‪:Competitive Connectivity‬

الملامح الصاعدة لنظام عالمي جديد في أوراسيا

Trending Events - - News - اأولاً: اأبعاد �ضعود اأورا�ضيا"

الملامح الصاعدة لنظام عالمي جديد في أوراسيا كارن أبوالخير

تواصلت عملية انتقال مركز الثقل السياسي والاقتصادي العالمي باتجاه منطقة ”أوراسيا“الممتدة من شواطئ الصين شرقاً إلى المملكة المتحدة غرباً، ضمن تشكل نظام عالمي جديد يحكمه التنافس بين القوى الصاعدة في القارة الآسيوية.

بعيداً عن الاهتمام العالمي بما يحيط الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من فضائح محتملة وتغريدات نارية، تتشكل في الامتداد القاري الممتد الملقب بأوراسيا ملامح نظام عالمي جديد، يتواصل فيه انتقال مركز الثقل الاقتصادي والسياسي من الغرب إلى الشرق، وتتنافس فيه دول قارية ضخمة، مثل الصين وروسيا، ودول صاعدة بقوة اقتصادياً مثل الهند، بالإضافة إلى دول كبرى ذات وزن تاريخي مثل اليابان، على "تشبيك" المنطقة الممتدة من شواطئ الصين شرقاً إلى المملكة المتحدة غرباً بشبكة من الطرق والسكك الحديدية وأنابيب نقل الطاقة، بالتوازي مع اتفاقيات تجارية واقتصادية ثنائية ومتعددة الأطراف.

وتهدف هذه الجهود نظرياً إلى تحقيق فوائد اقتصادية لجميع الأطراف، لكن لها أبعاداً استراتيجية، من أهمها وأكثرها تأثيراً على توازن القوى في النظام الدولي، تدعيم دور ونفوذ الدول القارية، خاصة الصين، التي تحاول تقليص وإزاحة الهيمنة الأمريكية المتمركزة على شواطئ المحيط الهادي، ومن ثم الانتقال إلى مرحلة جديدة يكون فيها لهذه القوى الإقليمية أدوار ونفوذ أكبر على الساحة العالمية. لا تُعد محورية الدور الذي من الممكن أن تلعبه أوراسيا في إعادة تشكيل توازن القوى العالمي فكرة جديدة في أدبيات العلاقات الدولية، فقد لفت إليه الأنظار المفكر الاستراتيجي البارز والذي عمل مستشاراً للأمن القومي في إدارة الرئيس الأمريكي السابق جيمي كارتر زبيجنيو بريجنسكي، في مقال شهير نشر بدورية فورين أفيرز في سبتمبر 1997 .)

أكد بريجنسكي الأهمية المتصاعدة لقارة "أوراسيا"، الممتدة من غرب أوروبا إلى شرق آسيا، مروراً بروسيا وآسيا الوسطى، حيث وصفها بأنها "القارة العظمى المحورية" في العالم، لأنها تعطي أي دولة تتمكن من تحقيق الهيمنة عليها السيطرة على اثنتين من أقوى المناطق الاقتصادية في العالم، كما يصبح لها بحكم الجوار الجغرافي السيطرة أيضاً على الشرق الأوسط وأفريقيا.

وتوقع برجينسكي صعود قوى جديدة في هذا الامتداد القاري مما يؤثر على وضع الولايات المتحدة في النظام الدولي، ولذلك أكد المقال ضرورة عمل واشنطن على المدى المتوسط لمنع تكون تحالف بين هذه القوى الصاعدة، يكون مناهضاً لوجودها في القارة. وبالمنطق نفسه، ينبغي عليها العمل على منع ظهور دولة قوية تتمكن من تحقيق الهيمنة على هذا الامتداد القاري، وهو ما اعتبره في ذلك الوقت، احتمالاً مستبعداً .)

ويوضح التغير السريع في توازن القوى الدولي في عام

2017 تحقق بعض أبعاد هذه الرؤية، فقد رصد المحلل المتخصص في الجغرافيا السياسية روبرت كابلان في دراسته المنشورة 2017 بعنوان "عودة عالم ماركو بولو") ،) تصاعد الاندماج بين دول أوراسيا، وصعودها كوحدة جديدة للتحليل تتجاوز تقسيمات دراسات المناطق المتعارف عليها عقب نهاية الحرب الباردة.

