مستقبل غامض:

فرص محدودة لنمو النفط الصخري في العالم

Trending Events - - News - علي صلاح رئيس وحدة الدراسات الاقتصادية، المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، أبوظبي

فرص محدودة لنمو النفط الصخري في العالم علي صلاح

يتمثل أحد العوامل الرئيسية، التي ساهمت في تراجع أسعار النفط في السنوات الأخيرة في الطفرة في إنتاج النفط الصخري، خاصة في الولايات المتحدة،غير أن بعض التطورات التي شهدها عام 2016، تشير إلى أن هذه الطفرة قد لا تكون مستدامة، وأن النفط الصخري قد يواجه تحديات عديدة خلال الفرة المقبلة.

تتوقع وكالة الطاقة الدولية أن يرتفع الطلب العالمي على النفط إلى 97.8 مليون برميل يومياً بنهاية عام 2017، بزيادة تقدر بنحو 1.4 مليون برميل يومياً مقارنة بعام 2016، وأن يواصل الطلب صعوده ليبلغ 99.3 مليون برميل يومياً في نهاية عام 2018، أي بزيادة تقدر بنحو 1.5 مليون برميل يومياً مقارنة بعام 1( 2017(.ما قد يمهد الطريق لعودة الاستقرار إلى أسواق النفط العالمية، غير أن هذا الأمر يتوقف على التطور المتوقع أن يشهده جانب المعروض النفطي العالمي، والذي بدا أكثر قدرة على التوسع خلال السنوات الماضية، لاسيما منذ نهاية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. وتعود هذه الزيادة إلى عدة أسباب رئيسية، يأتي على رأسها التوسع في إنتاج النفط الصخري الأمريكي، ومنافسة الولايات المتحدة الأمريكية لمنتجي النفط الرئيسيين في العالم.

لكن ذلك التطور والتوسع اللذين شهدهما إنتاج النفط الصخري الأمريكي خلال الفترة من 2008 إلى 2015 انحسر زخمه في عام 2016. وتطرح هذه التطورات الكثير من التساؤلات بشأن مستقبل قطاع النفط الصخري الأمريكي، ومدى قدرته على أن يكون بديلاً كاملاً ومنافساً قوياً للنفط التقليدي في المستقبل. وتمثل الإجابة عن هذه التساؤلات الهدف الرئيسي من هذا التحليل.

اأولاً: طفرة اإنتاج النفط ال�ضخري الاأمريكي

تعيش أسواق النفط العالمية منذ سنوات عدة حالة من عدم الاستقرار بسبب معاناتها تخمة في جانب المعروض. وهذه التخمة تسببت فيها عوامل عدة، كان من بينها تصاعد إنتاج النفط الصخري في الولايات المتحدة الأمريكية، والذي ساهم في بلوغ الإنتاج الأمريكي من النفط الخام 9.4 مليون برميل يومياً في عام 2015، مسجلاً أعلى مستوى له منذ عام 1972، والذي بلغ فيه 9.5 مليون برميل يومياً.

وقد أدى تزايد الإنتاج الأمريكي من النفط الصخري، إلى تراجع الواردات الأمريكية من النفط الخام بشكل تدريجي، فبينما بلغت هذه الواردات أعلى مستوى لها على الإطلاق في عام 2006، بوصولها إلى 10.13 مليون برميل يومياً، فإن تزايد الإنتاج المحلي أدى إلى تراجع الواردات النفطية إلى مستوى 7.73 مليون برميل يومياً في عام 2013. وفيما بعد تجاوز الإنتاج النفطي الأمريكي حجم الواردات، بل إنه

بلغ مستواه القياسي في عام 2015، فتراجعت الواردات إلى 7.34 مليون برميل يومياً)2.)

وخلال الفترة من 2008 إلى 2015، أضاف النفط الصخري ما يزيد على 4.4 مليون برميل يومياً إلى المتوسط اليومي لإنتاج الأمريكي من النفط، وبنسبة تزيد على 46% من إجمالي حجم الإنتاج اليومي في عام 3( 2015.)

ومع تزايد إنتاجها من النفط الصخري، فإن الولايات المتحدة عادت مرة أخرى إلى منافسة كل من المملكة العربية السعودية وروسيا الاتحادية على المراتب الأولى لمنتجي النفط الخام في العالم. فقد أدى ارتفاع الإنتاج الأمريكي من النفط الخام إلى مستواه القياسي في عام 2015 إلى تقليص الفجوة بين موقع الولايات المتحدة من ناحية، وموقع كل من السعودية وروسيا من ناحية أخرى، باعتبارها أكبر ثلاث دول منتجة للنفط الخام في العالم.

