالحها، ومواجهة التهديدات وتبرير سياساتها الإقليمية والدولية، واختراق مجتمعات الدول الأخرى، والتأثير على توجهاتهم بما

يحفظ الأمن القومي للدولة ويحقق مصالحها، مما أدى لتزايد الارتباط بين الإعلام والأمن القومي)4.)

وتؤكد "نظرية الهيمنة الإعلامية" أن المؤسسات الإعلامية يتم توظيفها من جانب النخب السياسية والاقتصادية في الداخل للدفاع عن شرعيتها والحفاظ على مستويات التأييد عبر التحكم في تدفقات المعلومات والأفكار التي تطرحها وسائل الإعلام)5.)

وعلى المستوى الخارجي، يتولى الإعلام نشر الدعاية الداعمة لمصالح الدولة، إذ اعتمد الحلفاء في الحرب العالمية الثانية على "هيئة الإذاعة البريطانية" لتعزيز الهيمنة على "تحديد معايير النصر والهزيمة"، وهو ما تكرر خلال الحرب الباردة التي شهدت مواجهة الإعلام الغربي مع الإعلام السوفييتي وإعلام الدول الأعضاء بحلف وارسو)6.)

واختلف النموذج الروسي في إدارة الحروب الإعلامية خلال الحرب الباردة عن نظيره بالدول الغربية، حيث كانت روسيا تطلق على حروب الإعلام "التضليل الإعلامي"، بينما اعتبرتها الولايات المتحدة وحلف الناتو "دعاية إعلامية")7.)

وتجددت "الحرب الإعلامية" بين روسيا والغرب بسبب سعي موسكو للدفاع عن سياستها الخارجية في مواجهة الحملات الدعائية الغربية، وكشف التناقضات في الخطاب الإعلامي الغربي، والتأثير في توجهات الرأي العام العالمي من خلال منصات إعلامية متعددة تشمل القنوات التلفزيونية ووكالات الأنباء والصحف ومواقع التواصل الاجتماعي 8).)

ثانياً: تغيرات الم�ضهد الاإعلامي

تختلف "الحرب الإعلامية" الدائرة حالياً بين روسيا والولايات المتحدة عن المواجهات الإعلامية وحروب الدعاية خلال الحرب الباردة، إذ شهد المشهد الإعلامي تحولات متعددة، تتمثل فيما يلي:

1- صعود الإعلام الافتراضي: تزايد الاعتماد على الانترنت ومواقع التواصل الاجتماعي في الوصول للمعلومات ومتابعة الأخبار، خاصة من جانب الشباب، وتعد هذه المنصات الإعلامية غير قابلة للتحكم فيها أو السيطرة على تدفقات المعلومات التي تُبث من خلالها.

2- سرعة انتشار المعلومات: أضحت المعلومات تنتشر بسرعة خاطفة على شبكات التواصل الاجتماعي، مثل "انتقال الصدى في الغرف المغلقة"، من دون التدقيق في مدى صحة محتواها، مما أدى لانتشار الشائعات والمعلومات المضللة عبر الإنترنت)9.)

3- تزايد الأخبار الكاذبة: أدت سرعة انتشار المعلومات وفوضى الإعلام الافتراضي على شبكات التواصل الاجتماعي إلى نشر العديد من الأخبار الكاذبة، نتيجة لتراجع الوعي الإعلامي وعدم التمييز بين الأخبار الصحيحة والكاذبة.

ثالثاً: تكتيكات «حرب الاإعلام» الرو�ضية

تمكنت روسيا من تطوير أساليب متعددة لإدارة "الحروب الإعلامية" في مواجهة الغرب في إطار استراتيجية "الحرب الهجينة ‪Hybrid War(‬ ،) التي تتبعها موسكو في مواجهة الولايات المتحدة وحلف الناتو.

