خيارات محدودة:

الجمعية التأسيسية وفصل جديد من الصراع في فنزويلا

Trending Events - - News - دافيد كوفيلي متدرب في مكتب تمثيل مفوضية الاتحاد الأوروبي في إيطاليا

الجمعية التأسيسية وفصل جديد من الصراع في فنزويلا دافيد كوفيلي

منذ تولي الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الحكم في أبريل 2013، وتشهد كاراكاس سنوات من الاضطرابات السياسية، والتي ارتبطت براجع أسعار النفط، وهو ما أدى إلى خلق حالة من عدم الاستقرار الممتد، غير أن الأزمة الفنزويلية شهدت فصلًا جديداً من الصراع، وذلك ارتباطاً بسعي مادورو إلى توطيد سلطاته من خلال تشكيل جمعية تأسيسية تكون مهمتها صياغة دستور جديد، في محاولة منه لتجاوز المعارضة السياسية التي سعت إلى إقالته من منصبه جراء إخفاقه في علاج الأزمتين السياسية والاقتصادية التي تعصف بالبلاد.

ويهدف هذا المقال إلى تقديم تحليل للوضعين الاقتصادي والسياسي في فنزويلا، خاصة بعد قيام مادورو بتشكيل جمعية تأسيسية، ثم دراسة دور الجهات الفاعلة الدولية أو الإقليمية، سواء كانت دولاً أم منظمات دولية، وما إذا كانت ستتخذ موقفاً أشد حزماً من مادورو من خلال فرض عقوبات على صناعة النفط التي يعتمد عليها الاقتصاد الفنزويلي، وتأثير ما سبق على الأزمة التي تعانيها البلاد.

اأولاً: انهيار الاقت�ضاد الفنزويلي

يعتمد الاقتصاد الفنزويلي بشكل شبه كلي على النفط، إذ تمثل عائدات النفط نحو 95% من إجمالي صادراته، ويشكل قطاع النفط والغاز حوالي 25% من الناتج المحلي الإجمالي في البلاد)1(. وتسيطر على هذا القطاع بالكامل شركة بيتروليوس دي فنزويلا ‪Petróleos de Venezuela(‬ ‪SA: PDVSA‬ ) المملوكة للدولة.

وتاريخياً لعبت هذه الشركة دوراً حيوياً في تمويل السياسات الاشتراكية للحكومة، خاصة فيما يتعلق بالانفاق الاجتماعي)2(، وقد جاء ذلك على حساب الانفاق الاستثماري أو حتى صيانة البنية التحتية في قطاع النفط، وهو ما أدى

إلى تدهور إنتاج النفط)3(. وقد تعرض الاقتصاد الفنزويلي للانكشاف جراء هذه السياسات الاقتصادية غير الرشيدة، مع انهيار أسعار النفط العالمية خلال النصف الثاني من عام 4( 2014(، مما أجبر الحكومة على تقليص الميزانية المخصصة لإنفاق على الرعاية الاجتماعية، وما ترتب على ذلك من ارتفاع نسبة الفنزويليين الذين يعيشون تحت خط الفقر إلى حوالي 33% من إجمالي سكان البلاد)5.)

ولم يقتصر سوء إدارة الدولة على قطاع النفط فحسب، بل امتد إلى قطاعات اقتصادية أخرى، خاصة قطاعي التصنيع والزراعة، مما تسبب في إغلاق العديد من الشركات جراء سوء الإدارة، بل وتحوّل فنزويلا إلى مستورد لمنتجات هذه الشركات. ومن الأمثلة على المنتجات التي كانت فنزويلا تنتجها في السابق، وتقوم باستيرادها الآن لتلبية الطلب المحلي، اللحوم البقرية والقهوة ومعجون الأسنان وقطع غيار السيارات وورق التواليت والأدوية المتنوعة)6.)

ثانياً: تعزيز مادورو �ضلطاته الداخلية

ظل الإطار المؤسسي، كما صيغ في دستور عام 1999، يعمل بسلاسة حتى وقت إجراء الانتخابات البرلمانية في

ديسمبر 2015، عندما حصل ائتلاف" المائدة المستديرة للوحدة الديمقراطية"، وهو ائتلاف الأحزاب المعارضة لتحالف مادورو الانتخابي "القطب الوطني الكبير"، على الأغلبية المطلقة في الجمعية الوطنية )البرلمان الفنزويلي( وذلك بحصولها على 109 مقعد من إجمالي 167 مقعد) .)

