البديل الغائب:

تراجع فرص تداول السلطة في الانتخابات الروسية القادمة

Trending Events - - News - إيكاترينا فينوكوروفا المراسل الخاص لموقع ”زد ناك“الروسي

تراجع فرص تداول السلطة في الانتخابات الروسية القادمة إيكاترينا فينوكوروفا

شهدت العديد من المدن الروسية في الفرة من مايو وحتى يونيو 2017 تظاهرات حاشدة، شارك فيها عشرات الآلاف من المواطنين الروس بقيادة المعارض أليكسي نافالني، رفعوا خلالها شعارات تطالب بالقضاء على الفساد، وذلك قبيل الانتخابات الرئاسية المزمع عقدها في مارس 2018، وهو ما أثار التساؤلات حول قدرة المعارضة على طرح مرشح قادر على منافسة الرئيس الحالي فلاديمير بوتين في الانتخابات الرئاسية القادمة.

اأولاً: قدرة نافالني على قيادة المعار�ضة

اندلعت في عشرات المدن الروسية، في الفترة من 26 مايو وحتى 12 يونيو، تظاهرات شارك فيها عشرات الآلاف من المواطنين الروس يطالبون بالقضاء على الفساد. وقد كان أغلب المشاركين فيها من فئة الشباب صغار السن، سواء من طلبة الجامعات، أو المدارس. وقاد هذه التظاهرات السياسي الروسي المعارض أليكسي نافالني، والذي نجح في الحصول على 27% من أصوات الناخبين في انتخابات عمدة موسكو التي أجريت في عام 2013.

ولا يمثل نافالني تهديداً لبوتين في أي انتخابات قادمة على الرغم من تمتعه بالكاريزما وقيادته لمظاهرات في عدة مدن روسية: 1- صعوبة مشاركته في الانتخابات الرئاسية القادمة: فعلى الرغم من إعلان المعارض الروسي نافالني رغبته في المشاركة في الانتخابات الرئاسية، فإنه لا يحق له ذلك وفقاً للقوانين الروسية، نظراً لصدور حكم عليه بالسجن لمدة 6 سنوات مع وقف التنفيذ. ومع ذلك، يفتح نافالني مكاتبه في العديد من الدوائر الانتخابية محاولاً حشد أكبر عدد من المؤيدين الذين سينظمون فعاليات في جميع أنحاء البلاد، للمطالبة بتسجيله في الانتخابات الرئاسية القادمة.

2- تراجع فرص حصوله على دعم المعارضة الروسية: إذ يفتقد نافالني القدرة على توحيد المعارضة، والتي تعتبر أنه لا يمكن أن يمثل بديلاً حقيقياً لبوتين، ومن أنصار هذا الرأي المعارض ميخائيل خودوركوفسكي، مؤسس حركة "روسيا المنفتحة". وتجدر الإشارة إلى أن خودوركوفسكي هو المالك السابق لشركة يوكوس للنفط UKOS(،) وقضى 10 سنوات في السجن خلال حكم بوتين، وغادر روسيا عقب الأفراج عنه في عام 2013 إلى منفاه الاختياري في سويسرا.

وقد أكد خودوركوفسكي في حوار أجراه أنه: "إذا وصل نافالني إلى السلطة، سأكون سعيداً في البداية، لأن تداول السلطة أمر جيد، ولكني سأحذر الجميع بعدها بأن يستعدوا لأوقات عصيبة قادمة. فأعتقد أننا سنعود إلى نظام احتكار الكرملين للسلطة، حيث سيهيمن نافالني على السلطة خلال السنوات الخمس أو الست المقبلة")1.)

وعقب نشر هذه المقابلة، واصل خودوركوفسكي شرح موقفه على صفحته على الفيس بوك، قائلاً: "اختلافنا الرئيسي مع نافالني هو أنه ومؤيديه يقترحون انتخاب "قيصر جيد"، وأرى أنه لا ينبغي أن يكون هناك قيصر من الأساس. ولهذا السبب ينبغي أن نبحث الآن عن قادة محليين في الدوائر الانتخابية كافة لإعادة بناء هذا النظام في المستقبل")2.)

