لماذا يظل السلوك القطري محيراً؟

Trending Events - - News - د. عبدالله العوضي رئيس تحرير صفحات“وجهات نظر“-صحيفة الاتحاد الإماراتية

د. عبدالله العوضي

ارتضتقطرلنفسهافيأزمتها الراهنة، أن تلعب دور حبة الرمل التي تعطلمصنعمجلسالتعاونالرصين والمكين طيلة 36 عاماً من العطاء المتأني والقرارات التي وحدت الشعوب الخليجية.

تمتلك شعوب المنطقة نظاماً سياسياً حافظ على روابط المحبة والود بين الأشقاء، اعتماداً على درجات عالية من الانسجام والتقارب على كثير من المستويات. لكن السؤال لماذا بدأت قطر انتهاج سلوك خارج هذا السياق؟

اأولاً: قطر ت�ضعى للفرقة

تصارع قطر لإثبات أن مفهوم «الإسلام السياسي» المنتزع من فكر الحركات الإرهابية هو الذي يجب اتّباعه، في حين أن أبناء الإسلام جميعاً تخرجوا من مدرسة الاعتدال، متمثلة في «الإسلام غير المؤدلج» عملاً وإقراراً من نبي الرحمة المهداة إلى العالمين، فلِمَ يضيقُ صدر النظام القطري الذي يرى في «الإخوان» وأشباههم الإسلام الحق، وفي مَنْ دونهم الباطل والضلال المبين؟

ترى مدرسة الإسلام في الاختلاف رحمة، وفي الخلاف فرقة. وما تمارسه قطر هو الذهاب في خلافها مع أشقائها في دول المجلس بعيداً عن الوحدة والتقارب والتلاحم، وهي دعوات المجلس ومبادئه لعقود، فلِمَ الاستفراد بالقرار، والفرار إلى منطقة تسمى في القرآن الكريم «لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء»؟ وحين تختار قطر، فإنها تختار في نهاية الأمر من لا يعترفون بها، ولا يتركونها إلا يباباً يابساً لا ثروة فيها ولا ضرعاً يرويها بعد أن يتخلصوا من «البقرة الحلوب»، وهو الشعار «الإخواني» منذ غزو العراق للكويت، وما يزال ساري المفعول مادام تمويل قطر لإرهاب مستمراً، وبئر الغاز لم تنضب!

تصرّ قطر على وضع الخلاف السياسي الحاد في سلة مفاهيمية مبهمة، كأن ترى في الإرهاب مقاومةً أو نضالاً وثورةً مُحقة ضد بعض الأنظمة التي تناوئها قطر من دون هدف واضح. وفي هذا الإطار تسمي قطر المقاطعة حصاراً، لتحيل بشكل ما إلى حصار غزة، مع أن الفروق هائلة بين هذا وذاك في السياسة وفي المفاهيم، ويكفي أن قضية غزة مع إسرائيل وقضية قطر مع الخليج.

ثانياً: معارك جانبية م�ضللة

تتبع قطر تكتيك الهروب إلى الأمام للتملص من دفع ضريبة الإرهاب وفاتورته الباهظة، وتفتعل أزمات هامشية جانبية لا علاقة لها بأصل الخلاف. ومن الأمثلة على ذلك مؤخراً طرح الأذرع الإعلامية القطرية ما أطلقت عليه قضية «علمانية الخليج» ودفعها بمحلليها وبرامجها وأتباعها وكتائب وسائل التواصل الاجتماعي التابعة لها، لإثارة معركة وهمية، مستغلة فرصة ورود مصطلح العلمانية في كلمة لأحد المسؤولين في الخليج، وذلك في سياق محدد حاولت قطر تغييبه لتمنح معركتها الفارغة معنى.

إن فهم المصطلح السابق في سياقه، بعيداً عن المغالطة والتربص، يصب في صالح قطر، إذ ينطوي على مدلولات تختلف كل الاختلاف عن الإرهاب المذموم المدعوم من قطر. وتشير

اشتقاقات مصطلح العلمانية وامتدادته اللغوية في السياق الذي ورد فيه، إذا كان للفهم السليم مكان، إلى العلم والعولمة والعالمية، بحيث يتم الاعتماد على العلم كمصدر رئيسي لتطور الحياة في كامل مظاهرها، والانخراط في العولمة التي لا مناص من التعامل معها كضرورة بقاء، والتعامل مع العالم بانفتاح وفهم ووعي. وهذه كلها معان إيجابية نحتاج إليها في دول الخليج كما تحتاج إليها قطر نفسها والدول العربية الأخرى.

تحاول قطر عن طريق المعارك الجانبية تشتيت الانتباه عن لب مشكلتها مع الدول الأربع الداعية إلى مكافحة الإرهاب، ويبدو نموذج ثان لذلك في استغلالها موسم الحج لكي تطرح فكرة تدويل أقدس بقاع الأرض، وتفتعل أكاذيب من قبيل منع المملكة العربية السعودية مواطني قطر من أداء الفريضة، وهو الزعم الذي تهاوى حين قدمت المملكة مبادرة كريمة باستضافة حجاج قطر على نفقة خادم الحرمين، لكن ذلك لم يُثن قطر عن منع حجاجها من السفر ومواصلة افتعال المشكلات على الرغم من أن قطر فقدت صدقيتها أمام العالم.

