عام الأسئلة الصعبة:

الاقتصاد العالمي بين المؤشرات المتفائلة والتناقضات الهيكلية

Trending Events - - المحتويات - كارن أبو الخير

يمثل تقرير صندوق النقد الدولي عن آفاق الاقتصاد العالمي الصادر في يناير 2018 نقطة مضيئة- تكاد تكون نادرة- في خضم التوقعات السلبية عن حالة العالم في 2018، حيث أكد التقرير العودة للنمو في 120 من اقتصادات العالم المتقدمة والنامية، بما يؤشر إلى خروج الاقتصاد العالمي من التأثيرات الممتدة التي أعقبت الأزمة المالية العالمية.

وقد انعكس ذلك على سيادة حالة من التفاؤل بين نخبة النظام العالمي التي اجتمعت في دافوس في الشهر نفسه، مدعومة أيضاً بالأرباح الضخمة التي ستجنيها الشركات الكبرى نتيجة للتخفيضات الضريبية التي اعتمدها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وفي المقابل اختار "منتدى دافوس الاقتصادي" هذا العام تركيز الضوء على حقيقة أن النمو يصب في مصلحة شريحة محدودة شديدة الثراء، بينما تزداد الهوة اتساعاً بينها وبين القطاعات الشعبية الأكبر على مستوى العالم، والتي لا تشهد تحسناً في أحوالها وتتخوف من واقع أسوأ سوف تعانيه الأجيال الأصغر سناً.

اأولً: تناق�سات القت�ساد العالمي

شهد عام 2018 سجالاً واسعاً حول تناقضات النظام الاقتصادي العالمي وكيفية مواجهتها، ففي بداية العام طرح تقرير صندوق النقد الدولي مؤشرات متفائلة لأداء الاقتصاد العالمي، حيث أكد أن معدلات نمو الناتج القومي العالمي تجاوزت المتوقع لها في عام 2017، حيث بلغت 3.7،% مدفوعة بالنمو في حوالي 120 دولة، تمثل مجتمعة ما يوازي ثاثة أرباع إجمالي الناتج العالمي) .)

واتساقاً مع هذه المؤشرات، رفع صندوق النقد الدولي من توقعاته عن النمو الاقتصادي في عامي 2018 و2019، ليصل إلى 3.9%. وبحسب التقرير، تأتي هذه التنبؤات انعكاساً للتوقعات التي تفيد بأن الأوضاع المالية العالمية، والمزاج المتفائل، سيساعدان على استمرار معدلات الطلب الذي تزايدت مؤخراً، خاصة في مجال الاستثمار.

وبحسب المحللين، فإن امتداد عودة النمو الاقتصادي إلى مجموعة كبيرة من الاقتصادات المتقدمة والنامية في مختلف انحاء العالم هو سبب قوي للتفاؤل، ويضع العالم في إطار متازمة إيجابية يؤدي فيها ارتفاع الثقة بين قطاع الأعمال إلى خلق المزيد من الوظائف، ما يؤدي بدوره إلى زيادة في الإنفاق الاستهاكي.

وفي المقابل، يوجد جانب آخر للصورة، ورؤية مفادها أن ثمار هذا النمو لا تصل للجميع، بل أن قطاع الأعمال، وتحديداً كبار الأغنياء في هذا القطاع، هم وحدهم المستفيدون من هذا التحسن في الاقتصاد العالمي.

وقد عبر تقرير صدر أيضاً في يناير من هذا العام عن مؤسسة أوكسفام، عن هذا التناقض الصارخ في النظام الاقتصادي العالمي، الذي يسمح "لواحد في المائة من البشر بالاحتفاظ بنصيب الأسد من الثروة المتزايدة، بينما يحرم منها النصف الأفقر من البشرية") فأكثر من 80% من الثروة

التي تولدت عالميا خال 2017، بحسب التقرير، تركزت ضمن هذه الفئة المحدودة، بينما لم ينعم 3,7 مليار شخص من الطبقات الفقيرة حول العالم بأي تحسن في دخلهم.

