زعامة بلا أعباء:

تناقضات السياسة الأمريكية في عهد ترامب

Trending Events - - حالة العالم - كارن أبو الخير مستشار الشؤون الدولية بمركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة - أبوظبي

اختلف المحللون حول التوصل لإطار يمكن من خلاله توصيف السياسة الخارجية الأمريكية في عهد ترامب. فبينما ينسحب من الاتفاق النووي مع إيران ويهدد بعقوبات ضدها، فإنه يسعى للتصالح مع كوريا الشمالية، ويهاجم ترامب حلفاء الناتو، ويكيل الإنتقادات لقادة مجموعة السبع، بينما يمتدح بوتين وقادة سلطويين مثل دوتيرتي. ويتباهى ترامب بقدرته على التفاوض وعقد الصفقات، بينما يلوح باستخدام القوة الاقتصادية والعسكرية الأمريكية ضد كل من يعارضه، حيث وصف البعض العقيدة الخارجية لترامب بأنها: ”نحن الولايات المتحدة ولا يستطيع أحد الوقوف أمامنا“)1.)

اأولاً: تراجع القيم الليبرالية

رصد المحللون في السنوات الأخيرة تراجع تمسك المجتمع الأمريكي بقيم محورية في الثقافة الأمريكية، مثل الديمقراطية وحرية التعبير وحقوق الإنسان، وقد انعكس ذلك في ظهور حركات تحتج، على تمييز السلطات الشرطية والأمنية ضد المواطنين السود، واستخدام العنف المفرط تجاههم، في مقابل تصاعد تيار العداء المجتمعي للمهاجرين، خاصة من غير أصحاب البشرة البيضاء، وتراجع الثقة في المؤسسات الإعلامية والسياسة، بل وفي النظام الديمقراطي نفسه.

دفع ذلك شخصيات لها وزنها داخل الولايات المتحدة، إلى التحذير من مغبة ومآلات هذه التوجهات غير الليبرالية، التي تصاعدت بشكل كبير في عهد ترامب، ومن أبرز هذه الشخصيات الجنرال المتقاعد مايكل هيدن، الذي شغل العديد من المناصب العليا في المؤسسات الأمنية الأمريكية، ومنها رئاسة وكالة الاستخبارات المركزية، ومادلين أولبرايت، وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة.

ووصفت أولبرايت ترامب، في مقابلة تليفزيونية، بأنه "الرئيس الأقل ديمقراطية" في تاريخ الولايات المتحدة الحديث)2(، وبينما لم تذهب إلى حد وصف ترامب بالفاشية، التي تمثل عودتها الخطر الجديد الذي يهدد العالم من وجهة نظرها، فإنها تكرر بإصرار أن الأمريكيين يأخذون حرياتهم وديمقراطيتهم والنظام الذي يحمي حقوقهم كأمر مسلم به، بينما هذا النظام وهذه القيم تتطلب الدفاع عنها حتى لا تتراجع وتنهار أمام الزحف السلطوي الذي يجتاح العالم، ولا يستثني المجتمعات الغربية)3.)

يشاطرها هيدن هذه المخاوف، حيث نشر على حسابه على تويتر، عقب تنفيذ قرار فصل أطفال المهاجرين غير الشرعيين عن ذويهم، صورة للمعتقل النازي أوسويتش، مذكراً بأن أنظمة أخرى في التاريخ فصلت أيضاً أطفالاً عن ذويهم. وبينما اعترف هيدن أن المقارنة ظالمة إلى حد ما، حيث إن هذه المعتقلات النازية شهدت إبادة للأطفال ولذويهم، فقد دفع بأنه أراد أن يذكر أن الديمقراطية وحقوق الإنسان يمكن أن تتراجع بسرعة وبشكل مريع في ظل نظم تنتهكها. فالشعب الألماني من أكثر شعوب العالم تحضراً في رأيه، ومع ذلك، انزلقت الأمور إلى ما نعرف في ظل الحقبة النازية)4.)