فشلت قطر في الحصول على تأييد من القوى الدولية المؤثرة، سواء الولايات المتحدة الأمريكية أو المملكة المتحدة أو ألمانيا وفرنسا وغيرها من الدول التي ذاقت الأمرّين من سعير الإرهاب الفردي أو الجماعي، حيث تبدو بصمات الدوحة واضحة في ضرباته التي يوجهها إلى الأبرياء في كل مكان من العالم. وقد انكشفت مع قائمة الإرهاب التي قدَّمتها الدول الأربع حقيقة كثير من المؤسسات القطرية التي تتستر تحت عنوان عمل الخير لترتكب أبشع الجرائم، وكثير من الأفراد ومن المسؤولين الذين يخططون للأعمال الإرهابية ويرعونها، وسوف تشهد الأيام القادمة ظهور كثير من الحقائق أيضاً.

ثالثاً: «الخيمة» في مهب الريح

سوف تقف قطر متفرجة على المؤسسات السياسية الخليجية والإقليمية والعالمية التي تحمل عضويتها إذا أصرت على مواصلة حماية الإرهاب ورعايته، وفقاً لمفهومها الملقن من قبل تيارات الإسلام السياسي أو المسيس، بكل تفريعاتها وعناوينها الفارغة من أي محتوى له علاقة بالإسلام المعتدل والسمح في كافة تشريعاته الإنسانية، ولا نقول «الإسلامية» لأن الإسلام جاء رحمة للعالمين، وليس حكراً على المتأدلجين المستظلين بالخيمة القطرية التي على وشك السقوط، لأن عمودها الأصلي يتقوض مع محاوله فاشلة لإحلال أعمدة غريبة عن بيئتها، وأطراف تتضارب مصالحها مع مصالح قطر، وسوف تضحي بها عند أول خلاف وتترك الخيمة القطرية في مهب الريح.

بوصلة السياسة الخارجية القطرية اهتزت وأصابها العشى الليلي، سواء في تحالفاتها أو تصوراتها للخروج من الأزمة، أو في تحريفها لوقائع التاريخ بهدف الهجوم على شقيقاتها في مجلس التعاون لدول الخليج العربية، ظناً منها أنها تدافع عن نفسها. فقد نشأ المجلس حين كانت المنطقة تمر بكوارث سياسية، من أفغانستان إلى شطآن الخليج الدافئة التي عبثت بها حرب الأعوام الثمانية، إحدى نتائج «الثورة الإسلامية» التي شوهت الإسلام الصافي ولوثته بجرائم حرب لم ترتكب على مر التاريخ، أقلها إحراق الجنود في شط العرب بالكهرباء فداء للخميني الذي دفع لهم صك الغفران لضمان الجنان.

هذا الفكر الثوري الذي أوقفه المجلس عند حده لعقود، جاءت قطر العضو المؤسس لتتبناه وتحاول من خلاله زعزعة استقرار الخليج، وتهز بنيان الأمن والأمان بالوقوف مع «الإخوان» الذين هددوا أركان أنظمة كانت مستقرة، وحولوا بعض بلاد العرب إلى بركان لم يهدأ منذ دخول «الربيع» المخاتل على خط الثورات الزائفة.

رابعاً: دعم الاإرهاب هو لب الم�ضكلة

مهما تصلبت قطر، فإن لب المطالب يدور حول الإرهاب دعماً وفكراً وتمويلاً، ومناورات قطر حول الهوامش والجزئيات والتعريفات لن تجدي نفعاً، والأزمة لن تُحلَّ بالسباحة في بحر المفاهيم الفكرية أو الفلسفية وشرح الشروح المطولة، لانها أكثر بساطة ووضوحاً، ولن تستطيع قطر الهرب مما اقترفت يداها اللتان لا تزالان ممدوتين بالشر وبدعم التطرف والإرهاب وتسييس الإسلام وتشويهه بدلاً من تنزيهه عن الأغراض والأهواء.

لقد حيرت قطر القريب قبل البعيد بسياساتها التي تريد أن تثبت لنفسها من خلالها وجوداً مختلفاً عن أشقائها ورفقاء دربها منذ عقود، وهي لاتزال تعبث بالمصطلحات الفضفاضة والأفكار البالية التي لا تحترم ماضياً ولا تبني حاضراً ولا تضمن مستقبلاً، وتواصل إصرارها على تسمية المقاطعة «حصاراً» والإساءات والتخرصات والمناورات «انتصاراً»، وتحسب أن بوسعها تغييب الخلاف الرئيسي في الأزمة خلف غبار التهويل والعويل الإعلامي، وافتعال المعارك الخاسرة والوهمية.

وأخيراً، ما يجعل سلوك قطر محيراً، أن أشقاءها يسعون إلى وضعها على طريق الرشد والمسؤولية، ويفتحون لها باباً لإنقاذها مما تمضي إليه من مصير، في حين تأبى قطر إلا أن تمضي على طريق الغي، وتصر على دعم الإرهاب فكراً وتنظيماً وتمويلاً، وهو ما سيضعها في مواجهة العالم أجمع، وليس دول الرباعية العربية فحسب.

مهما تصلبت قطر، فإن لب المطالب يدور حول الإرهاب دعماً وفكراً وتمويلًا، ومناورات قطر حول الهوامش والجزئيات والتعريفات لن تجدي نفعاً. ولن تستطيع قطر الهرب مما اقرفت يداها اللتان لا تزالان ممدوتين بالشر وبدعم التطرف والإرهاب وتسييس الإسلام وتشويهه بدلاً من تنزيهه عن الأغراض والأهواء.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.