أرخبيل مينداناو:

بوابة الإرهاب والتطرف في جنوب شرق آسيا

Trending Events - - News -

بوابة الإرهاب والتطرف في جنوب شرق آسيا جوزيف فرانكو

مثلت المعارك الأخيرة في ماراوي أعنف حلقة من حلقات المواجهات المسلحة التي شهدتها المناطق الحضرية في جنوب الفلبين، في مؤشر على سوء إدارة الحكومة الفلبينية للأزمة، واستهانتها بقوة الميليشيات المتمركزة في مدينة ماراوي وعزمها مواصلة القتال، الأمر الذي سمح لجماعة ماوتي، التي استوحت أفكارها من "داعش"، بالسيطرة على مساحات واسعة في جنوب الفلبين والدخول في مواجهات مفتوحة مع الجيش الفلبيني، وهو الأمر الذي ينذر بتهديد الأمن والاستقرار في منطقة جنوب شرق آسيا بأسرها.

اندلعت المواجهات المسلحة في مدينة ماراوي في 23 مايو 2017 بعد أن شنت القوات المسلحة الفلبينية عملية خاصة بهدف إلقاء القبض على "إيسنيلون هابيلون"، زعيم المقاتلين المسلحين الموالين لتنظيم "داعش" في أرخبيل مينداناو. وتحولت الغارة على الفور إلى معركة مسلحة مع مئات من أعضاء جماعة ماوتي وميليشيات فلبينية ومقاتلين أجانب، والذين هاجموا الجيش الفلبيني من مواقع مختلفة في مدينة ماراوي. ومع استمرار القتال خلال شهر أغسطس 2017، تحولت ماراوي إلى منطقة منكوبة مع نزوح 90% من السكان المدنيين إلى البلديات والبلدات القريبة. ولقد بلغت حصيلة القتلى ما يزيد على 500 عضو من الإرهابيين، بالإضافة إلى 125 من أفراد قوات الأمن) .)

وسوف يتم التركيز على أبرز الجماعات الإرهابية المنخرطة في عمليات عسكرية في مدينة ماراوي ضد القوات المسلحة الفلبينية، بالإضافة إلى الإجراءات الواجب على الحكومة اتخاذها، من أجل مواجهة الفكر المتطرف، إلى جانب العمليات العسكرية الجارية حالياً، حتى لا يتحول أرخبيل مينداناو إلى تهديد أمني ليس فقط لمانيلا، ولكن كذلك للدول المجاورة في جنوب وجنوب شرق آسيا.

اأولاً: خريطة التحالفات الاإرهابية في اأرخبيل مينداناو

أقرت قوات الأمن مؤخراً بأنهم "استخفوا" بجماعة ماوتي والميليشيات المتحالفة معها) فلقد كان لدى الجماعة الوقت الكافي للتخطيط للاستيلاء على مدينة ماراوي، وهو ما وضح في قيامهم بمحاصرة مقر اللواء 103 مشاة التابع للجيش الفلبيني، ومقر الاستخبارات العسكرية الخاص بالمدينة) ولم تنجح الضربة الاستباقية التي وجهها الجيش الفلبيني للجماعة في 23 مايو، سوى في تعطيل خططهم للسيطرة على المدينة خلال شهر رمضان من دون إجهاضها تماماً.

ولا تعد جماعة ماوتي بجديدة على الجيش الفلبيني، فقبل اشتباكات ماراوي الأخيرة، شنّ الجيش الفلبيني ثلاث حملات عسكرية ضد معقل الجماعة في بلدة بوتيج، والتي تقع على بعد أكثر من 30 ميلاً من مدينة ماراوي) والتي شهدت مولد الجماعة لأول مرة، وعرفها سكان المنطقة باسم "جماعة داعش") وكانت الجماعة في البداية عبارة عن جيش خاص لرئيسة قبيلة ماوتي، فرحانة ماوتي، وكان مجال عملها الرئيسي في عمليات الابتزاز والاحتيال) ثم أقامت فرحانة هذه الميليشيات الخاصة لتوظيفها في مواجهة

الصراعات القبلية) .)

