مسارات العودة

سياسات إعادة توطين اللاجئين في دول الصراعات

Trending Events - - News - أحمد زكي عثمان مدير تحرير مجلة ”الإنساني“الصادرة عن المركز الإقليمي للإعلام باللجنة الدولية للصليب الأحمر- القاهرة

سياسات إعادة توطين اللاجئين في دول الصراعات أحمد ذكي عثمان

ترتبط سياسات إعادة اللاجئين الصاعدة في مناطق مختلفة من العالم بالزيادة غير المسبوقة في تدفقات اللاجئين، وعجز الدول المستضيفة عن تلبية الاحتياجات الأساسية لطالبي اللجوء، وضغوط اللاجئين على المرافق والخدمات واستنزاف الموارد الاقتصادية، والبدء في إقامة مناطق آمنة في دول الصراعات لاستيعاب عودة اللاجئين.

اأولاً: حملات اإعادة اللاجئين

يشير مفهوم "العودة الطوعية" Voluntary( )Repatriation إلى قيام اللاجئين والمهاجرين بالرجوع إلى بلادهم من دون إجبار بسبب تغير الأحوال والتوصل لتسوية سلمية وانخفاض وتيرة العنف وتوافر ضمانات دولية أو إقليمية أو داخلية لسلامة وأمن العائدين، كما ترتبط عودة اللاجئين بانخفاض كثافة الصراعات والتوصل لاتفاقات للتهدئة وخفض مستويات التصعيد)1.)

وقد شهدت العديد من دول العالم في الآونة الأخيرة اتخاذ إجراءات هدفها دفع اللاجئين للعودة لدولهم، سواء بصورة طوعية أو عبر إجبارهم على العودة، بغض النظر عن حالة التصعيد وعدم الاستقرار الأمني في دولهم، حيث قامت باكستان على مدار العامين الماضيين بإعادة مئات الآلاف من اللاجئين الأفغان إلى بلادهم في عملية وصفتها السلطات في إسلام آباد بأنها عودة طوعية، وتعرضت سياسات إعادة اللاجئين الباكستانية لانتقادات حقوقية متعددة، ووصفت بأنها إعادة قسرية للاجئين ‪Forced Repatriation(‬ ،) كما تم انتقاد دور الأمم المتحدة في الإشراف على تنفيذ هذه العملية)2.)

وتُعد باكستان ثاني دولة بها أكبر عدد من اللاجئين على مستوى العالم بعد تركيا، إذ تستضيف نحو 380 ألف لاجئ أفغاني، مسجلين لدى "مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين" UNHCR(،) علاوة على 225 أفغانياً غير مسجلين لدى المفوضية تمت إعادتهم إلى أفغانستان خلال عام 3( 2016.)

وتبنت الدول الأفريقية المستضيفة للاجئين السياسات نفسها لمواجهة ضغوط تدفقات اللاجئين، حيث أقدمت دول مثل الكاميرون على إعادة أعداد كبيرة من اللاجئين النيجيريين الذين فروا من المناطق التي هيمنت عليها جماعة "بوكو حرام"، وتجاوز العدد الإجمالي للنازحين واللاجئين حوالي مليوني لاجئ ونازح 4).)

ويمثل اللاجئون السوريون، سواء في منطقة الشرق الأوسط أو القارة الأوروبية

والولايات المتحدة الأمريكية وكندا، نموذجاً بارزاً على تداخل العوامل الاقتصادية والأمنية والسياسية الدافعة لسياسات إعادة اللاجئين، وتتفق أغلب التقديرات أن الحرب الأهلية في سوريا تسببت في نزوح أكثر من ستة ملايين مواطن داخلياً، فيما عبر خمسة ملايين سوري الحدود، ولجؤوا إلى دول الجوار، مثل تركيا التي تستضيف ثلاثة ملايين سوري وفق بيانات المفوضية السامية لشؤون اللاجئين)5.)