وفي المقابل انتقد نافالني خودوركوفسكي، وذكر في مدونته أن ما يفعله الأخير ليس بكافٍ، فهو لا يتبرع بما يكفي من المال "لتوكيل محامين لجميع السجناء السياسيين في روسيا، خاصة أن هذا المبلغ لا يمثل شيئاً بالنسبة لثروته"، كما هاجم نافالني الأخير لتأسيسه حركة سياسية في الخارج، بدلاً من تمويل زعماء المعارضة المقيمين داخل روسيا، أو أن يتبرع بالمال لإنشاء قناة تليفزيونية جديدة )أو لمساعدة نافالني في تطوير قناته الخاصة(، عوضاً عن بناء شبكته الخاصة وتطوير موقعه لإعلام الرقمي Openrussia.( ‪.) 3() org‬ 3- عدم امتلاكه لأي برنامج اقتصادي واقعي: إذ إن أليكسي نافالني يتبنى سياسات شعبوية ذات جدوى اقتصادية مشكوك فيها، ومن ذلك زيادة الضرائب المفروضة على الأوليجاركية وكبار رجال الأعمال، وذلك دون أن يوضح كيف يمكن فرض الضرائب على رجال الأعمال وتلافي التداعيات المترتبة على هذا الإجراء مثل هروب الاستثمارات الأجنبية إلى الخارج، خاصة في ظل معاناة الاقتصاد الروسي من العقوبات الغربية. 4- التوجهات السلطوية لنافالني ومؤيديه: إذ إن أي انتقاد يُوجه لنافالني يواجه بهجوم شرس من أنصاره، كما حدث، على سبيل المثال، مع الاقتصادي أندري موفشان بعد أن نشر انتقاداته لبرنامج نافالني الاقتصادي. وكتب موفشان على صفحته على الفيس بوك: "لم أتعرض قط لمثل هذا الغضب من "المؤمنين" بأي سياسي، ولم أتعرض لمثل هذه الاتهامات حتى من مؤيدي بوتين، على الرغم من أنني كثيراً ما انتقدت بوتين بشدة")4.)

ومن جهة ثانية، فإن نافالني لا يتجاوب مع أي انتقادات توجه له، فهو في العادة يرد بكلمات مثل "أنت لا تفعل شيئاً سوى الانتقاد، لذا حاول أولاً أن تفعل شيئاً حقيقياً"، وهي الكلمات نفسها التي يرددها الكرملين عن المعارضة.

ثانياً: اإخفاق المعار�ضة عن ت�ضكيل جبهة موحدة

شهدت روسيا خلال السنوات الأخيرة تحالفات بين مختلف الأحزاب السياسية المعارضة، لكنها عجزت جميعاً عن الخروج بائتلاف معارض متحد. وهناك العديد من الأمثلة على الصراعات بين أطياف المعارضة، وعدم قدرتها على تجاوز الخلافات البينية، ومن ذلك دعوة نافالني أنصاره لمقاطعة الانتخابات البرلمانية في عام 2016، بدلاً من التصويت لديمتري غودكوف، أحد نواب مجلس الدوما السابقين، وأحد المؤيدين لنافالني. وقد ترتب على ذلك خسارة غودكوف بفارق حوالي ألف صوت عن منافسه من حزب "روسيا الموحدة". وكان السبب الحقيقي لموقف نافالني هذا هو كرهه الشخصي لمدير حملة غودكوف، وكذلك رغبته في أن يكون هو زعيم المعارضة الأوحد، لذا لم يكن مهتماً بدعم أي معارض آخر.

وحاول الحزب الديمقراطي الروسي المتحد "يابلوكو"، تشكيل ائتلاف معارض في انتخابات مجلس الدوما الأخيرة، وقام بترشيح غودكوف والعديد من السياسيين غير الحزبيين مثل فلاديمير ريزكوف وحتى بعض مؤيدي نافالني في الدوائر الانتخابية المختلفة. ولقد اقترح الحزب على نافالني ترشيح عدد من المقربين منه لعضوية الدوما، لكن نافالني رفض وحظر على فريقه التواصل معه، ودعا أنصاره إلى مقاطعة الانتخابات، بل وشن حملة إعلامية ضد "يابلوكو" اتهمه فيها بإبرام صفقات مع الكرملين، دون أن يقدم دليلاً واحداً) 5 .)