وبينما بلغ الهامش الفاصل بين الإنتاج السعودي والإنتاج الأمريكي من النفط الخام نحو 4.2 مليون برميل يومياً في عام 2008، فإنه تراجع إلى نحو 800 ألف برميل يومياً فقط في عام 2015. كما تراجع ذلك الهامش الفاصل بين الإنتاج الروسي والأمريكي من 4.5 مليون برميل يومياً في عام 2008 إلى 700 ألف برميل يومياً فقط في عام 4( 2016.)

ثانياً:تكنولوجياالنفطال�ضخري

كان التطور التكنولوجي الحادث في تكنولوجيا التكسير الهيدروليكي للصخور الزيتية هو السبب الرئيسي لحدوث الطفرة التي شهدها إنتاج النفط الصخري، لاسيما في الولايات المتحدة، بداية من عام 5( 2005(. ومع استمرار التطور التكنولوجي، شهدت السنوات الأخيرة تراجعاً مستمراً في تكلفة إنتاج النفط الصخري، وتظهر بيانات "وول ستريت جورنال" أن تكلفة إنتاج برميل النفط الصخري في الولايات المتحدة في أفضل مواقع الإنتاج بلغ 23,35 دولار للبرميل، وذلك كما هو موضح في الشكل رقم )1(. وتتضمن هذه التكلفة 6,42 دولار كضريبة تحصلها الحكومة الأمريكية على كل برميل يتم إنتاجه من النفط)6(. وبذلك تكون تكلفة إنتاج النفط الصخري قد اقتربت كثيراً من تكلفة إنتاج النفط التقليدي في الولايات المتحدة الأمريكية، والتي تبلغ نحو 20.99 دولار للبرميل، مع الأخذ في الاعتبار أن هذه الأخيرة تتضمن ضريبة تبلغ 5.03 دولار على كل برميل)7.)

وبذلك تبلغ تكلفة إنتاج برميل النفط الصخري من دون الضرائب 16.93 دولار، في حين تبلغ تكلفة إنتاج النفط التقليدي من دون الضرائب 15.96 دولار، بمعنى أن الفارق بينهما لا يتجاوز 0.93 دولار لكل برميل، وهو فارق ضئيل للغاية. ويمثل ذلك انخفاضاً كبيراً في تكلفة إنتاج هذا النوع من النفط، الذي كانت تكلفته تتجاوز ال 100 دولار للبرميل قبل سنوات معدودة)8 .)

وقد ساعد التطور التكنولوجي في صناعة النفط الصخري العالمي ساعد على تحسين الكفاءة الإنتاجية للصناعة ككل، وكذلك تراجع مستوى التكلفة الرأسمالية لكل وحدة منتجة )برميل()9(. وعلى سبيل المثال، فقد شهدت تكلفة الحفر والتنقيب عن النفط الصخري تراجعاً يتراوح بين 22% % 7في عام 2015، مقارنة بعام 2014، وهو تطور مهم، لاسيما في ظل أن تكلفة الحفر والتنقيب تمثل ما يتراوح بين و38% 22% من إجمالي تكلفة الإنتاج لهذا النوع من النفط، وذلك مع الأخذ في الاعتبار أن هذه التكلفة تختلف من موقع تنقيب إلى آخر، تبعاً للطبيعة الجيولوجية لكل موقع وعمق الموقع واحتمالات وجود مياه في الموقع من عدمه)10.)

ثالثاً:م�ضتقبلغام�صللنفطال�ضخري

ساهم توسع إنتاج النفط الصخري، وما نتج عنه من زيادة كبيرة في إنتاج النفط الخام الأمريكي خلال السنوات الماضية في حدوث تخمة في حجم المعروض النفطي العالمي. وبمقارنة الزيادة التي طرأت على الإنتاج الأمريكي بالزيادة التي طرأت على إنتاج الدول الأخرى التي شهدت تطوراً في حجم إنتاجها بين عامي 2008 و2016، والتي تشمل على الترتيب كل من الولايات المتحدة والعراق والسعودية وروسيا والإمارات والكويت، وذلك كما هو موضح في الشكل رقم )2(. يتضح أن الزيادة التي طرأت على الإنتاج الأمريكي بمفرده بلغت نحو 43% من إجمالي الزيادة في إنتاج الدول الست المذكورة، والمقدرة بنحو 9.12 مليون برميل يومياً، في الوقت الذي بلغت فيه الزيادة في إنتاج العراق نحو 26% من إجمالي الزيادة الحادثة في إنتاج الدول الست. في حين لم يتجاوز نصيب الدول الأربع الأخرى )السعودية وروسيا والإمارات والكويت على الترتيب(، 21% من إجمالي الزيادة المشار إليها.