وللتدليل على هذه الفروقات الصارخة، أوضح التقرير أن ما يجنيه المدير التنفيذي في أي من شركات الأزياء الخمس الكبرى على مستوى العالم في أربعة أيام يساوي ما تجنيه عاملة في قطاع صناعة المابس في بنجاديش خال حياتها كلها.

وبحسب تقديرات بنك "كريدي سويس" التي أوردها التقرير، فإن "الثروة التي يملكها 42 فرداً من أغنى أغنياء عالم اليوم تساوي ما يمتلكه النصف الأفقر من البشرية بأكمله، والذي يضم 3,7 مليار إنسان". بينما كانت هذه الثروة في عام 2009 تتركز في أيدي 380 شخصاً، أي أن هناك تركيزاً متزايد للثروة على القمة، وفجوة تتسع باضطراد بين القلة الغنية والأغلبية الكاسحة من البشر.

ولا يعد تركيز الثراء على قمة الاقتصاد العالمي مؤشراً على قوته، في رأي المدير التنفيذي لمؤسسة أوكسفام، بل هو مؤشر على أن النظام فشل في حماية حقوق مايين البشر الذين يوظفون قواهم في صناعة المابس وزراعة الغذاء لقاء أجور زهيدة. فالثروة تصنع الثروة في نظام اقتصادي يكافئ رأس المال على حساب من يقومون بالعمل) .)

ثانياً: دافو�ض والدعوة لعقد اجتماعي جديد

ليس من قبيل المصادفة أن يتزامن إصدار هذين التقريرين مع موعد انعقاد المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، حيث تجتمع نخبة النظام العالمي، أو بحسب وصف أحد المحللين، "القوى التي تحرك الحياة على سطح الأرض"، والتي تضع الأجندة الرئيسية لاقتصاد العالمي.

ويمثل الحضور في دافوس تجسيداً للعولمة، "التي تضم كل أبعاد العالم في إطار واحد: سوق واحدة، بيئة واحدة، ومسؤولية مشتركة"، وهو المكان- وفقاً لوصف أحد المعلقينالذي "تجتمع فيه نخبة الواحد بالمائة، التي تضع قواعد اللعبة التي يشارك فيها 5% في العالم، بينما 95% من البشرية لا تدرك أن هناك لعبة أصاً") .)

وفي سعيها لتوضيح الطبيعة المُعقدة للعالم المعاصر، ولتجسيد مختلف أبعاد عملية العولمة، سعت إدارة المنتدى عبر العقود لتوسيع دائرة المشاركين في فعالياته، مستحدثة في ذلك فكرة إشراك "أصحاب المصالح" عوضاً عن الاقتصار على "ماك الأسهم") فالمتأثرون بالعولمة والمؤثرين فيها لا يقتصرون على ماك أسهم أو كبار المسؤولين التنفيذيين في الشركات العالمية الكبرى التي تتصدر المشهد، بل يضمون قطاعات أخرى يحاول المنتدى التواصل معها عبر دعوة ممثلين عن القطاع العام والمجتمع المدني والمجتمع الأكاديمي والإعام ورموز الفن والثقافة.

ويسعى للظهور في هذا المنتدى أيضاً الفاعلين الرئيسين في المجتمع الدولي الذي يقوم على الدول وليس القوة الاقتصادية العابرة للحدود، ولذلك كان حضور المسؤولين السياسيين ورؤساء الوزراء وممثل الحكومات أساسياً ليطرحوا رؤاهم ويعززوا من اندماج بادهم في هذا الواقع المعولم.