ويرتبط ذلك بتغيرات متعددة كانت بدايتها انهيار الاتحاد السوفييتي وسقوط الجدار الحديدي الذي كان يفصل بين الجانب الأوروبي والآسيوي، وتداعي الحواجز بصورة أكبر بسبب المشكلات والانشقاقات الداخلية التي تعانيها أوروبا، ما جعلها عاجزة عن صد تغلغل ونفوذ دول آسيوية تقع على تخومها، بالإضافة إلى تراجع قوة التحالف عبر الأطلسي، واتجاه أوروبا - سواء كدول أو كمؤسسات الاتحاد الأوروبي - لتعزيز علاقاتها الاقتصادية والتجارية مع القوى الآسيوية الصاعدة، خاصة الصين والهند، بالإضافة الى تدعيم العلاقات مع الحليف التقليدي، اليابان.

وقد جاءت الأزمة المالية العالمية في عام 2007 لتسرع من وتيرة انتقال مركز الثقل الاقتصادي في النظام العالمي إلى آسيا، حيث كانت دول أوروبا الغربية والولايات المتحدة هي المتضررة منها في الأساس، وقد دخلت بعد الأزمة في عقد من تراجع النمو، بالإضافة إلى أزمة الديون السيادية في العديد من الدول الأوروبية والتي دفعتها إلى تطبيق سياسات التقشف بكل تداعياتها السلبية اقتصادياً واجتماعياً.

واجتازت دول آسيا، خاصةً الصين، الأزمة بنجاح، وواصلت تحقيق معدلات عالية من النمو الاقتصادي، بينما استفادت الدول المصدرة للبترول من ارتفاع الأسعار في تحقيق فوائض مالية عالية، ومثلما احتاج النظام المالي العالمي إلى دعم الدول الآسيوية في إطار مجموعة العشرين، لتخطي الأزمة، احتاجت أوروبا أيضاً إلى سيولة مالية لتمويل مشروعاتها الاقتصادية، وهي الفرصة التي استغلتها الصين، ولذلك شهدت القارة الأوروبية معدلات غير مسبوقة من الاستثمارات الصينية، سواء في دول شرق أوروبا أو في الاقتصادات الكبرى في غربها، حيث انطلق ما سمي "العهد الذهبي" للعلاقات الاقتصادية بين الصين والمملكة المتحدة عقب الأزمة المالية العالمية.

أما روسيا، فقد اعتمدت أيضاً في السنوات الأخيرة سياسة التوجه شرقاً، وعززت علاقاتها الاقتصادية والسياسية والعسكرية مع مختلف دول آسيا. ويرتبط ذلك بعدة عوامل، منها الأزمة الأوكرانية، وما ترتب عليها من فرض عقوبات اقتصادية على روسيا، مما دفعها للبحث عن أسواق جديدة في آسيا، وتوصلت القيادة الروسية إلى قناعة بأنها لن تحقق المكانة العالمية المنشودة من خلال الانفتاح على الغرب، وأن العودة لدور محوري في النظام الدولي يرتبط بالانفتاح على الشرق.

ثانياً: تغير توازنات القوى العالمية

واكب تصاعد الاهتمام بأوراسيا تحولات في موازين القوة في النظام الدولي، فبعد أن كانت روسيا - كما أشار برجينسكي في مقاله - "امتداداً مظلماً غير معروف الهوية"، فإنها قطعت أشواطاً في الظهور كقوة رئيسية على الساحة العالمية على الرغم من مشكلاتها الاقتصادية والسياسية، كما أنها تمكنت من توثيق التعاون والتنسيق مع الصين.

وعلى الرغم من أن التعاون بين روسيا والصين لم يبلغ مستوى التحالف بمفهومه الكلاسيكي، فهناك مصلحة مشتركة بينهما في إعادة ترسيم ملامح النظام الدولي بما يقلص من دور الولايات المتحدة ويعظم من نفوذهما وتأثيرهما.

وتعد ساحة أوراسيا الملعب الأول الذي تسعى الدولتان لتقليص الوجود الأمريكي فيه، تمهيداً لإقصائها عن القارة ومنطقة المحيط الهادي إن أمكن. وبذلك، تواجه الولايات المتحدة الخطر الذي حذر منه برجينسكي، وهو ظهور تكتل من الدول المناهضة للوجود الأمريكي في القارة) .)

ومن جانب آخر، فإن ما استبعده من احتمال ظهور دولة تحقق الهيمنة على القارة كلها أصبح قاب قوسين أو أدني مع صعود القوة الاقتصادية والعسكرية للصين، وإطلاقها مشروع "حزام واحد، طريق واحد"، الذي يسعى لربط الصين مع دول متعددة في جنوب ووسط آسيا والشرق المتوسط وروسيا وأوروبا، من خلال سلسلة من مشروعات البنية التحتية والطرق والسكك الحديدية، بالإضافة إلى الاستثمارات والقروض والاتفاقيات التجارية.