وعززت روسيا من انتشار وسائل الإعلام التابعة لها، مثل "روسيا اليوم" و"سبوتنيك" لمواجهة الحملات الإعلامية الغربية، خاصة في أوروبا الشرقية 10)(، كما اتبعت روسيا عدة أساليب وتكتيكات في إدارة الحرب الإعلامية، تتمثل فيما يلي: 1- كثافة تدفق المعلومات: تعتمد الاستراتيجية الإعلامية الروسية على نشر المعلومات الواحدة عبر أكثر من قناة، وبأكثر من صيغة، حيث يتم تكرار بث الرسالة نفسها من عدة مصادر، مثل المنتديات والقنوات الإخبارية والمنصات على مواقع التواصل الاجتماعي، مما يزيد مصداقية التغطية الإعلامية باعتبار أن "الكم الضخم للمعلومات عادة ما يكون مرادفاً للمصداقية")11.) 2- سرعة التغطية الإعلامية: تنشر وسائل الإعلام الروسية تغطيات إخبارية سريعة ومتتابعة على مدار الساعة، مما يؤدي لتعزيز ارتباط المتابعين بها وإيمانهم بمصداقية الأخبار والتحليلات الصادرة عنها كما تتعزز مصداقية القصة بنشر رسائل متكررة ومستمرة على مواقع التواصل الاجتماعي بالتزامن مع البث التليفزيوني. 3- الاستشهاد الانتقائي بالمصادر: تعتمد وسائل الإعلام الروسية على اجتزاء الحقائق وصياغة روايات غير دقيقة عن الواقع وتحرير الصور، بالإضافة للاستشهاد الخاطئ بالمصادر الموثوق بها، وعلى سبيل المثال، نشرت روسيا اليوم تصريحاً نسبته إلى براون موسز المعروف بموقفه المعارض لنظام الأسد، يتضمن ادعاءات بأن المعارضة السورية نفذت هجمات بالأسلحة الكيماوية في 21 أغسطس 2013، وهو ما تبين أنه تصريح مُفبرك، وأن التصريح الحقيقي لموسز يتضمن انتقاداً لنظام الأسد. 4- التغطية التراكمية للأحداث: تقوم وسائل الإعلام الروسية بتغطية التطورات بصورة تراكمية من خلال متابعة الأحداث منذ بدايتها ونشر التطورات فور حدوثها، وهو ما يعزز ارتباط الجمهور بها واعتماده عليها، ويتم التغلب على التناقضات في المتابعات المنشورة لبعض الأحداث بعرض وجهات نظر مختلفة وآراء متعددة حول القضية الواحدة في محاولة لنفي اتهامات التضليل والانحياز. 5- مراقبة مواقع التواصل الاجتماعي: تسعى روسيا للسيطرة على النقاشات الافتراضية حول السياسات الروسية

على مواقع التواصل الاجتماعي، وتعمل فرق الرصد والمتابعة الروسية لإنترنت على مدار الساعة في فترتي عمل متتابعتين تصل كل منهما إلى 12 ساعة، وينبغي أن يستوفي كل منهم حصة يومية قدرها 135 تعليقاً بحد أدنى 200 حرف لكل تعليق للرد على الآراء والتعليقات العدائية الموجهة للسياسات الروسية)12.)

وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى وجود 1.7 مليار مستخدم نشط على فيس بوك وحده يعتمدون على صفحات الأخبار في متابعة الأحداث والتطورات، وتتميز هذه المنصات الإعلامية الافتراضية بسرعة انتشار المعلومات بسبب إعادة نشرها من جانب ملايين المستخدمين حول العالم 13).)

رابعاً: نموذج «رو�ضيا اليوم»

تعد "روسيا اليوم" نموذجاً على كيفية توظيف الإعلام في الدفاع عن مصالح الدول، حيث تمكنت من اجتذاب أكثرمن مليار مشاهدة لفيديوهاتها المنشورة على اليوتيوب، مما جعلها القوة الضاربة في ترسانة الإعلام الروسي.