وتكشف السهولة التي نجحت بها ماوتي في السيطرة على مدينة ماراوي عن هشاشتها الأمنية، وغياب الحكم والإدارة الفاعلين في مينداناو المسلمة، وهو ما أوجد فراغاً في السلطة استغلته جماعات، مثل جماعة أبو سياف وجماعة ماوتي) أما عن كيفية نشوء التحالف بين ماوتي وبعض الفصائل داخل جماعة أبو سياف، فيرجع إلى أن "إيسنيلون هابيلون"، قائد أحد تلك الفصائل والمتمركزة في باسيلان، يعاني نقص التمويل، مقارنة بفصائل الجماعة المتمركزة في مقاطعة سولو، والذين نجحوا في تحقيق ثروات كبيرة، نتيجة أعمال الاختطاف المربحة التي يمارسونها عبر الحدود) .)

ومن جهة ثانية، فإن "هابيلون"، كان حريصاً على استثمار مكانته كأمير ل"داعش"، ولجأ إلى التحالف مع جماعة ماوتي، التي بايعت هي الأخرى "داعش"، وذلك للجمع بين مؤهلاته الجهادية والموارد المالية لقبيلة مينداناو الوسطى. وفي المواجهات الأخيرة مع الجيش الفلبيني في مدينة ماراوي، يعتقد أنهما استطاعا أن يسلبا حوالي 28 مليار دولار إضافية. وانضم إلى هذا التحالف المقاتلون الأجانب، الذين يقيمون في الفليبين منذ التسعينيات) .)

ويعود وجود المقاتلين الأجانب في الفلبين إلى حقبة التسعينيات، حين استضافت "جبهة تحرير مورو الإسلامية" معسكرات درّبت فيها عناصر الجماعة الإسلامية الإندونيسية وتنظيم القاعدة. وخلال الفترة من عام 1996 الى عام 1998، دربت تلك المعسكرات المئات من مواطني جنوب شرق آسيا، وكان أغلبهم من إندونيسيا، قبل أن يتم حلها بعد "الحرب الشاملة" ضد جبهة مورو للتحرير الإسلامي عام 2000 وتوقيع اتفاق سلام مع مانيلا لاحقاً في عام 2014.

ولم تتوقف الشراكة بين الجماعة الإسلامية وجبهة مورو إلا ظاهرياً، عندما انخرطت الأخيرة في محادثات السلام مع الحكومة الفلبينية بدءاً من عام 2005. وبعدها بعقد من الزمن، وتحديداً في يناير 2015، اتضح أن العلاقات الخفية بين الجانبين لاتزال قائمة، وهو ما ظهر في حادثة بلدة ماماسابانو بإقليم ماجوينداناو في أرخبيل مينداناو، حين قُتل 44 من أفراد الكوماندوز في الشرطة الوطنية الفلبينية في محاولة فاشلة لإلقاء القبض على الإرهابي الماليزي "ذو الكفل بن خير"، المعروف أيضاً باسم مروان، وهو صانع قنابل تابع للجماعة الإسلامية الإندونيسية.

ومن أحد العوامل التي يسرت التواصل بين الجماعات الإرهابية المتمركزة فى جنوب شرق آسيا والفلبين، غياب الرقابة على الحدود البحرية، خاصة عند بحر "سيليبس") ،) الذي يفصل بين أرخبيل مينداناو وكل من إندونيسيا وماليزيا) وتستخدم الجماعات الإرهابية تطبيقات التواصل الاجتماعي، خاصة تطبيق "تليجرام"، لكي تحث المتعاطفين معها من مواطني جنوب شرق آسيا، خاصة من إندونيسيا وماليزيا والهند، على الحج إلى أرخبيل مينداناو، وإلى بوتيج تحديداً التي تسيطر عليها جماعة ماوتي. ومن بين هؤلاء المجندين "كارين عائشة حميدون"، والتي وضعت هيئة الاستخبارات الوطنية الهندية اسمها على قوائمها بصفتها مسؤولة عن تشجيع عدد من الهنود على الفكر المتشدد من خلال الإنترنت.