وتسعى القوتان الآسيويتان، الصين وروسيا، إلى تحقيق تغيير جذري في النظام الدولي، بتحويل أساس الهيمنة ومنطلقات القوة من السيطرة على البحار وتخومها إلى السيطرة على الامتداد القاري الضخم في أوراسيا. ويتيح ذلك للصين الإفلات من "معضلة ملقا"، أي سيطرة الولايات المتحدة وحلفائها المشاطئين للمحيط الهادي على ممرات النقل البحري، ما يتيح لهم "خنق" التجارة الصينية أو منع إمدادات الطاقة الحيوية عنها.

وتتيح الطرق والسكك الحديدية وخطوط أنابيب الطاقة نقل التجارة للصين براً، كما يتيح تطوير الاتصال والنقل البري بين آسيا وأوروبا أن تلعب روسيا دوراً محورياً، وأن تستغل ذلك في تطوير أقاليمها المختلفة، وبالتالي دعم قوتها الاقتصادية. وفي حال نجاح هذه المشروعات، فإن ذلك قد يقوض بقدر كبير من الهيمنة الأوروبية – الأمريكية، التي توطدت خلال القرون الخمسة الأخيرة من خلال السيطرة على البحار.

ثالثاً: محاور التناف�ص الاإقليمي

لم تحسم بعد نتائج تحول موازين القوة لصالح أي من

الأطراف، بل أن الامتداد الأوراسي سوف يشهد على المديين القريب والمتوسط تنافساً بين العديد من القوى، ومنها اليابان، والهند، الصاعدة بقوة اقتصادياً وديموغرافياً، والتي تسعى للقيام بدور نشط على الساحة العالمية وليس فقط الإقليمية.

يوجد أيضاً ما يمكن أن يطلق عليه تنافس "مكتوم" بين الصين وروسيا، فعلى الرغم مما يجمعهما من أهداف مشتركة، فإن هناك تبايناً وتناقضاً في المصالح بين الدولتين على أصعدة مختلفة، من أهمها أن روسيا تشعر أنها الطرف الأضعف في هذه العلاقة، ولذلك تسعى إلى توسيع دائرة علاقاتها الثنائية، وأيضاً توسيع دائرة الدول المشاركة في المؤسسات الجديدة متعددة الأطراف التي تنشأ لتنظيم التفاعل داخل هذا الامتداد الأوراسي، خاصة منظمة شنغهاي للتعاون، لكي تتمكن من "موازنة" الثقل الصيني بالتعاون مع دول أخرى.

وقد طرحت روسيا رؤية "أوراسيا الكبرى" تحديداً لكي تؤكد لنفسها دوراً موازياً للصين ورؤيتها. وتسعى بكين لتجنب الخلاف مع روسيا والدول الآسيوية الأخرى، لذلك تؤكد أن مبادرات ومؤسسات ومشروعات إحياء طريق الحرير سوف تتكامل وتتعاون مع المبادرات القائمة بالفعل.

وعلى الرغم من انسحاب الولايات المتحدة من اتفاقية تحرير التجارة عبر الباسيفيكي، وتصريحات ترامب حول تحمل الحلفاء الإقليميين قدراً أكبر من تكلفة الحماية العسكرية التي تقدمها واشنطن، لا تبدو الأخيرة فعلياً على استعداد للتخلي عن هيمنتها على منطقة الهادي، أو تقليص وجودها فيه. بل على العكس، فهناك تكثيف للاهتمام والوجود الأمريكي في إطار تصاعد الأزمة الكورية.

وتعمل الولايات المتحدة مع دول حليفة، مثل اليابان وكوريا الجنوبية، ودول محورية، مثل الهند، للتصدي لمشروع الهيمنة الصيني من خلال الإحكام على الممرات البحرية وترسيخ السيطرة على المحيطات والبحار. وفي هذا الإطار، تصاعد الاتجاه إلى التعامل مع المحيطين الهادي والهندي كوحدة استراتيجية واحدة، لزيادة التنسيق بين الدول المشاطئة لهذا الامتداد المائي في مواجهة الامتداد القاري لأوراسيا.

وتصاعد التنسيق والتعاون والمناورات والتدريبات البحرية بين اليابان والهند والولايات المتحدة مؤخراً، مع اتجاه لمحاولة إدماج أستراليا في هذه المنظومة أيضاً، كما تعمل هذه الدول على تطوير قدراتها البحرية، ومد وجودها من المحيط الهادي إلى الخليج العربي وشرق أفريقيا، والاهتمام بمشروعات تطوير الموانئ والقواعد العسكرية.