وبمجرد أداء المعارضة اليمين الدستورية، بدأت المطالبة بإجراء انتخابات عاجلة وبإنهاء العنف الذي تمارسه قوات الأمن ضد المتظاهرين، وهو ما دفع مادورو إلى اتخاذ عدة إجراءات تصعيدية ضدها وفي مواجهة حركة الاحتجاجات الشعبية، تمثل أولها في إعلان حالة الطوارئ في مايو 8( 2016(. ثم اللجوء إلى "محكمة العدل العليا"، الموالية للنظام، لتجميد الجمعية الوطنية في مارس 2017، وتجريدها من سلطاتها)9(، غير أنه ما لبث أن تراجع عن هذه الخطوة خوفاً من اندلاع احتجاجات غاضبة يعجز النظام عن السيطرة عليها. وسرعان ما اتخذ مادوروا تدابير بديلة تمثلت في إلقاء القبض على زعيمي المعارضة ليوبولدو لوبيز وأنطونيو ليديزما، فضلاً عن إطلاق يد الميليشيات الوطنية لقمع حركة الاحتجاجات المتنامية.

وفي مسعى أخير للقضاء على المعارضة واستعادة السيطرة على البلاد، أصدر مادورو مرسوماً تنفيذياً في مايو 2017، والذي بموجبه شرع في وضع دستور جديد للبلاد) وتمثل الهدف الرئيسي من هذا الإجراء في تأجيل الانتخابات البرلمانية المقرر إجراؤها في عام 2018، نظراً لإدراكه استحالة نجاح الائتلاف الموالي له في الفوز بها، وكذلك تغيير نظام الحكم في البلاد من خلال إعطاء "المجالس البلدية" المنتخبة محلياً بعض السلطات في إدارة الثروة النفطية للبلاد، والتي كانت ممنوحة في السابق لرؤساء البلديات والمحافظين والجمعية الوطنية، وهي الخطوة التي تعدها المعارضة محاولة لتحويل أموال الدولة إلى الموالين للنظام) وقد اتخذ هذا القرار من دون استشارة الجمعية الوطنية، ومن دون الدعوة لإجراء استفتاء، وذلك بالمخالفة لإجراءات الدستورية المنصوص عليها في دستور عام 1999.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن انتخابات الجمعية التأسيسية لم تكن نزيهة تماماً، فقد اتهمت المدعي العام لويزا أورتيجا، الحكومة بالتلاعب في نتائجها، وذلك على الرغم من كونها أحد المؤيدين للتيار التشافي في البداية. ولم تكد الجمعية التأسيسية تحلف اليمين الدستورية في 4 أغسطس 2017، حتى أقال مادورو لويزا أورتيجا من منصب المدعي العام) الأمر الذي سمح له في النهاية بالاستحواذ على كافة السلطات، التنفيذية والتشريعية والقضائية.

ثالثاً: محدودية دور العوامل الاإقليمية والدولية

تفاوت رد فعل الدول والمنظمات الدولية تجاه تفاقم الأزمة الفنزويلية، وإن غلب عليه الاتجاه المعادي لسياسات مادورو، وهو ما يرجع إلى عدة عوامل أهمها: تفشي الفوضى والاضطرابات في البلاد، وارتفاع معدلات تدفق اللاجئين، وقلق الدول المجاورة من تحمل تبعات هذا الوضع) .) بالإضافة إلى تغير التوجهات الأيديولوجية لدول الإقليم مع انتهاء الحقبة اليسارية في أمريكا اللاتينية، والتي ازدهرت في بداية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. وقد دفع هذا التطور لتبني دول الإقليم سياسات أكثر عدائية تجاه السياسات الاشتراكية لفنزويلا) .)