وقد تبنت أنقرة عدة مبادرات للعودة الطوعية للاجئين السوريين بسبب التكلفة الاقتصادية التي تحملتها جراء استضافة هذا العدد الكبير من اللاجئين السوريين، ويرتبط ذلك بالحملات على شبكات التواصل الاجتماعي ومن بينها هاشتاج تم نشره في يوليو 2017 يدعو لإعادة اللاجئين لبلادهم تفاعل معه عدد كبير من الأتراك، خاصة بعد الاشتباكات بين مواطنين أتراك ولاجئين سوريين في العاصمة أنقرة، واستهداف بعض المتاجر التي يملكها لاجئون سوريون من جانب قوميين متطرفين)6.)

وتتشابه الأردن مع تركيا في الأثر الاقتصادي الضاغط للاجئين السوريين، إذ تؤكد عمان أنها تستضيف قرابة مليون ونصف المليون سوري على أراضيها، منهم 659 ألف لاجئ مسجلين لدى مفوضية اللاجئين، إضافة إلى أكثر من 700 ألف غير مسجلون لدى المفوضية، وهو ما دفعها لبحث إعادة اللاجئين)7.)

أما لبنان فتستضيف أكثر من مليون لاجئ سوري، وهو ما يمثل تقريباً ربع عدد سكان البلاد، ودفعت تهديدات اختلال التوازن الديمغرافي والطائفي إلى تصاعد دعوات ترحيل اللاجئين، خاصة في ظل انخراط «حزب اله» المباشر في الأزمة السورية، وإرساله الآلاف من عناصره لدعم النظام الحاكم في دمشق.

وظهرت حركة لبنانية تُسمى "حماة الديار" وقامت بنشر مقاطع فيديو توعدت فيها اللاجئين السوريين باستهدافهم في حالة عدم عودتهم لبلادهم، وعقب تنفيذ انتحاريين عملية إرهابية ضد الجيش اللبناني في عرسال تزايدت دعوات إعادة اللاجئين إلى سوريا، وهو ما أكدته تصريحات المسؤولين اللبنانيين حول تهديدات تخفي بعض الإرهابيين في مخيمات اللاجئين وضرورة التركيز على إنشاء مناطق آمنة لإعادة اللاجئين إلى سوريا)8.)

ثانياً: �ضيا�ضات الحد من اللجوء

واجهت القارة الأوروبية عقب الثورات العربية أكبر موجات الهجرة واللجوء منذ الحرب العالمية الثانية، وخلافاً لموجات الهجرة التي مرت بالقارة سابقاً، انطوت الموجة الحالية على مخاطر سياسية واجتماعية وثقافية عميقة بسبب تعدد خلفياتهم السياسية والعرقية والدينية وأن أغلبهم غادروا دولهم هرباً من الحروب الأهلية وانعدام الأمن وندرة الفرص الاقتصادية.

وشهدت القارة الأوروبية في النصف الأول من عام 2017، محاولة أكثر من 100 ألف شخص عبور المتوسط باتجاه أوروبا، وتؤكد تقديرات مفوضية شؤون اللاجئين أن نحو 2400 شخص من بينهم لم يتمكنوا من إتمام الرحلة وغرقوا في البحر)9(. ووفقاً لأرقام «مكتب إحصاءات الاتحاد الأوروبي» يوروستات Eurostat(،) فقد شغل السوريون والأفغان والنيجريون والعراقيون المراتب الأولى في عدد طالبي اللجوء للاتحاد الأوروبي في الربع الأول من عام 10( 2017.)

وأدى تزايد تدفقات اللاجئين إلى الدول الأوروبية لتصاعد الاحتقان المجتمعي ضدهم، وانتشار خطاب الكراهية والعنف ضد اللاجئين، وصعود التيارات والأحزاب اليمينية التي قادت الدعوات لإعادة اللاجئين لدول الصراعات، وتحولت هذه المطالب إلى سياسات تبنتها بعض الحكومات لمواجهة تهديدات تزايد أعداد اللاجئين، وتمثلت أهم هذه السياسات فيما يلي: 1- التعويضات المالية: وضعت "منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية" مجموعة مقترحات تهدف إلى تقديم حوافز مالية للمهاجرين واللاجئين من أجل الرجوع إلى بلادهم)11.)