ويلعب منتدى دافوس منذ تأسيسه في السبعينيات من القرن الماضي دوراً محورياً في تحديد القضايا تؤثر بصورة جوهرية على صحة وتماسك واستمرار هذا النظام العالمي، بهدف وضعها في بؤرة اهتمام النخبة العالمية، وقد تميز دافوس عبر هذه العقود بقدرته على إدراك التغيرات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي قد تؤثر النظام العالمي حتى وهي في أطوارها الجنينية، حيث يطرحها للنقاش، ساعياً للتأثير على النخبة المحركة للتغيير في النظام العالمي بحسب الرؤية التي يتبناها المنتدى) .)

ومن ثم، يكشف وضع قضية إيصال ثمار النمو الاقتصادي إلى قطاعات مجتمعية أوسع على أجندة هذا العام عن مغزى كبير ذي دلالات مهمة، ويعد اعترافاً من معقل النظام الاقتصادي العالمي أن هناك تناقضاً جوهرياً يجب التعامل معه، لأن تداعياته الاجتماعية والسياسية تهدد سامة واستدامة النظام بأسره.

وقد عبر مؤسس المنتدى ورئيسه، "كارل شواب" عن هذه الأزمة بكلمات واضحة، لافتاً الانتباه إلى أن القواعد الاجتماعية للنظام تقع حالياً تحت ضغط كبير، وأنه يتخوف من أن تؤدي حالة التفاؤل السائدة حالياً إلى نسيان أن النمو الاقتصادي الحالي لن يكون مستداماً من دون إصاح "العقد الاجتماعي". فالعالم يواجه اليوم "أزمة اجتماعية" لا تقل خطراً على مستقبل النظام من الخطر الذي مثلته الأزمة المالية العالمية منذ عقد مضى، وكما تضافرت الجهود لمواجهة الأزمة المالية، فهناك حاجة لعمل مماثل اليوم لتفادي النتائج "الكارثية" للأزمة الاجتماعية) .)

يحتاج العالم اليوم، من وجهة نظر شواب، للمرادف الاجتماعي لسياسة التيسير المالي الكمي التي اعتمدتها الحكومات والمؤسسات المالية لمواجهة الأزمة المالية، وهي سياسة من التيسير الاجتماعي "الكيفي". ولأن قطاع الأعمال يبدو في نظر الكثيرين الفائز الوحيد في النظام، ويحصد وحده كل مكاسبه، لذلك يرى شواب أن قطاع الأعمال نفسه، بامتداده ونفوذه العالمي، هو الذي يجب أن يقود المسيرة، وأن يعمل لتحسين الوضع داخل النظام العالمي لهؤلاء الذين لم يستفيدوا من ثمار النمو.

وكمساهمة في هذا الجهد، طور المنتدى هذا العام مؤشر اقتصادي جديد، يهدف لمحاولة رصد مدى امتداد وصول ثمار النمو الاقتصادي لقطاعات مجتمعية أوسع. ويقيس المؤشر الجديد الأداء الاقتصادي في حوالي 103 دولة من خال 11 عاماً، بالإضافة إلى الناتج الإجمالي، تركز على مدى استدامة الأداء وامتداد النمو والتنمية إلى قطاعات مجتمعية واسعة، ومدى مراعاة حق الأجيال القادمة في استخدام الثروات الطبيعية والمالية) ولا يعد هذا المؤشر إلا بداية بسيطة للجهد النظري والعملي الكبير الذي تحتاجه عملية

مراجعة وتغيير المفاهيم التي تحكم النظام العالمي.

ثالثاً: عوائق قيادة قطاع الأعمال للتغيير

يثير نداء رئيس منتدى دافوس "كارل شواب" بأن يتولى قطاع الأعمال الريادة في عملية تحقيق تنمية مستدامة تصل إلى القطاعات المحرومة في مختلف المجتمعات التساؤل حول مدى عملية هذا الطرح، وهو ما كان محور مقال منشور في دورية هارفارد بيزنس ريفيو، في عدد يناير - فبراير 2018، عن الاستراتيجيات الواجب على الشركات الكبرى اتباعها إذا ما كانت بالفعل عازمة على لعب دور مؤثر في تحقيق التوزيع العادل لعوائد التنمية الاقتصادية) .)

