الغطاء الديني:

تصاعد الصراع على الروة والسلطة في وسط أفريقيا

Trending Events - - News - أدى عجز الحكومة في أفريقيا الوسطى عن الإمداد بالأمن إلى انتشار الجماعات المسلحة، وسيطرتها على مناطق واسعة من البلاد، فخلال فرة حكم الرئيس السابق فرانسوا بوزيزيه، فإن %60 من أراضي الدولة كانت تقع خارج سيطرة الدولة

كمال الدين محمد عرب تصاعد الصراع على الثروة والسلطة في وسط أفريقيا

برز في الآونة الأخير عامل الدين في بعض الصراعات التي شهدتها منطقةوسط أفريقيا، خاصة في أفريقيا الوسطى والكونجو الديمقراطية، وقد تم توظيف عامل الدين في الحالتين باعتبارهما وسيلة لتعبئة وتجنيد المقاتلين للمشاركة في تلك الحروب، والتي كان هدفها الأساسي هو الحصول على الروة والسلطة. غير أنه مع استمرار الصراع، فإن البعد الديني أصبح أحد العوامل الأساسية في الصراع، الذي لا يمكن تجاهله.

وتسعى هذه المقالة إلى إلقاء الضوء على أسباب بروز هذا النمط من الصراع في هاتين الدولتين، وذلك بعد عرض خلفية بسيطة عن الصراع فيهما وعن العلاقات بين الطوائف الدينية المختلفة ونسب المكونات الدينية في الحالتين.

اأولاً: انهيار الدولة في اأفريقيا الو�ضطى

يمثل المسلمون حوالي 15% من إجمالي السكان، في حين أن كل من البروتستانت والرومان الكاثوليك يمثلون حوالي 25% من عدد سكان، بينما يشكل معتنقو الديانات الأفريقية القديمة حوالي35 .)

وتاريخياً، كانت العلاقات بين معتنقي الديانات المختلفة تتسم بالود والتعاون، ساعد على ذلك أن معتنقي الإسلام والمسيحية وُجدوا في الجماعة الإثنية نفسها، أو حتى داخل العائلة الواحدة) غير أنه مع الصراع الأخير، فإن الدين، والذي لم يكن عاملاً رئيسياً في اندلاع الصراع تم توظيفه بصورة كبيرة) ويمكن إرجاع أسباب الصراع إلى ما يلي: 1- انهيار السيطرة الأمنية على الدولة: تعاني أفريقيا الوسطى تراجع وضعف مؤسسات الدولة القادرة على الإمداد بالخدمات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية لمواطنيها، وهو ما حدا ب "مجموعة الأزمات الدولية" إلى وصفها ب "الدولة الشبح") .)

وقد أدى عجز الدولة عن الإمداد بالأمن إلى انتشار الجماعات المسلحة، وسيطرتها على مناطق واسعة من البلاد، فخلال فترة حكم الرئيس السابق فرانسوا بوزيزيه، فإن 60% من أراضي الدولة كانت تقع خارج سيطرة الحكومة، إذ تسيطر جماعتا "اتفاق الوطنيين للعدالة والسلام" و"اتحاد القوى الديمقراطية من أجل الوحدة" على شمال شرق البلاد، خاصة المناطق الريفية، وتفرض قوانينها الخاصة، وذلك بموافقة ضمنية من الحكومة المركزية، في حين أن جيش الرب الأوغندي يتمركز في جنوب شرق البلاد، وذلك على الرغم من سعي الحكومة الأوغندية للقضاء عليها.

وفي شمال البلاد، تسيطر العصابات وقطاع الطرق على الحدود المشتركة مع تشاد والكاميرون. وأخيراً، تقوم بعض القبائل السودانية من دارفور بالانتقال إلى شرق أفريقيا الوسطى خلال مواسم الجفاف، وهو ما يترتب عليه في بعض الأحيان حدوث صدامات مع الميليشيات المسلحة المتمركزة هناك) .) 2- الإقصاء من السلطة: تعود خلفية الصراع الديني إلى فترة حكم الرئيس السابق فرانسوا بوزيزيه، والذي وصل إلى السلطة في انقلاب عسكري في مارس 2003، وحكم البلاد على مدار عقد كامل. وخلال تلك الفترة، سعى الرئيس إلى

وضع أقاربه من قبيلة "جبايا" Gbaya() في الحكم، مع تهميش النخب السياسية والاقتصادية، والذين فيما بعد أصبحوا القادة المستقبليين لحركة "سيليكا") والتي تعني "التحالف"، وقد تمكنت حركة التمرد من الإطاحة بالرئيس، والسيطرة على الحكم في عام 2013.