وطبقت بعض الدول الأوروبية، في مقدمتها ألمانيا وفرنسا، هذا النموذج ومنحت المهاجرين واللاجئين حوافز مالية كي يرجعوا إلى بلادهم. وتشمل هذه الحوافز تقديم مبلغ مالي ومنح اللاجئ أو المهاجر تذكرة سفر علاوة على المساعدة في بعض الأحيان في إيجاد فرصة عمل في أوطانهم)12.) وفي حالات أخرى، حاولت دول، مثل بريطانيا، إجبار أشخاص رُفض طلبهم الأول للحصول على صفة لاجئ كي يغادروا بريطانيا في مقابل الحصول على مبالغ مالية)13.)

2- اتفاقيات منع التدفقات: أبرمت بعض دول الاتحاد الأوروبي اتفاقيات مع تركيا في عام 2016 تقضي بضرورة أن تعمل أنقرة على منع تدفق اللاجئين إلى أوروبا في مقابل أن تحصل على امتيازات مالية ومساعدات لاستيعاب تدفقات اللاجئين، وحوافز سياسية من ضمنها إعفاء مواطنيها من تأشيرة الدخول إلى الاتحاد الأوروبي. كما أن هناك تفاهمات بين بعض دول الاتحاد الأوروبي، مثل ألمانيا وإيطاليا مع دول تمثل منصة لانطلاق المهاجرين عبر المتوسط، مثل ليبيا ومصر والجزائر وتونس)14.)

3- رفض استقبال اللاجئين: اتجهت بعض الدول لرفض استقبال اللاجئين والاتجاه لترحيلهم، حيث اتهمت مفوضية اللاجئين أستراليا بنكوصها عن تحمُّل مسؤوليَّة قبول نحو ألفي لاجئ في يوليو 15( 2017.)

كما تحولت السياسة الأمريكية في عهد إدارة الرئيس دونالد ترامب إلى اتخاذ مواقف صارمة تجاه طالبي اللجوء، معلنة عن عزمها خفض أعداد المهاجرين واللاجئين إليها. وكشفت بعض التوقعات أن إدارة ترامب تنوي خفض عدد اللاجئين الذين تستقبلهم واشنطن بمعدل النصف من 100 ألف شخص إلى 50 ألفاً سنوياً) 16 .)

وتؤكد مفوضية اللاجئين أن الدول الغربية وافقت على توطين 1.39% فقط من نحو خمسة ملايين لاجئ سوري، وهي نسبة ضئيلة للغاية بالمقارنة بالعدد الكبير من طالبي اللجوء الذين توقعت مفوضية اللاجئين أن يتجاوز عددهم 1.19 مليون شخص في عام 2017 بينهم 40% لاجئون سوريون)17.) 4- سياسة الإبعاد: عمدت دول الاتحاد الأوروبي إلى إبعاد عشرات الآلاف من اللاجئين بعد إثبات أنهم لا يحملون شرعية الإقامة القانونية، وقد تسارعت وتيرة هذه الإجراءات الصارمة في أوروبا منذ العام 2016، ما أدى إلى إعادة نحو ربع مليون شخص لا يحملون شرعية الإقامة القانونية، وهو رقم غير مسبوق منذ العام 2008، وفق بيانات مكتب إحصاءات الاتحاد الأوروبي)18.)

ثالثاً: تغير الاأو�ضاع الميدانية

شهدت بعض دول الصراعات في منطقة الشرق الأوسط تحولات ميدانية متعددة أسهمت في تعزيز دعوات إعادة اللاجئين، خاصة في ظل الأوضاع الإنسانية المعقدة التي يواجهها اللاجئون والنازحون، بالإضافة إلى رعاية بعض الدول عمليات إعادة اللاجئين وتأمين بعض المناطق داخل دول الصراعات لتصبح مؤهلة لاستقبال اللاجئين العائدين في إطار اتفاقيات "المناطق الآمنة"، و"مناطق خفض التوترات" التي تشرف القوات الروسية على إقامتها وحماية المدنيين بها من خلال رعاية اتفاقيات للتهدئة بين الفصائل المتصارعة ونشر قوات لمراقبة الأوضاع الأمنية والحد من التصعيد المتبادل بين أطراف الصراعات.