وبينما تشترك الصين في هذه المنافسة من خلال تعزيز قدراتها البحرية، وتطوير سلسلة من الموانئ تمتد من جنوب آسيا إلى شرق أفريقيا، بالإضافة إلى إنشاء أول قاعدة عسكرية لها في جيبوتي، فإن إمكانياتها ضعيفة بالمقارنة بالولايات المتحدة، التي لا تزال لها اليد الطولى فيما يتعلق بالأساطيل القادرة على العمل في أعالي البحار، وانتشار قواعدها العسكرية في مختلف أنحاء العالم، خاصة في آسيا والشرق الأوسط وأفريقيا.

وفي هذا الإطار تهتم الصين بتطوير الممرات البرية، حيث تعطي لها ميزة تنافسية على الولايات المتحدة لا تستطيع أن تجاريها فيها، وخوفاً من أن تنفرد الصين بالهيمنة على الأرض من خلال مشروع "حزام واحد، طريق واحد"، تعمل دول آسيوية أخرى أيضاً على تطوير شبكات من البنية التحتية البرية لاحتواء أو منافسة المشروعات الصينية، وهو ما أدى لاحتدام التنافس في مختلف أرجاء الامتداد الأوراسي.

رابعاً: ملامح نظام جديد

على الرغم من الامتداد الجغرافي المتصل لأوراسيا، فإن هناك غياباً كبيراً للبنية التحتية التي تربط أنحاء القارة ببعضها لتعزيز التبادل التجاري والتعاون الاقتصادي بين دولها. ويؤكد النشاط المكثف لسد هذه الثغرة، والتشبيك اللوجستي في هذه المنطقة، وجود العديد من المؤشرات على ملامح نظام دولي جديد متعدد الأقطاب.

لم تحسم بعد نتائج تحول موازين القوة، إذ يتوقع أن الامتداد الأوراسي على المديين القريب والمتوسط سوف يشهد تنافساً بين العديد من القوى، ومنها اليابان، والهند، الصاعدة بقوة اقتصادياً وديموغرافياً، والتي تسعى للقيام بدور نشط على الساحة العالمية وليس فقط الإقليمية.

وقد رصد البرنامج الخاص بمتابعة مشروعات البنية التحتية في مختلف أنحاء قارة آسيا بمركز الدراسات الاستراتيجية والسياسية بواشنطن حوالي ألفي مشروع للبنية التحتية تتبناها دول ومنظمات دولية متعددة، كما رصد المركز تعدد الرؤى الاستراتيجية المتنافسة في هذا المجال، والتي تم طرحها في شكل خرائط توضح مسارات التشبيك التي تتبعها الدول المختلفة، وعلى رأسها الصين وروسيا والهند واليابان، ومن بينها أيضاً تركيا وإيران، حيث تتبنى كل منهما مشروعات مختلفة لتطوير البنية التحتية لتحقيق الترابط وتنشيط التعاون الاقتصادي بين مناطق مختلفة في هذا الامتداد القاري، بما يحقق لها ميزات اقتصادية واستراتيجية) .)

ويتضمن هذا النشاط "التشبيكي" ملامح جديدة للتفاعل الدولي، فبينما تدور العلاقات التقليدية بين الدول، وترتبط التفاعلات العابرة للحدود عادة بأنشطة الفاعلين من غير الدول، أو كما وصفتهما الباحثة آن ماري سلوتر بتفاعلات "رقعة الشطرنج"، والتفاعلات "الشبكية") فإن ما تشهده أوراسيا من نشاط يدمج لأول مرة هذين البعدين معاً.

ويبدو ذلك واضحاً بشكل خاص فيما يتعلق بالمشروع الصيني، وهي الرؤية الأكثر تطوراً وشمولية من كل الرؤى المطروحة على الساحة، والتي تسعى لتنظيم نشاط الشركات الخاصة والعامة ومؤسسات المال والبنوك وغيرها من المؤسسات الصينية في إطار ما تتبناه وتنظمه الدولة، بحيث تساهم هذه المؤسسات في إنشاء منظومة متكاملة من المشروعات الاقتصادية والبنية التحتية واتفاقيات التمويل.