وقد وضح هذا التوجه في البيانات الصادرة عن أغلب التجمعات الإقليمية في أمريكا اللاتينية، ومنها الاجتماع الذي عُقد في ليما في 8 أغسطس 2017، حين أصدرت 13 بلداً أمريكياً بياناً مشتركاً أطلق عليه "بيان ليما" أعلنوا فيه دعمهم الكامل للجمعية الوطنية وأدانوا محاولات نظام مادورو لعرقلة النظام الديمقراطي.

وقد رد مادورو على هذا البيان من خلال استضافة قمة البديل البوليفاري للأمريكيتين )ألبا( ذات التوجهات الاشتراكية، التي حضرتها كوبا وبوليفيا وإكوادور ونيكاراجوا والسلفادور وسورينام وبعض الجزر الأخرى في منطقة الكاريبي لإعلان تأييدها للجمعية التأسيسية الجديدة) ،) غير أن محاولات مادورو لاجتذاب الدعم الإقليمي لسياساته لم تنجح، فقد أعلنت "الكتلة التجارية لأمريكا الجنوبية" )ميركوسور( تعليق عضوية فنزويلا بها إلى أجل غير مسمى في 5 أغسطس 2017 ورفضت "منظمة الدول الأمريكية" على الفور الاعتراف بالجمعية التأسيسية المنتخبة حديثاً) .)

أما على الصعيد الدولي، فقد أدانت الأمم المتحدة فنزويلا بسبب انتهاكات حقوق الإنسان التي ترتكبها قوات الأمن الموالية لمادورو) ووصمت الولايات المتحدة مادورو بلقب "الديكتاتور"، وفرضت عقوبات عليه وعلى دائرته المقربة) .)

وعلى الرغم من هذه الإدانات الدولية، فإنها لم تكن فعالة، خاصة أنها لم تفرض عقوبات على المصدر الرئيسي للدخل في فنزويلا، ألا وهو صناعة النفط) وليس من قبيل المصادفة أن واشنطن قد عزفت مؤخراً عن فرض عقوبات تجارية على فنزويلا، خاصة أن صناعة النفط الفنزويلية الحيوية هي الأهم بالنسبة للولايات المتحدة، أكبر شريك تجاري لفنزويلا، كما قررت مؤسسة جولدمان ساكس المالية

مؤخراً شراء سندات بشركة "بترول فنزويلا" PDVSA() بقيمة 2,8 مليار دولار تستحق السداد في عام 2022، وهو ما يقلل من احتمالية فرض عقوبات تجارية عليها) ومن جهة ثانية، فإن "روسيا والصين، اللتين منحتا فنزويلا قروضاً لا تقل عن 55 مليار دولار مقابل النفط"، وهو ما يجعلهما يعزفان عن دعم أي عقوبات أمريكية، تؤثر سلباً على الاقتصاد الفنزويلي المتدهور أصلاً.

الخاتمة

بمراجعة المواقف الإقليمية والدولية، نجد أنها لا تفرض ضغوطاً جدية تدفع مادورو لتغيير سياساته، على الرغم من أن قيامه بتشكيل جمعية تأسيسية قد أثار انقسامات حادة داخل المجتمع الفنزويلي، وهو ما يرجع إلى أن مادورو لايزال ممسكاً بالسلطة بقوة، خاصة أن غالبية الجيش الفنزويلي لاتزال تدعمه، ولاتزال الانشقاقات التي جرت في الجيش محدودة) .)

ويمكن تفسير موقف الجيش الداعم لمادورو بطبيعة الدور الذي يلعبه في إطار النظام السياسي الفنزويلي، إذ يتولى ضباط الجيش إدارة شركات وطنية مهمة ويرأسون 14 وزارة من أصل 24( 34(، غير أن ولاء الجيش ليس مطلقاً، خاصة أن شعبية مادورو وصلت إلى حوالي 20% من الشعب الفنزويلي) وإذا ما عجز مادورو عن إنعاش اقتصاد البلاد، فلن يكون هناك سوى سيناريوهين محتملين؛ إما اندلاع حرب أهلية أو حدوث انقلاب عسكري، وهو ما يعني أن "الجمعية التأسيسية" لم تكن سوى فصل جديد في الصراع الجاري بين الطرفين، ولم تنجح في حسم الأزمة، ما لم يتمكن مادورو من تبني سياسات اقتصادية فاعلة تنقذ فنزويلا من أزمتها الحادة.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.