وتوضح المقارنات التاريخية والتحذير من تراجع الديمقراطية وحقوق الإنسان الارتباط بين انحسار هذه القيم

داخلياً وتداعيات ذلك على السلام العالمي، حيث ارتبط صعود الفاشية والنازية تاريخياً باندلاع حروب عالمية. وفي عهد ترامب، تصاعدت المخاوف من تأثير سياساته على النظام الدولي الذي نجح في تجنيب العالم ويلات الحروب العالمية لسبعة عقود متصلة.

ثانياً: م�سير التحالفات الليبرالية

تزامن صعود ترامب إلى السلطة مع تصاعد الجدل حول طبيعة النظام الدولي الليبرالي والدور الأمريكي فيه، ولا يدور الجدل فقط حول الفائدة التي تعود على الولايات المتحدة من هذا النظام، لكن التساؤلات تمتد لتشمل دوافع انخراطها في تشكيله، ومدى ارتباط ذلك الاختيار بالقيم الأمريكية، أم أنه كان نتاج البيئة الاستراتيجية للحرب الباردة.

ويمثل المقال المعنون "عقيدة ترامب تربح والعالم يخسر" بقلم نائب المدير العام للمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية كوري شاك، نموذجاً للرؤية التي تذهب إلى أن الولايات المتحدة تحملت طوعاً تكلفة بناء وصيانة النظام الدولي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، اتساقاً مع قيمها وتحقيقاً لمصالحها) .)

ففي نموذج لا شبيه له في التاريخ، من وجهة نظر الكاتب، تمكنت الولايات المتحدة من تعزيز مكانتها من خلال تشكيل نظام دولي تحكمه قواعد وأعراف، تشمل الترويج للديمقراطية، وتقديم التزامات ممتدة لدول تشارك الولايات المتحدة في منظومتها القيمية، وحماية الحلفاء، وتعزيز التجارة الحرة، وخلق مؤسسات دولية تعطي دولاً أقل قوة من الولايات المتحدة دوراً وصوتاً في إدارة النظام الدولي.

ومن هذا المنظور، قيدت الولايات المتحدة من قوتها طوعاً، متحملة أعباء حماية الحلفاء لتسمح لهم بتطوير قدراتهم الاقتصادية مما يشجع التعاون الدولي ويبعد شبح الحروب بين القوى الرئيسية، وتحت مظلة من القيم المشتركة، كونت هذه الدول القوية شبكة من التحالفات والمؤسسات ونظم التجارة التي كانت لها فوائد متبادلة، والتي مكنت أيضاً الولايات المتحدة من تحقيق أهدافها. وتحملت الولايات المتحدة تكلفة "رعاية حديقة النظام الدولي" بحسب تعبير وزير الخارجية الأمريكي السابق جورج شولتز، وقد كان هذا النظام أعظم إنجازاتها.

وفي المقابل، يسلط أستاذ العلاقات الدولية جراهام أليسون الضوء على بعد مختلف وراء الجهود الأمريكية لتشكيل ما يسمى بالنظام الدولي الليبرالي، حيث يرى أن ظهور هذا النظام كان من التداعيات غير المقصودة للصراع بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، ونتيجة لتوازن دقيق للقوى بينهما) .)

وجاءت جهود الولايات المتحدة لتشكيل "نصف العالم" الذي وقع تحت الهيمنة الأمريكية نتيجة للقناعة الأمريكية بأن الاتحاد السوفييتي يشكل خطراً أكبر على الولايات المتحدة، نظاماً وقيماً، من خطر النازية. هذا الخوف من الاتحاد السوفييتي دعا الولايات المتحدة لحشد جنودها ودبلوماسييها وأموالها لإدماج أوروبا الغربية واليابان في هذا الصراع، بوصفهم عمقاً اقتصادياً واستراتيجياً لها.

وأدى الخوف من الخطر السوفييتي إلى إطلاق خطة مارشال، وتأسيس صندوق النقد الدولي ومنظمة الجات، بهدف تحقيق الرخاء وضمان بقاء أوروبا الغربية واليابان داخل إطار النفوذ الأمريكي وفي تعاون وثيق مع الولايات المتحدة، من خلال حلف الناتو والتحالف الأمريكي الياباني.