وقد دفع هذا التطور إلى قيام بوزيزيه بتكوين ميليشيات مضادة عرفت باسم "أنتي بالاكا" Anti-balaka(،) والمقصود بها "ضد الرصاص"، وقامت بشن حرب ضد حركة سيليكا والمسلمين عموماً) وعلى الجانب الآخر، يرى البعض أن هناك حالة من الحقد من جانب الأغلبية المسيحية الفقيرة التي تعمل في مجال الزراعة، على الأقلية المسلمة الغنية التي تعمل في مجال الرعي والتجارة، خاصة تجارة الماشية، كما أن تجارة الذهب والألماس التي تشكّل 80% من حجم اقتصاد البلاد تقع في أيدي المسلمين) .) 3- الهجمات الانتقامية: فقد رصدت المنظمات الحقوقية، مثل منظمة العفو الدولية، قيام ميليشيات "أنتي بالاكا" المسيحية بعمليات تطهير عرقي ضد المسلمين القاطنين في غرب البلاد منذ يناير 2014، وقد عجزت قوات حفظ السلام الدولية عن وقف هذه الممارسات. وقد جاءت بعض هذه الممارسات، في جانب منها، كأعمال انتقامية رداً على قتل المدنيين من المسيحيين على يد ميليشيات "سيليكا" وغيرها من الميليشيات المسلمة) .) -4 سوء الإدارة الاقتصادية للبلاد واستشراء الفساد: خاصة مع سيطرة الشركات الفرنسية على الموارد الطبيعية للبلاد، لاسيما اليورانيوم والماس) وهو ما أثار استياء شعبياً وغضباً تجاه الحكومة، ووفر البيئة المناسبة، التي دفعت الشباب، خاصة في المناطق الفقيرة والمهمشة إلى المشاركة في اقتصاد الحرب من خلال الانضمام إلى إحدى الميليشيات القائمة، نظراً لغياب البدائل الأخرى) .)

5- المتغير الإقليمي والدولي: لا يمكن إغفال دور العوامل الإقليمية والدولية في الصراع، ففرنسا تعد أكثر الدول ارتباطاً بأفريقيا الوسطى، وقامت في السابق بالتخطيط للانقلاب العسكري في عام 1995 الذي قام به الجنرال "جان بوكاسا" ضد الرئيس "ديفيد داكو"، نظراً لأنه سعى لإقامة علاقات اقتصادية مع الصين) كما أنها في الأزمة الأخيرة تدخلت وأرسلت حوالي ألفين من قواتها في أواخر عام 2013 لتأمين العاصمة بانجوي، ومصالحها الاقتصادية هناك، ولاتزال تحتفظ هناك بقوات تدخل سريع) ومن جهة ثانية، فقد قامت ميليشيات "سيليكا" بالحصول على دعم إقليمي، خاصة مع وجود شكوك بأن مرتزقة من السودان وتشاد شاركوا إلى جانب الحركة.

وعلى الرغم من انتهاء المرحلة الانتقالية، التي تخللها اقتتال داخلي، بانتخاب رئيس جديد في أوائل عام 2016، هو الرئيس "فوستان اركانج تواديرا"، وانعقاد أولى جلسات "المجلس الوطني" في مايو من العام نفسه) فإن العنف استمر، وإن بوتيرة أقل، وهو ما يرجع إلى تحوّل الدين إلى بعد رئيسي في الصراع لا يمكن تجاوزه في المدى المنظور، خاصة بعد ارتكاب مجازر وعمليات قتل وتهجير طائفي ضد المسلمين، وذلك بعد أن كان الدين يتم توظيفه في الصراع كعامل تعبئة لتجنيد مزيد من الأفراد للمشاركة في الصراع) .)

ثانياً: احتكار ال�ضلطة في الكونجو الديمقراطية

يمثل الرومان الكاثوليك حوالي 50% من سكان البلاد، في حين أن البروتستانت يمثلون حوالي 20%، ولا يزيد كل من المسلمين وأتباع الكنيسة الكيمبنجوية على 10%، بينما يدين 10% الباقون بالمعتقدات الأفريقية القديمة.

وقد عانت الكونجو الديمقراطية حروباً أهلية داخلية في الفترة الممتدة من عام 1996، وحتى عام 2003، والتي راح ضحيتها حوالي خمسة ملايين فرد، وشهدت تدخلاً إقليمياً واسعاً) وقد تمكن زعيم المتمردين لوران كابيلا في مايو 1997 من الإطاحة بالديكتاتور السابق "موبوتو سيسي سيكو". وقد ردت كل من أوغندا ورواندا بدعم المتمردين في مواجهة نظام لوران كابيلا بدءاً من أغسطس 1998، وهو ما دفع قوات كل من زمبابوي وأنجولا وناميبيا وتشاد والسودان إلى التدخل لدعم كابيلا. وأعقب ذلك توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في يوليو 1999 بين الحكومة والمتمردين، وإن استمر القتال بشكل متقطع) .)