وقد شهدت كل من سوريا والعراق عودة سريعة لعدد كبير من اللاجئين والنازحين عقب استكمال تحرير بعض المدن من قبضة الفصائل العسكرية والتنظيمات الإرهابية، فقد أدى استكمال نظام الأسد سيطرته على حلب لعودة عدد كبير من النازحين إليها، وهو ما ينطبق على مدينتي الموصل وتلعفر بالعراق بعد تحريرهما من قبضة تنظيم "داعش"، حيث بدأت أعداد من النازحين في العودة إلى المناطق التي رحلوا عنها منذ عام 19( 2014.)

يشير مفهوم "العودة الطوعية" ‪Voluntary Repatriation(‬ ) إلى قيام اللاجئين والمهاجرين بالرجوع إلى بلادهم من دون إجبار بسبب تتغير الأحوال في البلد الذي فر منه السكان، بسبب حلول السلام أو انخفاض وتيرة العنف وتوافر ضمانات دولية أو إقليمية أو داخلية لسلامة وأمن العائدين.

وأدت استعادة القوات العراقية السيطرة على الموصل وتلعفر إلى عودة حوالي ربع مليون نازح منذ يوليو 2017، وذكرت تقديرات أخرى أن العدد كان سيرتفع لولا الدمار الهائل الذي لحق بحوالي 80% من البنية التحتية لمدينة الموصل فضلاً عن التدمير والتصدع الذي طال معظم المنازل والمباني السكنية) 20 .)

كما تمكنت قوى النظام السوري في ديسمبر 2016 من استعادة الشطر الشرقي لمدينة حلب من قبضة فصائل المعارضة المسلحة، وخلال الفترة من يناير حتى يونيو 2017 سجلت الأمم المتحدة أكثر من 200 ألف سوري يرغبون في العودة إلى حلب، لكن التحدي يكمن في توافر البنية التحتية والخدمات الأساسية للسكان العائدين)21.)

وتشير أرقام مفوضية اللاجئين إلى أن نصف مليون سوري عادوا إلى ديارهم خلال الأشهر الستة الأولى من العام 2017 بسبب تحسن الأوضاع الأمنية في المناطق التي يسيطر عليها النظام، أو التي سيطر عليها مؤخراً كحلب وحماة وحمص. وعلى غرار الموصل، فإن الأغلبية الساحقة من العائدين هم من السوريين الذي نزحوا داخلياً، فيما عاد أكثر من 31 ألفاً من دول الجوار)22،) وهو ما يرتبط بتأسيس مناطق لخفض التوتر برعاية القوات الروسية في بعض مناطق سوريا.

إجمالاً، تواجه سياسات إعادة اللاجئين عدة تحديات يتمثل أهمها في عدم تسوية الصراعات الداخلية وعدم فاعلية جهود الوساطة بين الفرقاء المتصارعين، واستمرار التصعيد العسكري، وانهيار البنية التحتية وتعثر عمليات إعادة إعمار المناطق المحررة، وتردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وتهديدات أمن وسلامة العائدين إلى دول الصراعات.

أدى تزايد تدفقات اللاجئين إلى الدول الأوروبية لتصاعد الاحتقان المجتمعي ضدهم، وانتشار خطاب الكراهية والعنف ضد اللاجئين، وصعود التيارات والأحزاب اليمينية التي قادت الدعوات لإعادة اللاجئين لدول الصراعات، وتحولت هذه المطالب إلى سياسات تبنتها بعض الحكومات لمواجهة تهديدات تزايد أعداد اللاجئين وإعادتهم إلى دولهم.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.