ما الذي تبقى من القانون الدولي؟

Trending Events - - News - د.محمد صافي يوسف أستاذ ورئيس قسم القانون الدولي العام بكلية الحقوق - جامعة عين شمس

د. محمد صافي يوسف

بوصفه مجموعة القواعد القانونية الدولية التي تنظم المجتمع الدولي وتحكم العلاقات التي تنشأ بين أشخاصه، يتعرض القانون الدولي العام باستمرار لموجات عنيفة من الانتقاد الشديد، تصل إلى حد التشكيك في وجوده.

يتزايد الانتقاد الموجه إلى القانون الدولي كلما عجز عن إيجاد حل أو تسوية لأي من المنازعات الدولية التي تُعدّ ظاهرة مصاحبة للعلاقات الدولية في شتى عصورها.

اأولاً: لماذا يُطرح ال�ضوؤال الاآن؟

كان إفصاح الولايات المتحدة الأمريكية مؤخراً عن نيتها الانسحاب من اتفاق باريس المتعلق بالمناخ مناسبة سانحة أمام المشككين في وجود القانون الدولي العام، أو في مدى إلزاميته وفاعليته، لمعاودة الهجوم عليه والإشارة إلى أن هناك تزايداً ملحوظاً في الانسحاب من الاتفاقيات الدولية، الأمر الذي يؤدي بحسبهم إلى تراجع الالتزامات الدولية للدول، وإطلاق حريتها في التصرف في مجالات تهم الإنسانية جمعاء.

ونعتقد أن إجابة موضوعية عن التساؤل حول ما تبقى من القانون الدولي العام، وذلك في زمن يبدو فيه أن قواعده تنتهك من دون رادع، يتعين أن تأخذ في الاعتبار أن الحكم عليه لا يجب أن يكون جملة واحدة أو بشكل مطلق، وأن حجم الالتزامات الدولية للدولة لا يُقاس فقط بعدد الاتفاقيات الدولية التي ارتضت الالتزام بها، وأن الواقع العملي يثبت أن لهذا القانون دوراً متنامياً وفعالاً في تسوية المنازعات الدولية عبر الوسائل السلمية أو القسرية على عكس الشائع في الأوساط غير المتخصصة.

وتجدر الإشارة إلى أن التحلل من الالتزامات التي يرتبها هذا القانون على عاتق أشخاصه يجب أن يتم وفقاً للأحكام التي رسمها هو ذاته، حيث لا يحق، على سبيل المثال، للولايات المتحدة الأمريكية أن تنسحب من اتفاق باريس إلا وفقاً للأحكام الواردة في مادته الثامنة والعشرين، التي تنص على أنه لا يجوز لأي طرف تقديم طلب الانسحاب إلا بعد مرور ثلاثة أعوام على تاريخ نفاذ الاتفاق، ويكون ذلك بإخطار كتابي يوجه إلى الأمين العام للأمم المتحدة، ولا يُنفذ الانسحاب إلا بعد مرور عام على تلقي الإخطار.

وإذا ما أخذنا في الاعتبار أن الولايات المتحدة الأمريكية ارتضت الالتزام النهائي باتفاق باريس في الثالث من سبتمبر 2016، فإنه لا يحق لها تقديم طلب الانسحاب منه إلا في الرابع من سبتمبر 2019، ولن تتمكن من تنفيذه إلا في الخامس من سبتمبر 2020، أي بعد مرور ما يزيد على ثلاث سنوات من الآن، وهي فترة يمكن أن تتغير خلالها المصالح الأمريكية، ويحدث التراجع عن الانسحاب المحتمل.

ثانياً: فروع جديدة.. واأدوار اأو�ضع

الحكم على القانون الدولي العام لا ينبغي أن يكون جملة واحدة أو بشكل مطلق، وإنما بالنظر إلى كل فرع من فروعه المتعددة

على حدة، حيث يوجد له في الوقت الراهن ما يزيد على خمسة عشر فرعاً، من بينها قانون المنظمات الدولية، والقانون الدولي لحقوق الإنسان، والقانون الدولي الإنساني، والقانون الدولي الجنائي، والقانون الدولي الاقتصادي، والقانون الدولي للبيئة.

وقد ترتب على التوسع الملحوظ في موضوعات القانون الدولي العام، وامتداد قواعده وأحكامه لتتناول بالتنظيم العديد من المجالات التي كانت تدخل من قبل في صميم الاختصاص الداخلي للدول، ظهور العديد من الفروع الجديدة له بعدما ظل لفترات طويلة يقتصر على تنظيم العلاقات التقليدية للدول فيما يتعلق بمسائل الحرب والسلام والحياد، ولا يصح بعد ذلك الحكم عليه جملة واحدة، حيث لا ينكر متخصص الدور المحوري الذي يضطلع به القانون الدولي الاقتصادي في تنظيم العلاقات الدولية التجارية وحماية الاستثمارات الأجنبية، والدور الفاعل للقانون الدولي للبحار في وضع تنظيم محكم لمختلف المناطق البحرية، ودور القانون الدولي للعمل في تنظيم روابط العمل في مختلف الدول جنباً إلى جنب مع القوانين الداخلية، علماً بأنه يسمو عليها حال حدوث تعارض بين الجانبين.