ويقر كتاب المقال في بدايته، بأنه على الرغم مما حققته الشركات العماقة والنظام الرأسمالي المحكوم بقواعد السوق من ثروات ضخمه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وما حققته اقتصادات الدول المختلفة من معدلات نمو، فإن هناك أعداداً ضخمة من البشر، خاصة في أفريقيا وآسيا وأمريكا الاتينية لاتزال تعاني مستويات شديدة من الفقر، ولاتزال خارج نطاق العمل الاقتصادي الرسمي.

وعلى الرغم من الالتزام المتصاعد من الشركات بفلسفة خدمة المجتمعات والبيئة التي يعملون بها، والفرص الامتناهية لتحسين الأوضاع وتحقيق التوازن في توزيع عوائد النمو، فإن المشروعات التي تندرج تحت بند المسؤولية الاجتماعية للشركات والتي نفذت في البيئات الفقيرة لم تحقق نجاحاً يذكر.

وقام كتاب المقال بدراسة شملت العشرات من المشروعات التي تندرج تحت باب المسؤولية الاجتماعية للشركات، لفهم العوامل التي تعيق تحقيق هذه المشروعات للتأثير الاجتماعي المطلوب. وكان من أهم هذه العوامل محدودية حجم وهدف مشروعات خدمة المجتمع التي تقوم بها الشركات، والتي عادة ما تتمثل في استثمار في مشروع للبنية التحتية، أو للخدمات الصحية، لا يخدم سوى عدد قليل من الأفراد، ويكون بحكم الميزانية المتاحة ورغبة الشركة في مراقبة كل أبعاده، محدود الحجم.

وتهدف هذه المشروعات في الأساس لإظهار اهتمام الشركات بخدمة المجتمع، لذلك فهي منبتة الصلة بمجال عمل الشركة أو استراتيجيتها لتحقيق النمو والربح. ولأنها لا تدر أرباحاً على الشركة، أو حتى تغطي تكلفتها، فإن هذه المشروعات تكون أول بند يتم إلغاؤه إذا ما واجهت الشركة مصاعب مالية) .)

من جانب آخر، تواجه الشركات صعوبات في اختيار المشروعات التي لها تأثير اجتماعي حقيقي، نظراً لبعد المسؤولين بها، جغرافياً وعملياً عن البيئات المحلية، كما أن نظم الاستثمار في الشركات تدفع دوماً للبحث عن استثمارات تدر عائد سريع بأقل التكاليف، وبأقل قدر من المخاطر، والمشروعات التي يمكن أن تحقق تغييراً حقيقيا تكون عالية المخاطر والتكلفة أيضاً، لذلك من الصعب أن تقوم بها الشركات منفردة.

وخلص المقال إلى أن هناك حاجة لمقاربة وجهد أكثر تعقيداً لتحقيق الفائدة المجتمعية الحقيقية، وأن قطاع الشركات لا يستطيع أن يقوم بهذا المجهود بمفرده، وهذه المقاربة تتمثل في الاستثمار بشكل متزامن في قطاعات متعددة وعلى نطاق إقليمي واسع، بما يؤدي إلى تغيير حقيقي في البنية الاجتماعية الاقتصادية في المناطق الفقيرة والمحرومة من عوائد النمو.

وبينما تهدف هذه الاستثمارات إلى خدمة المجتمعات، فإنها يجب أن تحقق أيضاً فائدة للشركات، فبدون أن تحقق هذه الاستثمارات عوائد للشركات، فلن تكون مستدامة، ومن دون أن تشمل هذه الاستثمارات قطاعات متعددة في منطقة جغرافية ممتدة، فلن تحقق مكاسب مجتمعية ملموسة.

