لماذا ينشأ "النمو غير المتوازن" داخل الدول؟

Trending Events - - المحتويات - د. أحمد رشاد الصفتي

يلاحظ المتابع لأداء النمو الاقتصادي على مستوى مجموعات الدول المختلفة ظاهرة، تتمثل في وجود اقتصادات تتصاحب فيها قطاعات اقتصادية متقدمة نسبياً مع أخرى متخلفة نسبياً في بعض الدول.

وفي هذا الإطار، يُاحَظ أنه يتم عادة تصنيف استراتيجيات النمو الاقتصادي التي تطبقها حكومات بعض الدول إلى استراتيجيات قائمة على تحقيق النمو الاقتصادي المتوازن Balanced( ‪Economic Growth‬ ،) واستراتيجيات قائمة على تحقيق النمو الاقتصادي غير المتوازن Unbalanced( ‪Economic Growth‬ .) ولكل من النوعين ما يبرره ويُظهر جدواه.

�سيا�سات النمو غير المتوازن

تركز مبررات انتهاج الحكومات استراتيجيات قائمة على النمو المتوازن، على أنها ضرورة بدهية بسبب التشابك القائم بين مختلف القطاعات الاقتصادية. فجانب الطلب في الاقتصاد هو من يوجِد جانب العرض المقابل له. وبالتالي، فإن توجيه الاستثمارات بصورة متوازنة بين القطاعات المختلفة لاقتصاد سيعمل على توسيع قاعدة خلق الوظائف، ومن ثم توسيع قاعدة توليد الدخل، الأمر الذي يؤدي بدوره لزيادة الطلب في الاقتصاد بما يدفع لتوسيع المعروض من السلع والخدمات، ومن ثم تحقيق نمو اقتصادي مرتفع وأكثر استدامة.

ومقابل هذه الفكرة، يرى المدافعون عن استراتيجيات النمو غير المتوازن أن تحقيق استراتيجيات النمو المتوازن غير واقعي، خاصة بالنسبة للدول النامية، لأن أكبر العقبات التي تواجه هذه الدول هي محدودية الموارد الاستثمارية، بما يجعل تشتيتها بين مختلف قطاعات الاقتصاد أمراً يؤثر سلبياً على أحجامها وفعاليتها. فتوزيع الموارد الاستثمارية المحدودة على قطاعات متعددة يؤدي لضآلة نصيب كل منها من هذه الموارد، وبالتالي ستفتقد القدرة على توفير "الدفعة الكبرى" التي تدفع الاقتصاد للتحرك قدماً.

كذلك، ينتقد البعض استراتيجيات النمو المتوازن من حيث التكلفة العالية نسبياً للفرصة البديلة. فمن الأساسيات التي يقوم عليها علم الاقتصاد الحديث التخصص وتقسيم العمل، وهو الأمر الذي يمكن تطبيقه على الدول وعلى الأفراد. فمن أسس ومزايا الانفتاح الاقتصادي للدول على الخارج أنه يؤدي لزيادة الكفاءة الاقتصادية للدولة ولاقتصاد العالمي ككل، وذلك من خال الاعتماد على ما يعرف بمبدأ "الميزة النسبية" لاقتصاد في إنتاج سلع وخدمات محددة، تستغل الوفرة النسبية للدولة في مورد أو موارد محددة، مثل العمل أو رأس المال أو الطاقة، وبما يؤدي إلى توليد دخل من إنتاج وتصدير السلع والخدمات ذات الميزة النسبية واستغال هذا الدخل في الحصول على السلع والخدمات التي لا تتمتع فيها الدولة بميزة نسبية من خال الاستيراد، وذلك بتكلفة تقل بكثير عن تكلفة إنتاجها محلياً.

لكن هناك العديد من الانتقادات لاستراتيجيات النمو غير المتوازن. فمن جانب، يتم عادة التركيز على أنها تؤدي لتنمية الدخول في قطاعات

محدودة العدد بصورة كبيرة عن باقي قطاعات الاقتصاد، وبالتالي يمكن أن تؤدي لعدم تحقيق عدالة توزيع الدخول بين الطبقات الاجتماعية المختلفة. كذلك، فإن فكرة التخصص في الإنتاج والتصدير واستغال المزايا النسبية في تحقيق التقدم لها العديد من المحاذير المرتبطة بما إذا كانت الدول الأخرى تنتهج سياسات مماثلة. وفضاً عما سبق، تضع العديد من الدول، خاصة الدول المتقدمة، سياسات حمائية في تقييد وارداتها من العديد من الدول النامية تحت ذرائع مختلفة، لكن هدفها الحقيقي هو حماية فرص العمل والإنتاج لمواطنيها.

كذلك، لا يجب تجاهل استخدام بعض الدول سياسة سعر الصرف لديها لتقييد الواردات وتشجيع الصادرات، كما كانت عليه الحال خال العقد الماضي، فيما عرف بحرب العمات. وأيضاً، لا يجب إهمال جانب عدم توازن القوة التفاوضية بين الدول المتقدمة والنامية في قضايا تحرير التجارة، حيث تستطيع الدول المتقدمة الضغط على الدول النامية لتحرير التجارة، من دون قيامها بتيسير التجارة لهذه الدول.