وتشرف "مارجريتا سيمونيان" التي تدير "روسيا اليوم" منذ 2005 على الدفاع عن المصالح الروسية ومنع هزيمة موسكو في "حرب الصور" في مواجهة واشنطن، وهو ما دفع الكرملين لزيادة ميزانية "روسيا اليوم" عشرة أضعاف من 30 مليوناً إلى 300 مليون دولار في عشر سنوات 14).)

ويرتبط الاهتمام الروسي بتعزيز دور "روسيا اليوم" بخسارة موسكو تعاطف الرأي العام العالمي خلال هجومها على أوسيتيا الجنوبية وجورجيا في عام 2008 بعد الحملات العدائية من جانب الإعلام الغربي التي صورتها كدولة معتدية تهدد دول الجوار.

ويتمثل الهدف الأساسي ل"روسيا اليوم" في نزع المصداقية عن وسائل الإعلام الغربية، وإقناع الجمهور بترويجها أفكاراً وآراء تخدم المصالح الأمريكية والأوروبية، وهو ما أكدته سيمونيان في مقالها المنشور في مارس 2014، حيث أشارت إلى أن الصحفيين في "روسيا اليوم" يكشفون الوجه الحقيقي للولايات المتحدة ويواجهون النفاق الذي تروج له من خلال روايتهم للحقيقة)15.)

وتسعى "روسيا اليوم" لإنهاء الاحتكار الغربي لوسائل الإعلام الجماهيرية والرأي العام العالمي من خلال التغطية المضادة لوسائل الإعلام الغربية، والإيعاز بصورة غير مباشرة أن وسائل الإعلام الغربية تفتقر إلى الموضوعية والمصداقية، بسبب دفاعهم عن مصالح دولهم ومحاولتهم الترويج للأفكار والقيم التي تتلاءم مع الثقافة الغربية) .)

وتمكنت "روسيا اليوم" من تحقيق انتشار عالمي واسع النطاق عبر الاعتماد على مقدمي برامج أمريكيين وأوروبيين ومحررين من الشباب يصل متوسط أعمارهم إلى 30 عاماً يتقنون جميعاً اللغة الإنجليزية، بالإضافة إلى التوظيف النموذجي للتكنولوجيا البصرية.

واجتذبت "روسيا اليوم" اهتمام وسائل الإعلام العالمية في عام 2013 بعد انضمام الإعلامي الأميركي الشهير، "لاري كينج" إلى فريقها بعد عمله في سي إن إن لمدة 25 عاماً. ويقدم كينج برنامجاً في "روسيا اليوم" بعنوان "المناورات السياسية مع لاري" 17)(، وهو ما أضفى مصداقية على روسيا اليوم في مواجهة الاتهامات بنشر أخبار كاذبة ومضللة.

وتواجه وسائل الإعلام الروسية ضغوطاً غربية متصاعدة وصلت إلى حد التهديد بحجب البث ومنعها من تغطية الأخبار وحظر عمل المراسلين والمكاتب الإعلامية التابعة لها داخل هذه الدول، حيث أعلنت هيئة تنظيم الاتصالات البريطانية Ofcom() في عام 2012 أن "روسيا اليوم" قامت بانتهاك قوانين البث بسبب الافتقار إلى الدقة والموضوعية في التغطيات الإخبارية والتضليل المعلوماتي المُتعمد للمتابعين) .)

خام�ضاً: مواجهة الحروب الاإعلامية

تبنت مراكز التفكير الأمريكية عدة توصيات لمواجهة "حرب الإعلام مع روسيا"، حيث دعا المجلس الأطلسي إلى تعزيز الرقابة على الإعلام الروسي، وأطلقت مؤسسة راند عدة توصيات لمواجهة وسائل الإعلام التابعة لموسكو، يتمثل أهمها فيما يلي: 1- احتكار السبق الإعلامي: أوصى خبراء راند بضرورة الهيمنة على السبق الإعلامي بعرض التغطيات الإخبارية بصورة سريعة وقبل أن تعرضها وسائل الإعلام الروسية، إذ يكفل "السبق الإعلامي" تشكيل إدراك الجمهور عن الواقع.