ويعطي المقال بعض النماذج في هذا الصدد، شملت الاستثمار في جودة المنتج الزراعي الرئيسي في أحد المجتمعات، من حيث البذور وطرق الحصاد والتخزين والنقل، بما شجع شركة محلية كانت تعتمد على الاستيراد على استخدامه في منتجاتها، ثم تشجيع شركات أخرى على الاستثمار في منتجات أخرى قائمة على المحصول نفسه، وتدريب العمالة للعمل في المصانع الجديدة، وكان أول الرابحين من ذلك المزارعين البسطاء الذين ارتفع دخلهم بصورة حقيقية ومستدامة، ثم الباحثين عن عمل الذين وجدوا ضالتهم في المشروعات الصناعية الجديدة، ثم الشركات التي قللت تكلفتها بوقف الاستيراد والتي فتحت مصانع جديدة) .)

لكن، مثل هذه العملية المعقدة تحتاج شراكة بين أطراف متعددة لكي يتحقق لها النجاح، منها منظمات المجتمع المدني لتحديد المجالات المناسبة للعمل، ومؤسسات التمويل التنموي الدولية أو الخاصة التي ستمول المراحل الأولية التي من الصعب أن تقوم بها الشركات.

ويتطلب نجاح هذه النماذج أيضاً إقامة مشروعات منتجة وقابلة للربح من جانب الشركات توفر فرصاً للعمل وقيمة مضافة، بالإضافة لدعم الحكومات لتذليل الصعاب أو تدعيم البنية التحتية، مع تطوير استراتيجية للعمل والتنسيق بين كل هؤلاء الأطراف، الذين كثيراً ما يفتقدوا الثقة المتبادلة، وتحكم عملهم قواعد وتقاليد مختلفة. وهذا يلقي بالعديد من الشكوك على فكرة قدرة، أو حتى استعداد، قطاع الشركات الكبرى، على قيادة الحركة نحو عقد اجتماعي جديد كما يطالب كارل شواب.

يجب إعادة النظر في استخدام الناتج المحلي الإجمالي كمعيار أساسي لتقييم صحة الاقتصادات، حيث إن اتجاه ثمار هذا النمو لقطاع محدود يفاقم من حالة الغضب واليأس التي تعانيها القطاعات الواسعة التي لم تستفيد من هذا النمو.

رابعاً: هل يمكن اإنقاذ الراأ�سمالية من نف�سها؟

في إطار الاهتمام بمعالجة التناقضات التي يعانيها الاقتصاد العالمي، يأمل هومي خاراس مدير برنامج الاقتصاد العالمي

والتنمية بمؤسسة بروكينجز في أن يشهد هذا العام نقاش جدي بين "من يؤمنون باقتصاد السوق الحر ومن يأملون في انقاذ الرأسمالية من نفسها") .)

ولا تعد هذه القضية جديدة، لكن تكلفة عدم الاهتمام بها ارتفعت بشدة، بحيث صارت تهدد قواعد النظام الرأسمالي نفسه. وبينما يتوجه الكاتب بالخطاب لصانعي السياسات في الحكومات لاتخاذ المبادرة في هذا الشأن، فهو أيضاً يذهب إلى أن الأزمة تحتاج لتضافر الجهود من أطراف متعددة، حيث إن التغيير الجذري على مستوى النظام لا يمكن أن يتحقق بجهود طرف منفرد.

ويحدد "خاراس" أربعة ساحات لهذه المعركة الفكرية، وتتعلق المعركة الأولى التي يجب حسمها بقضية التسعير، حيث إن هناك تناقضات جوهرية في النظام، فبينما تفرض الحكومات ضرائب على عنصر العمل فإنها تدعم الوقود الأحفوري، في الوقت الذي يطالب فيه المواطنون والسياسيون بمزيد من الوظائف وبخفض معدلات التلوث، أي أن الحكومات تعتمد سياسات تناقض في تأثيرها الأهداف المعلنة، حيث ترتفع معدلات التلوث وتنخفض معدلات التشغيل.