إن الزيادة الكبيرة في إنتاج النفط الصخري الأمريكي تُثير التساؤل حول قدرته على مواصلة هذا الأداء خلال الفترة المقبلة، لاسيما أنها اعتمدت على الزيادة في إنتاج النفط الصخري،

وليس النفط التقليدي، وفي ظل ما شهده عام 2016 من تراجع في إنتاج هذه الصناعة على نحو دراماتيكي.

فعلى خلاف ما حدث خلال الفترة من 2008 إلى 2015 من زيادة كبيرة ومتسارعة في إنتاج النفط الصخري الأمريكي، فإن عام 2016 شهد تراجعاً ملحوظاً في هذا الإنتاج، وأدى ذلك إلى تراجع الإنتاج الأمريكي الكلي من النفط الخام، من 9.4 مليون برميل في عام 2015 إلى 8.9 مليون برميل في عام 2016، منخفضاً بنحو 500 ألف برميل يومياً، وبنسبة تراجع 5.3%. وقد ترتبت على ذلك عودة الواردات النفطية الأمريكية إلى الزيادة من جديد، لتقفز من 7.3 مليون برميل يومياً في عام 2015، إلى 7.9 مليون برميل يومياً في عام 2016، بحجم زيادة يبلغ 600 ألف برميل يومياً، وبنسبة 8.2.%

ولا يثير هذا التغير المفاجئ فقط الشكوك حول مستقبل صناعة النفط الصخري الأمريكية، لكنه يثير الشكوك حول صناعة النفط الصخري العالمية بشكل شامل. وفي ضوء ذلك سيتم عرض بعض المؤشرات التي ترجح تراجع القدرات التنافسية لقطاع النفط الصخري خلال الفترة المقبلة، وذلك على النحو التالي: 1- تنافسية ضعيفة في جانب التكلفة: يرتبط الانكسار السلبي في منحنى الإنتاج لصناعة النفط الصخري الأمريكية بشكل خاص بالتراجع الذي شهدته أسعار النفط العالمية على مدار السنوات الثلاث الماضية، واستقرارها عند مستويات تبدو غير ذات جدوى اقتصادية للعديد من مناطق الحفر والتنقيب عن النفط الصخري. فإذا كانت تكلفة الإنتاج بهذه الصناعة قد تراجعت خلال السنوات الماضية، لكنها تبقى غير تنافسية مقارنة بتكلفة إنتاج النفط التقليدي، لاسيما بدول منطقة الشرق الأوسط. إذ تقدر تكلفة الإنتاج في معظم هذه الدول حالياً بنحو ثلث تكلفة إنتاج النفط الصخري. ففي حين تبلغ تكلفة إنتاج النفط الصخري الأمريكي في أفضل المناطق– مضافاً إليها الضرائب– 23.53 دولار للبرميل)11(، وترتفع هذه التكلفة إلى أكثر من 73 دولاراً للبرميل ببعض المناطق، فإن تكلفة إنتاج النفط التقليدي من بعض آبار منطقة الشرق الأوسط تبلغ 3 دولارات للبرميل، كما أنها لا تزيد على 15 دولاراً للبرميل بأعلى الآبار تكلفة في تلك المنطقة)12.)

وإذا كانت زيادة إنتاج النفط الصخري الأمريكي ساهمت في تراجع أسعار النفط العالمية من مستوى يزيد على 120 دولاراً للبرميل خلال النصف الأول من عام 2014، إلى مستوى 52 دولاراً للبرميل حالياً )28 أغسطس 2017‪(، 13 ()‬بنسبة تراجع تبلغ 56.7%، فإن التراجع الذي طرأ على إنتاجه بعد أن وصلت الأسعار إلى هذا المستوى يثير الكثير من الشكوك حول قدرته على الاستمرار في التوسع في المستقبل المنظور، في ظل ظروف السوق الحالية. كما أن ذلك يعني أن النفط الصخري مازال غير قادر على أن يكون منافساً حقيقياً للنفط التقليدي من ناحية التكلفة، ومن ثم تحمل الأسعار المتدنية.

ويبدو ذلك واضحاً من خلال التراجع الذي طرأ على عدد الحفارات النفطية العاملة في قطاع النفط الأمريكي خلال السنوات الأخيرة، نتيجة تراجع أسعار النفط العالمية، كما هو مبين في الشكل رقم )3(، وهو أمر ناتج عن عدم تحمل صناعة النفط الصخري هناك للمستويات المنخفضة للأسعار مقارنة بما كان سائداً خلال النصف الأول من عام 14( 2014.) 2- محدودية حجم الاحتياطيات: إذا كانت الطفرة التي طرأت على إنتاج النفط الصخري في الولايات المتحدة لفتت الانتباه إلى أن هناك مورداً إضافياً للنفط الخام يمكن الاستفادة منه، فإنها أثارت التساؤل في الوقت ذاته بشأن قدرة هذا المورد على الاستمرار كبديل للنفط التقليدي. ويعتمد ذلك بدوره على حجم الاحتياطيات العالمية المؤكدة من الموردين مقارنة ببعضها البعض. وتصب هذه المقارنة بالتحديد في صالح النفط التقليدي، إذ في الوقت الذي لا تتجاوز فيه الاحتياطيات العالمية المؤكدة من النفط الصخري، مستوى 345 مليار برميل موزعة حول العالم )انظر الشكل رقم 4‪(، 15 ()‬فإن احتياطيات النفط التقليدي في العالم تتجاوز مستوى 1.492 تريليون برميل)16(، أو ما يقدر ب 4.3 ضعف حجم احتياطيات النفط الصخري.