وفي فبراير 2015، كان هناك مشروع لإقامة ائتلاف معارض يضم أغلب قوى المعارضة المؤثرة. واشترك في مفاوضات إنشائه زعماء "حزب حرية الشعب" )بارناس(، خاصة "بوريس نيمتسوف"، نائب رئيس الوزراء السابق وكذلك ميخائيل كاسيانوف رئيس الوزراء السابق، وميخائيل خودوركوفسكي، بالإضافة إلى نافالني، وديمتري غودكوف، ووالده غينادي غودكوف، نائب مجلس الدوما السابق، فضلاً عن إيليا بونوماريف، وإيرينا بروخوروفا، شقيقة رجل الأعمال ميخائيل بروخوروف، الذي شارك في الانتخابات الرئاسية في عام 2012. ولم تكد المفاوضات تنتهي حتى أعلن نافالني عن تحالفه مع حزب "بارناس"، وأن على الآخرين، إذا رغبوا في الانضمام للتحالف، فذلك سيكون وفق الشروط، التي وضعها الطرفان، بل وهاجما في وسائل الإعلام جميع الأطراف الأخرى متهمين إياهم بالخوف من الكرملين، وهو الاتهام الذي يفتقد المصداقية)6.)

ولم يدم هذا التحالف طويلاً، إذ سرعان ما انتهى بين نافالني و"برناس" بطريقة شائنة للغاية، فعندما بدأ نافالني وزعيم حزب "برناس"، ميخائيل كاسيانوف، في التحضير لانتخابات مجلس الدوما، توصلا إلى اتفاق يتم بموجبه اختيار أول ثلاثة مرشحين في القائمة الانتخابية بالتوافق بين الطرفين، ثم يتم بعد ذلك ترتيب باقي المرشحين، وفق النتائج التي حققوها في الانتخابات التمهيدية في الدوائر المختلفة، غير أنه قبل الانتخابات التمهيدية بأسبوع واحد فحسب، طالب نافالني بتغيير الاتفاق وترتيب قائمة المرشحين للانتخابات وفق نتائج الانتخابات التمهيدية فقط، وهو ما يعني عملياً إقصاء كاسيانوف من رأس القائمة، وهو ما رفضه الأخير، وانهار التحالف)7(، ولم يحصل حزب "بارناس"، سوى على أقل من 1% من الأصوات في انتخابات الدوما في عام 2016.

وعندما أعلن خودوركوفسكي أن "روسيا المنفتحة" تعتبر نافالني أقرب حليف لها، فإن الأخير سرعان ما أنكر هذا

تفتقر المعارضة الروسية، على اختلاف أطيافها، إلى أي برنامج برجماتي قابل للتطبيق، ويحظي بشعبية، فعلى سبيل المثال، يطالب حزب "يابلوكو" بإعادة القرم إلى أوكرانيا، وذلك في الوقت الذي يعتبرها أغلب الروس أراضي روسية. ولذلك لا يكون من قبل المبالغة القول إن الصراع الشخصي ضد فلاديمير بوتين هو العامل الوحيد الذي يجمع المعارضة الروسية.

التحالف. وفي ضوء الأمثلة السابقة، يتضح أن المعارضة لا تزال عاجزة عن تجاوز خلافاتها البينية، وإقامة ائتلاف واسع يضمهم جميعاً، ولذلك لا يكون من قبل المبالغة القول إن الصراع الشخصي ضد بوتين هو العامل الوحيد الذي يجمعهم.

وعلى الجانب الآخر، يعاني اليسار هو الآخر انقسامات حادة، خاصة بعد ضم القرم إلى روسيا، وتبني قيادات اليسار مواقف متباينة إزاء هذه الخطوة. فقد أعلن سيرغي أودالتسوف زعيم منظمة "الجبهة اليسارية" المعارضة، دعمه للاستفتاء الذي أجري في القرم عام 2014، والذي بموجبه تم ضمها إلى روسيا الاتحادية، في حين أن إيليا بونوماريف– نائب الدوما السابق، وأحد مؤسسي الجبهة اليسارية مع أودالتسوف سابقاً– أكدت أوكرانية القرم. وفي المقابل، فإن الحزب الشيوعي يتعاون مع حزب "روسيا الموحدة" في الدوما، بل وكثيراً ما أبدى علناً تأييده سياسات فلاديمير بوتين الخارجية.