ولا يمكن في المقابل إنكار أن هناك جوانب ضعف تعتري مجمل فروع القانون الدولي العام، حيث عجز القانون الدولي الاقتصادي ذاته إلى حد بعيد عن ضمان استمرار المعاملة التفضيلية التي كانت تلتزم الدول المتقدمة بمنحها للدول النامية والأقل نمواً في مجال التبادل الدولي التجاري، ولا تتمتع قواعد القانون الدولي الإنساني بآليات تنفيذية صارمة تضمن تطبيقها على جميع النزاعات المسلحة بغض النظر عن أطرافها، ولا تقوى آليات قانون المنظمات الدولية في كثير من الأحيان على معاملة الأزمات والمنازعات الدولية المتشابهة بطريقة واحدة، وإنما تطغى عليها الاعتبارات السياسية وازدواجية المعايير.

كما أن حجم الالتزامات الدولية للدولة لا يُقاس فقط بعدد الاتفاقيات الدولية التي ارتضت الالتزام بها، ولكن تؤخذ في الاعتبار أيضاً التزاماتها الدولية الناتجة عن مصادر القانون الدولي العام الأخرى، وهي العرف الدولي، والمبادئ العامة للقانون، وقرارات المنظمات الدولية، والتصرف بالإرادة المنفردة الصادرة عن الدول، ومبادئ العدل والإنصاف، إضافة إلى الفقه وأحكام المحاكم كمصدرين استدلاليين، الأمر الذي يعني هنا أنه لا يترتب على انسحاب الدولة من اتفاقية دولية ما تحللها تلقائياً من جميع الالتزامات الناتجة عنها.

يُضاف إلى هذا أن صيرورة الدولة طرفاً في اتفاقية دولية ما لا يعني أنها تلتزم بتنفيذ جميع أحكامها، حيث يجب مراجعة الاستثناءات التي تنص عليها الاتفاقية ذاتها، والنظر فيما تكون الدولة قد أبدته من تحفظات على بعض أحكامها، مع العلم أن بعض الاتفاقيات الدولية يحظر مطلقاً التحفظ على أحكامها، وأن التحفظ غير جائز في جميع الأحوال إذا كان يتعارض مع هدف وموضوع الاتفاقية.

ثالثاً: الاأرقام تقدم اإجابات

وإذا كان معارضو القانون الدولي العام يتشبثون ببعض حالات الانسحاب من الاتفاقيات الدولية، أو عدم رغبة بعض الدول في الانضمام إليها ابتداء، فإنه يكفي للرد عليهم الإشارة إلى أن الاتفاقيات الدولية الكبرى في مختلف مجالات العلاقات الدولية تضم كل أو جل دول العالم، وهذا هو شأن ميثاق الأمم المتحدة )193 دولة(، والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية 169( طرفاً(، والعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية )165 طرفاً(، واتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية لعام ‪(191 1961‬ طرفاً(، واتفاقية فيينا لحماية طبقة الأوزون لعام ‪197( 1985‬ طرفاً(، واتفاقية الأمم المتحدة الإطارية المتعلقة بتغير المناخ لعام ‪197( 1992‬ طرفاً(، واتفاق باريس المتعلق بالمناخ لعام ‪(160 2015‬ طرفاً(، واتفاقات منظمة التجارة العالمية )164 طرفاً(.

والحكم على مدى فاعلية القانون الدولي العام ينتج كذلك من تتبع دوره في تسوية المنازعات الدولية، وهو دور يتمثل في كونه يلزم أشخاصه بتسويتها سلمياً، ويضع تحت تصرفهم العديد من الوسائل السلمية للاختيار من بينها، ويتمثل أهمها في المفاوضات، والوساطة، والمساعي الحميدة، والتحقيق، والتوفيق، واللجوء إلى المنظمات الدولية العالمية والإقليمية، والتحكيم الدولي، والمحاكم الدولية الدائمة.

وحسبنا أن نشير إلى أن المجتمع الدولي يضم حالياً أكثر من خمس عشرة محكمة دولية دائمة تسهم بدرجات متفاوتة في حل المنازعات الدولية. وقد فصلت محكمة العدل الدولية في ما يقرب من مائة وثلاثين نزاعاً دولياً، وأسهم جهاز تسوية المنازعات التابع لمنظمة التجارة الدولية في تسوية ما يزيد على خمسمائة نزاع دولي، وحسمت المحكمة الدولية لقانون البحار خمسة وعشرين نزاعاً دولياً، إضافة إلى الدور المهم الذي تضطلع به محكمة عدل الاتحاد الأوروبي، ومحكمة الاستثمار العربية، والمحكمة الأفريقية للعدل وحقوق الإنسان، والمحاكم الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان في تسوية المنازعات الدولية الإقليمية.

وخاتمة القول أنه لا يجوز هكذا إطلاق الحكم بأنه لم يتبق شيء من القانون الدولي العام، ولا يمكن في المقابل الزعم بأنه يضطلع بدوره كاملاً.

الواقع العملي يثبت أن للقانون الدولي دوراً متنامياً وفعالاُ في تسوية المنازعات الدولية عبر الوسائل السلمية أو القسرية على عكس الشائع والرائج في الأوساط غير المتخصصة. ولا يجوز إطلاق الحكم بأنه لم يتبق شيء من القانون الدولي العام، ولا يمكن في المقابل الزعم بأنه يضطلع بدوره كاملًا.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.