لكن من جانب آخر، يرى عدد من الباحثين أنه لا يوجد تعارض كبير بين استراتيجيات النمو الاقتصادي المتوازن وغير المتوازن. فمن الممكن النظر إلى أنه من المطلوب انتهاج سياسات للنمو غير المتوازن في الأجل القصير، بتركيز البرامج الاستثمارية للحكومات في قطاعات وصناعات استراتيجية رئيسية يتم توفير الحماية والتمويل لها بصورة مركزة، وتكون دافعة لتنمية العديد من القطاعات السابقة والاحقة لها في ساسل الإنتاج، بحيث يمكن من خال ذلك تحقيق دفعة قوية لاقتصاد، تسمح له بالتوجه نحو تحقيق النمو الأكثر توازناً في الأجل الأطول.

تقييم الأداء الفعلي

من الممكن النظر لمقياس التعقد الاقتصادي Economic( ‪Complexity Index‬ ) الذي يعده "هاوسمان وهيدالجو وآخرون"، بوصفه أقرب مؤشر مقارنة دولية متاحاً يمكن من خاله مقارنة أداء الاقتصادات المتنوعة التي تحقق نمواً متوازناً بين قطاعاتها الاقتصادية، والاقتصادات الأخرى التي تشهد ظاهرة النمو غير المتوازن لاقتصاد.

لكن يجب هنا مراعاة أن هذا المقياس له محدوديات، أهمها أنه يقيس التعقد الاقتصادي في صادرات الدول المختلفة وليس في إنتاجها الاقتصادي كافة. كذلك، يعتمد هذا المقياس على شقين أساسيين في القياس، هما: التنوع الاقتصادي ‪،)Economic Diversity(‬ الذي يقيس عدد المنتجات المختلفة للدولة محل المقارنة، والانتشار الاقتصادي ‪Economic Ubiquity(‬ ) الذي يقيس عدد الدول التي يمكنها إنتاج منتجات الدولة محل المقارنة.

وبالتالي، يعكس هذا المقياس الخاص بصادرات الدول، ترتيباً متقدماً للدول التي تنتج عدداً كبيراً من المنتجات، مع تميزها بدرجة عالية من التعقيد تجعل عدداً محدوداً من الدول قادراً على إنتاجها. أما الدول التي تحقق ترتيباً متأخراً في هذا التصنيف، فهي الدول التي تصدِّر عدداً محدوداً من المنتجات، مع كون هذه المنتجات غير معقدة بصورة تجعل إنتاجها ممكناً في عدد كبير من الدول.

وفي هذا الإطار، فإن تحليل ارتباط التقدم في هذا المقياس مع مؤشرات اقتصادية واجتماعية أخرى، يعكس نتائج مهمة ومعبرة عن أهمية التنويع وتحقيق النمو المتوازن لاقتصادات. فقد أظهر التحليل الوارد في "أطلس التعقد الاقتصادي: رسم الطرق للرفاهية" الذي أعده هاوسمان وهيدالجو وآخرون خال عامي 2006 و2007، ثاث نتائج رئيسية مثيرة لاهتمام: • وجود عاقة ارتباط إيجابية قوية بين درجة التعقد الاقتصادي للدول ونصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بها. • وجود عاقة ارتباط إيجابية قوية بين درجة التعقد الاقتصادي للدول ومتوسط دخل الفرد بها. • وجود عاقة ارتباط إيجابية قوية بين درجة التعقد الاقتصادي للدول ومعدل نمو دخل الفرد بها. فهذه النتائج يمكن تفسيرها بأنها تشير إلى قوة العاقة بين تحقيق النمو المتوازن وتحقيق أداء قوي للنمو الاقتصادي وارتفاع مستويات المعيشة بالاقتصادات المعنية.

التوفيق بين ال�ستراتيجيتين

يبدو أن الجدل سيظل مستمراً حول الاختيار بين استراتيجيات النمو المتوازن واستراتيجيات النمو غير المتوازن. لكن هذا الجدل لا يمنع من إمكانية إيجاد درجة معقولة من التوافق بين النوعين. فمن الممكن النظر إلى أنه توجد ضرورة للتركيز على إحداث نمو في عدد محدود من القطاعات في الأجل القصير بسبب محدودية الموارد الاستثمارية والحاجة لتركيزها في عدد محدود من القطاعات بهدف أن تحدث تأثيراً ملحوظاً على تقدمها، مع استغال زيادة جاذبية الاقتصاد وتدفق الموارد الاستثمارية المحلية والأجنبية المتحققة من مثل هذا التوجه في التحول نحو نمو أكثر توازناً في الأجل الطويل.

لكن يبدو أن أهم المحاذير هنا هي ضرورة تفادي إخفاق الدولة في إحداث هذا التحول في الأجل الأطول، واستمرارية تحقيق النمو غير المتوازن لاقتصاد من دون رؤية لكيفية التحول عنه، لأن ذلك يمكن أن يترك آثاراً سلبية على إمكانيات استدامة النمو ورفع مستويات المعيشة والدخول وتحقيق عدالة توزيعها، والتي أظهرت الدراسات العملية ارتباطها كلها إيجابياً بقدرة الاقتصاد على التنويع وعلى تمييز منتجاته عالمياً.

يبدو أن الجدل سيظل مستمراً حول الاختيار بين اسراتيجيات النمو المتوازن واسراتيجيات النمو غير المتوازن. لكن هذا الجدل لا يمنع من إمكانية إيجاد درجة معقولة من التوافق بين هذين النوعين من الاسراتيجيات.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.