ثالثاً: ال�ضيناريوهات المحتملة لتداول ال�ضلطة

في ضوء الصراع القائم بين قوى المعارضة واقتراب موعد الانتخابات الرئاسية في مارس 2018، وتراجع احتمالات نجاح أي من مرشحي المعارضة في هذه الانتخابات، فإن سيناريوهات تداول السلطة تنحصر في الخيارات التالية: 1- سيناريو استمرار بوتين في الحكم: هناك العديد من المؤشرات التي تدعم مثل هذا الاستنتاج. أولها: حصول حزب "روسيا الموحدة" الموالي لبوتين على ‪(343 76.22%‬ مقعداً من أصل 450( من مقاعد "مجلس الدوما" في الانتخابات البرلمانية في عام 2016. وثانيها: استطلاعات الرأي المتواترة التي تؤكد شعبية يبوتين. فقد أظهرت استطلاعات الرأي التي أجراها "مركز أبحاث الرأي العام" WCIOM() في أغسطس 2017، أن بوتين يحوز على ثقة 50.6% من ثقة الشعب الروسي)8(. بينما أظهر استطلاع آخر أجرته "مؤسسة الرأي العام" FOM() في الشهر نفسه أن فلاديمير بوتين سيحظى بأصوات 66% من الروس، إذا أجريت الانتخابات الرئاسة في أغسطس 2017، ولن يحصل "فلاديمير جيرينوفسكي"، زعيم الحزب الليبرالي الديمقراطي، سوى على نسبة 8،% أما "غينادي زيوغانوف"، زعيم الحزب الشيوعي، فسوف يحصل على 5% فقط من الأصوات)9.) 2- سيناريو الثورات الملونة: يتحدث أغلب زعماء المعارضة عن يأسهم من تداول السلطة من خلال الاحتكام إلى الانتخابات، وأن الخيار المطروح هو حدوث ثورات ملونة على غرار ما شهدته أوكرانيا في عام 2014، إلا أن فرص تحقق مثل هذا السيناريو تبدو مستبعدة تماماً، إذ إن فلاديمير بوتين يختلف عن فيكتور يانوكوفيتش، رئيس أوكرانيا السابق، والذي عجز عن اتخاذ أي قرار لمواجهة حركة الاحتجاجات المتنامية ضده على مدار أشهر حتى انتهت بإقالته. ومن جهة ثانية، فإن الطبقة الوسطي في روسيا تخشى من حدوث أي اضطرابات داخلية، قد تؤثر سلباً على مستقبل الدولة الروسية، خاصة أن تداعيات الصراع الأوكراني الحالي لا يزال ماثلاً في الأذهان، وهو ما يفسر لنا أسباب غياب المشاركة الواسعة في التظاهرات التي اندلعت بين 26 مارس و 12 يونيو. 3- سيناريو انقسام النخبة الحاكمة: إذ تذهب بعض أحزاب المعارضة للحديث عن وجود انقسامات داخل النخبة الحاكمة، وأن هناك قسماً منها يرفض سياسات بوتين، سواء من بين كبار المسؤولين أو طبقة رجال الأعمال. ولكنه حتى مع التسليم بصحة هذا الرأي، فإن النخبة الحاكمة تدرك جيداً أن مصالحها ستضرر بشدة جراء أي انقسامات، كما أن زعماء المعارضة لم يفعلوا ما يجعلهم يحصلون على دعم هذه النخبة، خاصة مع حديثهم عن "عمليات تطهير" مستقبلية، على غرار بولندا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وعن إنزال العقاب بالفاسدين وبدائرة بوتين المقربة، وهو ما يجعلهم يشعرون بالتهديد في حالة وصول المعارضة إلى الحكم.

ويضاف إلى ما سبق، حقيقة أن المعارضة الروسية، على اختلاف أطيافها، تفتقر إلى أي برنامج برجماتي قابل للتطبيق، ويحظي بشعبية، فعلى سبيل المثال، يطالب حزب "يابلوكو" بإعادة القرم إلى أوكرانيا، وذلك في الوقت الذي يعتبرها أغلب الروس أراضي روسية. ويدعو خودوركوفسكي إلى التحوّل إلى النظام البرلماني، لكنه لا يوضح الخطوات العملية لتطبيقه.

وفي الختام، يمكن القول إن اتهام الكرملين المعارضة بأنها "تنتقد، ولكن من دون أن تكون لديها أجندة بنّاءة" يبدو منطقياً بدرجة كبيرة، نظراً لافتقارهم القدرة على وضع تصور برجماتي لما بعد بوتين. ولذلك فإنه من المتوقع أن يحسم بوتين الانتخابات الرئاسية القادمة من دون عناء كبير، وعلى المعارضة الروسية أن تعيد تنظيم نفسها، إذا ما أرادت أن تكون رقماً مؤثراً في المشهد السياسي الروسي، بما يتطلبه ذلك من إعادة تنظيم نفسها والقضاء على الخلافات فيما بينها.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.