وستسهم الدرجة العالية من التشبيك في طرح مفاهيم جديدة في العلاقات الدولية والجغرافيا السياسية، فعلى سبيل المثال، يرى باراج خانا أن المفهوم التقليدي للجغرافيا وأهمية الموقع سوف يتغيران، بحيث يظهران ما يسميه "الجغرافيا الوظيفية"، التي تعتمد على خرائط لا تهتم بإظهار التضاريس الطبيعية أو الحدود السياسية، بقدر ما تهتم برصد هذه "الممرات اللوجستية الاقتصادية" من البنى التحتية وطرق النقل والاتصال. وستتحدد أهمية أي مكان بحسب موقعه من هذه الممرات.

وفي هذا العالم الجديد، تصبح المدن العملاقة التي تتركز حولها هذه الممرات وتربط فيما بينها أهم من الدول، كما تصبح السيطرة على هذه الممرات اللوجستية الاقتصادية مصدراً أكبر للقوة من الجيوش، التي سيصبح دورها الأساسي حماية هذه الممرات ذات الأهمية الاقتصادية والاستراتيجية، بينما يتراجع الاهتمام بتأمين الحدود بتعريفها التقليدي. ويرى خانا أن عهد الصراع من أجل احتلال الأراضي قد انتهى، وأنه في عالم "متشابك"، فالتنافس على القوة والنفوذ سيدور حول السيطرة على هذه الممرات الاقتصادية، وهو التنافس الذي يعد بمنزلة سباق تسلح جديد) .)

وترسم الشبكات المادية للبنية التحتية معالم النظام الدولي الناشئ، حيث يرصد الباحث جلين ديسن، شبكة "علوية" من المؤسسات متعددة الأطراف، سواء على المستوى المالي، مثل بنك البنية التحتية الآسيوية، أو على المستوى السياسي، مثل منظمة شنغهاي، بالإضافة إلى الاتفاقيات التجارية الثنائية، واتفاقيات استخدام عملات مثل اليوان في التبادل التجاري بدلاً من الدولار، ومحاولات لطرح هويات مشتركة، كما طرحت روسيا مثلاً فكرة الهوية الأوراسية كمظلة للتعاون مع دول الجوار) .)

ويتفق ديسن مع خانا في أن أساس القوة في النظام الجديد هو الاقتصاد، وأن الدول ستستمد قوتها أساساً من السيطرة على شبكات النقل والمواصلات والأسواق الاستراتيجية والمؤسسات المالية) ويرى ديسن أن الدول ستبني قوتها من خلال تكوين علاقات اقتصادية تكرس لاعتمادية متبادلة لكن "غير متكافئة"، يكون الطرف الفائز فيها من يحقق لنفسه أكبر قدر من الاستقلالية والنفوذ، وهو يطرح رؤية جديدة لتوازن القوى في هذا النظام الجديد، ويسميه "توازن الاعتمادية" ‪Balance of Dependence(‬ ،) تسعى فيه الدول لتنويع شراكاتها وعلاقاتها الاقتصادية، بحيث تقلل من اعتمادها على أي طرف، بينما تسعى في الوقت ذاته لأن تحظى لنفسها بموقف متميز أو احتكاري في هذه الشراكات.

ويرى ديسن أن عملية "تشبيك" أوراسيا تهدف للحفاظ على استمرار العولمة الاقتصادية، لكن بشكل يعطي للغرب سيطرة أقل عليها. وعلى الرغم من عدم تمكن روسيا من تحقيق الهيمنة منفردة، فإن التشبيك الاقتصادي سوف يسمح بقيام "هيمنة تعددية" في القارة لتحل محل الهيمنة الغربية.

وفي المقابل، يذهب المتخوفون من الصعود الصيني إلى أن الاتفاقيات الاقتصادية والقروض الضخمة التي تقدمها الصين للدول التي تقع في مسار مشروع طريق الحرير من أجل تنمية البنية التحتية تضع هذه الدول في موقع الاعتماد الكامل على الصين، وتضع عليها أعباء لا يمكنها الوفاء بها، بحيث تنفذ حرفياً سيناريو "الاعتمادية غير المتكافئة" الذي يطرحه ديسن) .)

إجمالاً، لا تعتمد الصين فقط على الاندماج الاقتصادي ضمن الامتداد الأوراسي لدعم توازن القوى الناشئ، وإنما تقوم بتعزيز قدراتها العسكرية، وهو ما تقوم به الدول المنافسة أيضا، حيث ارتفعت معدلات الانفاق العسكري بين الدول الآسيوية بشكل غير مسبوق، تستوي في ذلك سنغافورة الصغيرة مع الهند العملاقة، وهو ما سيؤدي لزيادة من حدة التنافس الاقتصادي والاستراتيجي في المستقبل المنظور.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.