وترتبط هذه القضية من جانب آخر بسرعة تراجع كفاءة حقول النفط الصخري، بسبب سرعة استنزافها مقارنة بحقول النفط التقليدي، وقد أشارت وكالة الطاقة الدولية إلى أن الولايات المتحدة بحاجة إلى 2500 بئر جديدة سنوياً لإنتاج مليون برميل يومياً من النفط الصخري في منطقة داكوتا الشمالية، في المقابل فإن العراق، على سبيل المثال، بحاجة إلى 60 بئراً فقط لإنتاج الكمية نفسها من النفط التقليدي، ونتيجة لهذا الفارق الكبير في الكفاءة، تقدر الوكالة أن تنفق شركات النفط الأمريكية نحو 3 تريليونات دولار لاستخراج النفط الصخري حتى عام 2035، في حين أن دول الشرق الأوسط بحاجة إلى 300 مليار دولار فقط لإنتاج الكمية ذاتها بالاعتماد على آبار النفط التقليدي)17.)

وتجدر الإشارة في هذا الموضع أيضاً إلى أن جميع الطرق المستخدمة في تقدير احتياطيات النفط الصخري حول العالم حتى الآن ليست على درجة كبيرة من الكفاءة، ولذلك فقد أقدمت العديد من الشركات العاملة في مجال صناعة النفط وكذلك المؤسسات البحثية على مراجعة بياناتها بشأن الاحتياطيات، وتشير بعض التقدير إلى أن هناك مبالغة في حجم الاحتياطيات من هذا النوع من النفط بنسب تبلغ 21% وهناك تقديرات ترى أن نحو 96% من تلك الاحتياطيات غير ذات جدوى اقتصادية في ظل تكنولوجيا الإنتاج الحالية)18.) 3- قيود التغير المناخي على الصناعة: يمثل التغير المناخي أحد التحديات الرئيسية لصناعة النفط الصخري بشكل عام، لاسيما أن هذه الصناعة لها آثار سلبية عديدة على المناخ، إذ ترتفع نسبة انبعاث الغازات والملوثات البيئية منها. وقد بذلت دول العالم جهوداً حثيثة خلال العقدين الماضيين، لتقليص حجم انبعاثات الغازات المسببة لظاهرة الاحتباس الحراري)19(، وهو ما تبلور في اتفاق باريس للمناخ، الذي أقرته 194 دولة في نهاية عام 2015، والذي نص على متابعة الجهود لوقف ارتفاع الحرارة عند 1.5 درجة مئوية. ويفرض ما سبق تقليصاً شديداً لانبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري، عبر اتخاذ إجراءات للحد من استهلاك الطاقة والاستثمار في الطاقات البديلة وإعادة تشجير الغابات)20(. ومن شأن التزام دول العالم بهذا الاتفاق أن يقلص من فرص التوسع في إنتاج النفط الصخري، ومن فرص استغلال الصخور الزيتية بشكل عام، ولا يغير هذا الواقع سوى حدوث تطور تكنولوجي كبير في صناعة النفط الصخري تؤدي إلى تدني الانبعاثات الضارة منها إلى الحدود المقبولة، وهذا ما لم يحدث حتى الآن.

وفي الختام يمكن القول أن النفط الصخري لا يمتلك تلك الإمكانات الكبيرة التي تؤهله – في حال التوسع في إنتاجه حول العالم – إلى البقاء كمنافس قوي للنفط التقليدي لفترة طويلة، بل إنه سيواجه تراجعاً كبيراً في قدرته التنافسية ما يؤدي إلى تراجع حقيقي في قدرة منتجيه على التأثير في أسعار النفط في السوق العالمية، وهو ما يعني عودة منتجي النفط التقليدي، سواء داخل منظمة أوبك أو خارجها، للتحكم في الأسواق. وإن توقف ذلك على عدم حدوث تطور تكنولوجي مستقبلي يساهم في تخفيض إنتاج النفط الصخري، أو اكتشافات كبيرة لاحتياطياته، عن ما هو قائم حالياً.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.