وفي هذا الصدد، حرصت الولايات المتحدة على بناء نظم ديمقراطية عند إعادة إعمار اليابان وألمانيا، حتى يكون التحالف مبنياً على تقارب قيمي وليس فقط تبادل مصالح. من جانب آخر، كان هذا البعد القيمي مهماً أيضاً في حشد الداخل الأمريكي، سواء من الكونجرس أو الرأي العام، وراء توجهات السياسة الخارجية.

وأدى توازن القوى بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، إلى تشكل مناطق نفوذ لكل منهما، مع توافق على قواعد للتفاعل تمنع الحرب الباردة من التحول إلى مواجهة عسكرية مباشرة، أو ما يعرف باللاءات الثلاثة : لا استخدام للأسلحة النووية، ولا قتل صريحاً لجنود الفريق الآخر )مع استثناء حرب الجواسيس وما يشابهها التي تدور في الخفاء(، ولا تدخل عسكرياً في مناطق نفوذ القوة الأخرى) .)

وفي هذا الإطار، فإن تدعيم قوة الدول التي تقع في "العالم الحر" كانت رسالة للاتحاد السوفييتي مفادها أنه لا أمل له في مد نفوذه في أنحاء العالم كافة. ولذلك فالنظام الليبرالي الذي تشكل في منطقة النفوذ الأمريكية أو "العالم الحر" كان يصب مباشرة في مصلحتها، حتى وإن تحملت تكلفته، وكان البعد القيمي، ونشر الديمقراطية والتجارة الحرة بعداً أساسياً في تشكيله، لتحقيق التمايز في الصراع الأيديولوجي، والوجودي مع الولايات المتحدة. لكن التحالفات والعلاقات الوثيقة في هذا "العالم الحر" كانت مرتبطة بوضوح، من وجهة نظر أليسون، بضرورات توازن القوة مع الاتحاد السوفييتي.

ثالثاً: «انفلات» القوة الاأمريكية

ارتبط النظام الليبرالي الدولي بتوازنات القوة في عصر الحرب الباردة، وبحسب أليسون، خلال معظم فترات التاريخ الأمريكي، كان الأمريكيون يعطون أولوية للحفاظ على الحرية في الداخل لا على تحقيق أهداف خارجية، ولذلك فإن التفاعل الأمريكي النشط على الساحة الخارجية بعد الحرب العالمية الثانية يعد استثنائياً، وقد ارتبط بشكل مباشر بالخطر السوفييتي.

وفي المقابل أخذت التوجهات الداخلية بشأن السياسة الخارجية منحى مختلفاً وأكثر راديكالية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وظهور الولايات المتحدة كقوى عظمى وحيدة. وبدأت أفكار عن "نهاية التاريخ" وفوز الرأسمالية والليبرالية واعتبارهما الخيار الأوحد تتردد، وظهر معها توجه لدى كل من المحافظين الجدد على اليمين، واللييبراليين الدوليين على

اليسار، بأن اللحظة قد حانت لنشر الديمقراطية والرأسمالية في كل أنحاء العالم، ولو من خلال استخدام القوة، وهو ما أقنعوا به عدة إدارات أمريكية بالفعل.

ويرى المحلل توم انجلهارت أن انهيار الاتحاد السوفييتي قد "أطلق القوة العسكرية الأمريكية من عقالها". لقد كان وجود الاتحاد السوفييتي بمنزلة تأكيد مستمر على أن القوة الأمريكية لها حدود. وبشكل ما، لم يكن الاتحاد السوفييتي وحده الخاضع لعملية "احتواء" في الأعوام ما بين 1945 و1991، بل كانت القوة الأمريكية أيضاً قيد "الاحتواء" بحسب انجلهارت. وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي، ظهر نمط جديد من التفكير في الإدارات الأمريكية، يذهب إلى أن القوة العسكرية الأمريكية، بما تتمتع به من تطور تكنولوجي كبير، تستطيع أن تمكن الولايات المتحدة من فرض إرادتها على عالم لا يوجد به قوة دولية لها القدرة على مواجهة الآلة العسكرية الأمريكية) .)

