ما هو مستقبل نظام أردوغان؟

د. عبدالله الشمري

Trending Events - - News - خبير سعودي متخصص في الشأن الركي، رئيس مركز ”سياسات تركية“

د. عبدالله الشمري

يبدو تساؤل: ما هو مستقبل نظام أردوغان؟ الأكر تردداً، ليس فقط في مراكز الأبحاث الغربية، التي ترصد بعمق طبيعة التحول الداخلي الركي منذ أكر من عقد وتستشرف مستقبله، بل داخل مراكز صنع القرار الركي نفسها.

يمتد التساؤل حول مستقبل نظام أردوغان إلى دوائر القرار العليا في دول الجوار العربي بسبب الانعكاسات على واقع العلاقات الخليجية والعربيةالتركية ومستقبلها. ويحاول هذا المقال أن يطرح وجهات النظر التركية المؤيدة منها والمعارضة لأردوغان حول مستقبل نظامه.

اأولاً: اأردوغان اأ�ضبح قدر تركيا

يبدو من العديد من الكتابات التركية التي تم الاطلاع عليها أن هناك ما يشبه التعامل مع الرئيس أردوغان باعتباره قدر تركيا. في مقال بعنوان "ماذا فعل أردوغان عندما تعرض لوعكة صحية؟"، يقول كاتب مقرب من الرئيس إن أردوغان هو أهم حقيقة في تركيا اليوم، ولهذا يجب الحفاظ على صحته حتى على الرغم منه، لأن شخص أردوغان أصبح قدر تركيا. وتعترف المعارضة التركية بمرارة بما يذهب إليه أشد الموالين لأردوغان من أنه أصبح أمراً واقعاً ومستقبلياً، وأنه لا يوجد بديل متاح آخر له. فقد كتب كمال كيليتشدار أوغلو، زعيم حزب "الشعب الجمهوري" المعارض، مقالاً بصحيفة "الجارديان" في يوليو الماضي، قال فيه إن حزب العدالة والتنمية يوطد حكمه الاستبدادي، حكم "الرجل الواحد"، جاعلاً حالة الطوارئ حالة دائمة. واتهم الرئيس بالسيطرة على كل شىء وتشويه سمعة أي معارضة. وخلاصة المقال أن الرئيس باقٍ كأمر واقع ما لم تحدث معجزة. إضافة إلى ذلك، فإن مواقف الزعيم المعارض لا تحظى بأي اهتمام من الرئيس التركي الذي يشعر بغضب شديد تجاه أوغلو.

ومن ثم يبدو مستقبل نظام أردوغان أنه أمر حتمي لا فرار منه، بل إن تصريحاً لأحد مسؤولي حزب العدالة والتنمية جاء فيه أن الحزب "يؤسس دولة جديدة رئيسها أردوغان". وعلى الرغم من أن هذا التصريح ووجه بردٍ سريع وعاصف من دولت بهجتلي، رئيس حزب الحركة القومية، بأن "الجمهورية التركية هي دولتنا"، واضطُر معه حزب العدالة والتنمية إلى إصدار بيان جاء فيه أن "أتاتورك هو رئيسنا المؤسس"، فإن الثابت أن الأطراف جميعها وكأنها استسلمت لفكرة أن هيمنة نظام أردوغان من الصعب تغييرها.

ثانياً:مواجهةعلىخلفيةالاأزمةالقطرية

تواجه سياسة أردوغان على مستوى السياسة الخارجية العديد من الانتقادات، وعلى سبيل المثال، يذهب الكاتب المعارض متين منير في مقال "ما شأن الجندي التركي بقطر؟"، إلى أن السياسة الخارجية التركية في عهد أردوغان خرجت عن كونها وطنية مؤسساتية لتصبح ظرفية وشخصية

ومزاجية ومتسرعة وعدائية، حيث حلت الخشونة والاستقواء محل اللغة المهذبة والكياسة. واستشهد الكاتب بموقف أنقرة من الأزمة القطرية، حيث سارعت إلى إرسال الجنود لقطر مع بدء الأزمة، متسائلاً: "ما علاقة تركيا بهذا الخلاف؟ وما مصلحتها في أن تذهب إلى حد المغامرة بدخول حرب مع الحلف السعودي؟".

وينقل متين منير عن خبير بريطاني قوله في مؤتمر دولي: "عندما تتحدثون مع تركيا، لا يمكنكم أن تعرفوا بالضبط ما إذا كنتم تتحدثون مع دولة أم مع عائلة أردوغان"، والسبب وراء مساندة تركيا لقطر ليس المصالح التركية، بل الصداقة بين أردوغان وأمير قطر. وتركيا اليوم تساوي أردوغان، والعكس صحيح.

أما د. إبراهيم كالين، العقل السياسي للرئيس التركي ومستشاره الأقرب، فهو يدافع في مقال له عن الموقف التركي من الأزمة القطرية، مؤكداً أن من يحاولون الإيقاع بين العرب والأتراك لا يخدمون سوى نواياهم المريضة، وأن الحروب الإعلامية لن تخدم أحداً، بل يجب توجيه كل القوى إلى خلق فرص للربح المتبادل.