أما المعركة الثانية فتتعلق بالمنافسة، فالرأسمالية تفيد المجتمع ككل عندما تكون هناك منافسة قوية، لكنها تصب في مصلحة الشركات وحملة الأسهم عندما تكون المنافسة ضعيفة. واقتصادات اليوم تشهد اندماجات أكثر وشركات أكبر بحيث صار من الصعب أن تتحقق شروط المنافسة القوية.

وتمثل العولمة محور المعركة الفكرية الثالثة، فبينما تنحاز الشركات الكبرى لخيار العولمة، فإن سعيها للتنافس العالمي يقوض المؤسسات الاجتماعية والقانونية والسياسية التي صنعت للنظام الرأسمالي شرعيته بالأساس. ويعد أسلوب قياس النمو الاقتصادي هو المعركة الرابعة، حيث يجب إعادة النظر في استخدام الناتج المحلي الإجمالي كمعيار أساسي لتقييم صحة الاقتصادات، حيث إن اتجاه ثمار هذا النمو لقطاع محدود يفاقم من حالة الغضب واليأس التي تعانيها القطاعات الواسعة التي لم تستفيد من هذا النمو) .)

ويمكن القول إن سيادة استخدام قياس معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي كمؤشر على صحة الاقتصاد، والذي أصبح دعامة أساسية من دعامات النظام الاقتصادي، يُعد جزءاً من المشكلة التي تعيق تدارك تناقضات هذا النظام، ولذلك تعددت الأصوات التي تنادي بإعادة النظر فيه. ويوضح "ديفيد بيلينج" محرر الشؤون الاقتصادية بصحيفة الفاينانشيال تايمز، والذي ألف كتاباً بعنوان "وهم النمو"، أن مؤشر الناتج المحلي الإجمالي يخفي من الواقع والحقيقة بأكثر مما يظهر) .)

فقد ظهرت هذه المقاربة في الثاثينيات من القرن الماضي، حين كان هناك بعض المنطق في استخدامها لقياس المنتجات الصناعية التي تسيدت النشاط الاقتصادي في ذلك العصر، لكنها أصبحت غير مجدية في إطار الاقتصاد المعاصر القائم بشكل أساسي على الخدمات، كما أنها لا تصلح لقياس قيمة الابتكار.

وتقوم مقاربة قياس الناتج المحلي الإجمالي على استخدام المتوسطات وتجميع المؤشرات الإحصائية، وهي بالتالي لا تفيد في فهم الأوضاع المجتمعية، ولا تظهر الفروق في الاستفادة من عوائد النمو. ويقول بيلينج إن حتى سيمون كوزنيتس، الاقتصادي البياروسي الذي ارتبط اسمه بتطوير مفهوم الناتج الإجمالي، حذر من أنه لا يجب أخذ هذا القياس مؤشراً على صحة أو سامة الاقتصاد والمجتمع، وهو التحذير الذي تم تجاهله) .) وقد أصبح من مثالب تسيد هذا المفهوم للخطاب الاقتصادي والسياسي، أن النمو صار الأولوية المطلقة التي لا تناقش، بحيث أصبح من شبه المستحيل على أي مسؤول أو سياسي أن ينادي بالتضحية بالنمو الاقتصادي من أجل هدف آخر، مثل بيئة أنظف أو رعاية صحية أكثر كفاءة. ختاماً، يمكن القول إنه من دون التوصل إلى مقاربات فكرية وعملية لمواجهة المشكات التي تهدد تماسك واستدامة النظام الاقتصادي العالمي، وعلى رأسها عدم المساواة واختال توزيع عوائد التنمية، فإن هذا النظام سيظل هشاً، مهما تواصلت معدلات النمو في الارتفاع.

كارن أبو الخير مستشار الشؤون الدولية بمركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، أبوظبي

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.