ويمكن مواجهة التضليل الإعلامي من خلال سرعة نشر المعلومات الصحيحة بكثافة عبر مختلف المنصات الإعلامية والافتراضية، والكشف عن وسائل التلاعب بوعي الجمهور التي تتبعها وسائل الإعلام الروسية 19).) 2- التركيز على التداعيات: تؤكد توصيات راند ضرورة تجنب الانجراف خلف الجدل الإعلامي مع وسائل الإعلام

الروسية والتركيز على كشف تداعيات التدخلات الخارجية الروسية.

كما أوصى خبراء راند بالتركيز على تقييم تداعيات التدخل العسكري الروسي في سوريا والتأكيد على الالتزام تسوية سلمية للحرب الأهلية السورية، بدلاً من مواجهة قصص وتغطيات "روسيا اليوم" والمصادر الأخرى المدعومة من الكرملين عن المعارضة السورية 20).) 3- تشكيل اهتمامات الجمهور: تؤكد توصيات راند ضرورة تجنب الرد على كل التغطيات الإخبارية الزائفة، وتبني "اتجاهات أكثر إنتاجية" لتقويض مصداقية القائمين على نشر الدعاية، فمثلاً يمكن مواجهة الرسائل الإعلامية الهادفة لإضعاف علاقة حلف الناتو بدول شرق أوروبا عبر استعراض سياسات الحلف في دعم هذه الدول وتقديمه مساعدات مالية وعسكرية لتعزيز قدراتها العسكرية. 4- الحجب المؤقت لوسائل الإعلام: تكررت توصيات مراكز التفكير الأمريكية حول إمكانية حجب وسائل الإعلام الروسية مؤقتاً لمحاربة تأثيرها وعرقلة انتشارها، وعلى الرغم من أن هذا الإغلاق سيتعارض مع حرية الصحافة، فإن "قطع التدفق" قد يكون ضرورياً لمواجهة سرعة انتشار حملات الإعلام الروسي المعادية للولايات المتحدة والدول الأوروبية وفقاً لمراكز التفكير الأمريكية)21.)

ولقد تبنت الولايات المتحدة بعض التوصيات سالفة الذكر لمواجهة الانتشار الإعلامي لوسائل الإعلام المدعومة من روسيا، حيث تم إطلاق قناة تليفزيونية ناطقة بالروسية تُسمى "الوقت الراهن" ‪Current Time(‬ ) في أكتوبر 2016 يتم بثها على مدار اليوم، ويشرف على هذه القناة مجلس إدارة البث الذي يدير أيضاً كلاً من راديو صوت أميركا وراديو أوروبا الحرة.

وتم تخصيص ميزانية تقدر بحوالي 22 مليون دولار للقناة الجديدة الناطقة بالروسية عام 2017، مما جعلها تجتذب مشاهدات تتجاوز 40 مليون مشاهدة حتى مايو 2017، إلا أنها لا تزال دون مستوى منافسة انتشار وتأثير الترسانة الإعلامية الروسية)22.)

ختاماً، كشفت الحرب الإعلامية بين روسيا والولايات المتحدة عن ترويج مراكز التفكير الأمريكية لسياسات تصعيدية تتعارض مع المبادئ الليبرالية، خاصة حرية الصحافة، مثل حجب القنوات المدعومة من الكرملين وإغلاق مكاتبها ومنع عمل مراسليها في الولايات المتحدة والدول الأوروبية، بالإضافة إلى اختراق العمق الاستراتيجي لروسيا والتأثير في توجهات جمهور الناطقين بالروسية.

ويرجع ذلك إلى أولوية اعتبارات الأمن القومي لدى الخبراء الأمريكيين، وتصاعد عداء النخب الفكرية الأمريكية لروسيا والمخاوف من تزايد تأثير وانتشار وسائل الإعلام المدعومة من موسكو.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.