إذن، على الرغم من التسليم بأن أردوغان هو قدر تركيا، فإن الانتقادات له موجودة وقوية، ومن ثم يكون السؤال ماذا يمكن أن يسفر عنه هذا الوضع؟

ثالثاً: م�ضتقبل قلق

على الرغم من أن أردوغان يُقدر الكلفة السياسية والاقتصادية لتوتر علاقاته مع أوروبا، خاصة مع ألمانيا، ويُدرك تداعياتها على مستقبل تركيا ومستقبله السياسي أيضاً، فإنه يسخر من منتقديه من الأوربيين والأمريكيين، واصفاً تصنيفهم له ب"الديكتاتور" بأنه "يدخل من أذن ويخرج من الأخرى".

وقد أظهر مؤتمر حزب العدالة والتنمية في 14 أغسطس الماضي أن قلة من أصدقاء أردوغان هم من كسبوا بفعل صداقتهم له، فيما طُرد مئات من الإسلاميين الذين كانوا مقربين منه، وأهمهم يشار ياكش، أول وزير خارجية من حزب العدالة والتنمية وأحد مؤسسيه، والكاتب الاسلامي فهمي كورو الذي رأس تحرير صحيفة الحزب "يني شفق"، وقال يوماً إن أردوغان "مثل الأب الحنون الذي يخاف على أبناء الأمة. والأب الحنون يتعامل مع أبنائه بقسوة أحياناً لأنه يريد مصلحتهم"، لكنه عاد ليقول مؤخراً إن في تركيا نظام رجل واحد وديكتاتورية، و"هذه المرحلة مؤقتة.. لأن تركيا ليست بالدولة التي يمكن أن تعيش في ظل هذا النظام".

ويرى يشار ياكش أن العهد الذهبي لحزب العدالة والتنمية انتهى، وأن هناك مرحلة كان الحزب فيها ناجحاً للغاية، حدثت خلالها إصلاحات ديمقراطية متتالية، وكانت تركيا نجمةً لامعةً تُقدم في العالم كنموذج لتعايش الإسلام مع الديمقراطية والعلمانية والتعددية، لكن كل هذه الفرص ضاعت وانهار معها النموذج بعد عام 2010.

وفي مقال له، يذكر طه أكيول أن الحزب ينظر إلى عام 2019 بقلق متزايد، فأردوغان يُذكّر أعضاء الحزب بنتيجة الاستفتاء الدستوري ‪،)1+ )50‬ قائلاً إن المهمة "ليست سهلة أبداً"، وهي لهجة غريبة على الرجل الذي يتجنب الاعتراف بالصعوبات، لذا فقد دعا إلى نوع من التعبئة العامة، وكأنها "حرب استقلال جديدة" حسب وصفه.

وقبل عام ونصف العام، وفي احتفال الحزب الحاكم بذكرى تأسيسه، حُرم كثير من رموزه السابقين من الحضور، وقاطعه الرئيس السابق عبداله غُل ورئيس الوزراء السابق أحمد داوود اوغلو وآخرون. وقال يشار ياكش الذي حُرم من الحضور: "السلطة مفسدة، والسلطة المطلقة مفسدة مطلقة. وهذه القاعدة أثبتت صحتها مجدداً في تركيا".

خاتمة

من مجمل العرض السابق، يصعب التنبؤ بمستقبل أردوغان ومستقبل تركيا بعده، ولا يبدو متوقعاً تغيير النظام بسهولة، أو اختفاء أردوغان ونظامه في المدى المنظور. وبالنسبة إلى منطقتنا، فمن المعروف أن أردوغان منذ توليه رئاسة الوزراء عام 2003، مروراً بتوليه الرئاسة عام 2014 وحتى اليوم، مرت العلاقات الخليجية- التركية بمرحلة "الانسجام"، ثم مرحلة "النزاع" أو الاختلاف، ثم خيار "الواقعية المصلحية". وتجاوزت العلاقات أزمة ثورات "الربيع العربي" ثم ثورة 30 يونيو في مصر، وهي تحاول الآن تجاوز الأزمة القطرية. والتعامل الخليجي مع تركيا يجب أن ينطلق من فكرة أن وجود أردوغان أصبح حقيقة، وبالتالي يجب التكيف مع وجوده والاستفادة من جوانب إيجابية لديه، كما أن على أردوغان بذل جهود أكبر في انتقاء مستشارين جدد له حول الشأن الخليجي، وتعيين مستشار خاص بالخليج ممن يعون أهمية العلاقات مع دوله، والحذر من أطراف تسعى لتسميم علاقات الجانبين. وفي ظل الاستمرار المتوقع لأردوغان في السلطة، فإن العلاقات الخليجيةالتركية ستستمر، لأن الجانبين يتقاسمان مصالح مشتركة حقيقية.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.