ثانياً: �ضروط اأولية لتفكيك بنية التطرف

سيحتاج الرئيس الفلبيني رودريجو دوتيرتي، من أجل مواجهة التحالف الإرهابي الجديد إلى تبني إجراءات تتجاوز مجرد إعادة بناء مدينة ماراوي المنكوبة إلى التركيز على مكافحة وتفكيك البنية التحتية للفكر المتطرف من خلال تبني مبادرات مجتمعية لمكافحة التطرف العنيف في أرخبيل مينداناو، على غرار تلك التي تبنتها القوات المسلحة الفلبينية مواجهة التمرد الشيوعي. وهناك شرطان أساسييان لابد للحكومة الفلبينية أن تشرع فيهما قبل التركيز على المداخل المجتمعية والفكرية لمكافحة التطرف، وذلك على النحو التالي: 1- وقف السياسات التمييزية ضد المسلمين: وهو ما يتضح في بعض السياسات التي تفكر في تبنيها، والتي تعزز التمييز، وتقدم مبرراً إضافياً لإرهابيين لتبرير مواقفهم المتطرفة، ومن أمثلة ذلك قيام السلطات الفلبينية بدراسة إقامة نظام بطاقات هوية إلزامي لمسلمي جزيرة لوزون شمال العاصمة الفلبينية مانيلا، والبالغ عددهم 26 ألف مسلم) ويفتح هذا الاقتراح الباب أمام مزيد من الممارسات التمييزية ضد المسلمين الفلبينيين المقيمين خارج مينداناو) كما أن التقسيم المفروض بين الفلبينيين المسلمين وغير المسلمين ستستغله الجماعات الإرهابية في دعاياتها من أجل تجنيد مزيد من المسلمين الساخطين. 2- تبني الحكومة الفلبينية خطاباً معتدلاً: إذ إن الرئيس الفلبيني، رودريجو دوتيرتي، نفسه مطالب بتقديم خطاب أكثر اعتدالاً واتساقاً، فالخطاب الحالي للرئيس يتسم بالتناقض، فتارة يؤكد أن الأنشطة الإجرامية لجماعة أبو سياف تمت

لم تتوقف الشراكة بين الجماعة الإسلامية وجبهة مورو إلا ظاهرياً، عندما انخرطت الأخيرة في محادثات السلام مع الحكومة الفلبينية بدءاً من عام 2005. وبعدها بعقد من الزمن، وتحديداً في يناير 2015، اتضح أن العلاقات الخفية بين الجانبين لاتزال قائمة، وهو ما ظهر في حادثة بلدة ماماسابانو بإقليم ماجوينداناو في أرخبيل مينداناو، حين قُتل 44 من أفراد الكوماندوز في الشرطة الوطنية الفلبينية في محاولة فاشلة لإلقاء القبض على الإرهابي الماليزي "ذو الكفل بن خير"، المعروف أيضاً باسم مروان، وهو صانع قنابل تابع للجماعة الإسلامية الإندونيسية.

"بدافع اليأس") وتارة أخرى يناقض هذه التصريحات، بالتهديد في مناسبات عدة بأنه سيأكل "جماعة أبو سياف" أحياءً أو سيأكل أكبادهم "بالملح والخل") وتضعف هذه التصريحات الجهود الرامية إلى خلق خطاب لمكافحة التطرف ضد الجماعات الموالية ل"داعش" في الفلبين. فإذا كانت اللهجة الحادة الحازمة للرئيس الفلبيني تفيد في رفع الروح المعنوية للقوات المسلحة على المدى القصير، فإنها تضر بالصراع الذي طال أمده ضد الجماعات الإرهابية في داخل البلاد.

وتمثل معركة ماراوي وما تلاها من دعم جماهيري للجيش الفلبيني فرصة غير مسبوقة لبناء برنامج لمكافحة التطرف العنيف لمواجهة "داعش". وينبغي أن يتم تصميم برنامج محلي خاص بأرخبيل مينداناو، يأخذ في الاعتبار التنوع العرقي لها، كما يجب أن يأخذ هذا البرنامج أيضاً في حسبانه دور الجريمة المنظمة في مينداناو بصفتها المحرك الرئيسي للصراع، بصورة تفوق الأيديولوجيات القادمة من الخارج.

وفي الختام، يمكن القول إن قرب مدينة ماراوي من المراكز الحضرية الأخرى في مينداناو يمثل مشكلة أمنية ليست للفلبين وحدها، ولكن كذلك للدول المجاورة، وتحديداً إندونيسيا وماليزيا وبنجلاديش، خاصة في ضوء قيام الجماعات الموالية ل"داعش" في ماليزيا والفلبين بتجند أفراد من بنجلاديش للقتال في صفوف الجماعات الإرهابية في جنوب الفلبين، حتى قبل بدء معركة ماراوي الأخيرة) ،) والعثور على جثث لمقاتلين أجانب من بنجلاديش في تلك المعركة) بالإضافة إلى ارتباط الجماعات الإرهابية في إندونيسيا تنظيمياً بالمقاتلين الأجانب في الفلبين، وهو ما يعني أن الدول الثلاثة سوف تعاني في المستقبل القريب مخاطر عودة المقاتلين الأجانب من الفلبين، خاصة مع اكتسابهم لمهارات قتالية عالية هناك.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.