وتعاني الكونجو حالياً عدة صراعات، أبرزها الهجمات الطائفية في شرق الكونجو، حيث تتهم "القوات الديمقراطية المتحدة" Allied( ‪Democratic Forces‬ ) المسلمة، بالقيام بانتهاكات واسعة ضد المدنيين من المسيحيين في شرق الكونجو، وتسعى لتهجيرهم من مناطق سكناهم.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن القوات الديمقراطية المتحدة هي ميليشيات غامضة، فقد نشأت في عام 1995 بهدف إسقاط الحكومة الأوغندية وإقامة الدولة الإسلامية، وكانت تتخذ من شرق الكونجو قواعد لها، غير أن هذه الميليشيات سرعان ما تخلت عملياً عن هذا الهدف، وبدءاً منذ العقد الأول من القرن الواحد والعشرين، توقفت الجماعة عن إصدار أي بيانات أو تبني أي أهداف واضحة. وتتهمهم الحكومة الأوغندية بأنهم جماعة إرهابية متطرفة على صلة بحركة الشباب الإسلامية، بينما تعتبرهم "بعثة الأمم المتحدة لتحقيق الاستقرار في جمهورية الكونجو" )مونوسكو( جماعة متطرفة على صلة بالجماعات الإرهابية كالقاعدة والشباب وطالبان.

وعلى الرغم من هذه الاتهامات، فإن مجموعة الخبراء التابعة للأمم المتحدة توصلت في نوفمبر 2014 إلى أنه ليس هناك أي تحليلات مستقلة تؤكد علاقة الميليشيات بالجماعات الإرهابية أو مسؤوليتها عن القيام بعلميات قتل ضد المدنيين في منطقة "بيني") ويشير البعض إلى أن الميليشيا تمكنت

من نسج علاقات قوية مع شخصيات سياسية واقتصادية في الدولة الكونجولية، وأنها تورطت في عمليات التهريب) .) ويمكن إجمال الأسباب التي ساهمت في بروز الصراعات التي تشهدها البلاد فيما يلي: 1- الاستبداد السياسي: إذ إن البلاد شهدت أزمة سياسية حادة عقب سعي الرئيس الكونجولي الحالي جوزيف كابيلا للترشح لولاية رئاسية ثالثة، عقب انتهاء ولايته الثانية في ديسمبر 2016، وذلك بالمخالفة للدستور، وهو ما تسبب في أزمة سياسية حادة، سعت الكنيسة الكاثوليكية للتوسط فيها، وتم الاتفاق على إجراء انتخابات رئاسية قبل نهاية عام 2017، وتخلي كابيلا عن طموحه لخوض الانتخابات الرئاسية، غير أنه سرعان ما تخلى عن الاتفاق وبدأ في التضييق على المعارضة ووسائل الإعلام، وهو ما أدى إلى زيادة التوترات والصراعات عبر البلاد) .) 2- تورط الحكومة في العنف: إذ تتهم بعض التقارير الجيش الكونجولي بالتغاضي عن الانتهاكات التي ترتكبها ميليشيات "القوات الديمقراطية المتحدة"، بل والتواطؤ في بعض الأحيان معها، وأن هناك صلات بين بعض الجنرالات في الجيش الوطني وقادة ميليشيا "القوات الديمقراطية المتحدة") وتجدر الإشارة هنا إلى أن مثل هذه الاتهامات ليست جديدة، إذ توفرت أدلة جدية تؤكد تورط الحكومة الكونجولية في دعم ميليشيات مسلحة، ومن تلك الميليشيات "بانا مورا" ‪Bana Mura(‬ ،) والتي قامت في الشهور الأخيرة بقتل حوالي 3300 شخص، وتدمير قراهم، وهو ما ترتب عليه حملة نزوح لأكثر من نصف مليون من المدنيين، من وسط كاساي، وهي مركز المعارضة السياسية للرئيس كابيلا) وتسعى الحكومة إلى توظيف هذا العنف من أجل تأجيل الانتخابات الرئاسية) ،) وظهور كابيلا بمظهر القائد القوي الوحيد القادر على ضمان استقرار البلاد في مواجهة الحرب الأهلية والإرهاب. 3- الصراع على الموارد الاقتصادية: تمتلك الكونجو احتياطيات كبيرة من الموارد الطبيعية والثروة المعدنية، خاصة النحاس والكوبلت. وعلى الرغم من ذلك، فإنها تعد أقل دول العالم نمواً، ولذلك تحتل المرتبة 176 من إجمالي 187 دولة في تقرير الأمم المتحدة للتنمية البشرية لعام 2015 وهو ما يتم إرجاعه إلى الفساد، وسوء إدارة البلاد. ومن جهة ثانية، فإن الصراع على الثروة والسلطة يعد أحد العوامل التي تلعب دوراً في تجنيد المقاتلين في الميليشيات المختلفة. وتقدر المبالغ المالية التي يحصل عليها المجند في "القوات الديمقراطية المتحدة" بحوالي 450 دولاراً شهرياً، خاصة مع تورطها في تهريب الخشب والذهب) .)

وفي الختام، يمكن القول إن كلاً من أفريقيا الوسطي والكونجو الديمقراطية تعانيان صراعات دينية ظاهرة، غير أن مسبباتها الحقيقية لا تعود إلى الدين، ولكن إلى الصراع على السلطة والثروة، بين الحكومة المركزية من جانب، والميليشيات المختلفة في الدولة، والتي نجحت في الظهور والتمدد، نظراً إلى عدم وفاء الدولة بأدوارها التنموية والأمنية، بالإضافة إلى النظر إلى الحكومة باعتبارها طرفاً غير محايد يحابي فئة أو جماعة معينة على حساب باقي طوائف المجتمع.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.