وتعزز هذا النمط من التفكير بسبب النصر السريع والحاسم الذي حققته الولايات المتحدة في حرب الخليج عام 1991، ما أدى إلى تجاهل مؤشرات بأن الولايات المتحدة تواجه تحديات من نوع جديد، مثل الميليشيات المسلحة والدول المنهارة والتيارات الإرهابية، والتي وضعت قيوداً من نوع جديد على القوة العسكرية الأمريكية. واتضح ذلك في عام 1993 في الصومال، حينما وجدت الولايات المتحدة نفسها غير قادرة على فرض إرادتها في مواجهة أمير حرب يتزعم ميليشا محلية في واحدة من أضعف دول العالم، مما كشف عما ستواجهه واشنطن في القرن الجديد.

لكن بحلول 2001، ووصول جورج بوش الإبن وفريق المحافظين الجدد بزعامة ديك تشيني إلى الحكم، مثل الاعتداء على برجي التجارة العالميين في نيويورك "فرصة من السماء"، من وجهة نظر هذه المجموعة، لبسط النفوذ الأمريكي على العالم . ودشنت هذه الإدارة "الحرب العالمية على الإرهاب"، التي شملت الحرب على أفغانستان والحرب على العراق، وامتدت إلى عمليات مكافحة الإرهاب في عشرات من الدول حول العالم، ما جعل للانخراط الأمريكي الدولي صبغة عسكرية، وأدى إلى تحميل الخزانة الأمريكية مليارات من الدولارات.

رابعاً: ع�سكرة ال�سيا�سة الخارجية الاأمريكية

تصاعدت الصبغة العسكرية للسياسة الخارجية الأمريكية عقب تحول موازين القوى بين المؤسسة الدبلوماسية والمؤسسة العسكرية في الإدارات الأمريكية المتعاقبة. ووثق هذا التحول الصحفي رونان فارو في كتابه "الحرب على السلام: نهاية الدبلوماسية وتراجع النفوذ الأمريكي". يذهب فارو في كتابه إلى أن "حرب" ترامب على وزارة الخارجية، وسياساته في تقليص ميزانياتها وعدد موظفيها وترك العديد من المناصب المهمة بها شاغرة ليس تطوراً جديداً أو غير مسبوق، بل أن هناك توجهاً من تسعينيات القرن الماضي لتقليص حجم ودور الجهاز الدبلوماسي الأمريكي لصالح البنتاجون، وإعطاء عسكريين سابقين مناصب تتيح لهم التحكم في مهام كانت في الأصل تقع في دائرة اختصاص وزارة الخارجية، مع التهميش والإقصاء المتصاعد للدبلوماسيين من دائرة صنع القرار) .)

بدأ هذا التوجه أثناء إدارة كلينتون، التي عمدت تحت مبررات اقتصادية لتقليص حجم البعثات الدبلوماسية الأمريكية حول العالم. وبحسب مادلين أولبرايت، التي حاورها الكاتب، فقد كان هناك شعور مع نهاية الحرب الباردة بأن هناك حاجة للاهتمام بالقضايا الداخلية. وخلال عقد التسعينيات، تم تقليص ميزانية الشؤون الدولية بحوالي 30%، وإغلاق 26 قنصلية و50 مكتباً لوكالة المعونة الأمريكية، بالإضافة إلى غلق بعض الإدارات مثل تلك المختصة بنزع التسلح.

وأدركت إدارة بوش الابن أن هناك نقصاً كبيراً في إمكانيات وزارة الخارجية، لكنها حين عمدت لسد هذا النقص، كان اهتمامها الأساسي بدعم الحرب على الإرهاب، وبالتالي برزت بوضوح التوجهات لعسكرة السياسة الخارجية، وتم إسناد الكثير من مهام وزارة الخارجية إلى البنتاجون، بينما تصاعد بشكل كبير الإنفاق العسكري.

وتولى العسكريون بشكل متزايد إدارة العلاقات الخارجية للولايات المتحدة من خلال التفاوض المباشر مع ميليشيات وجماعات مسلحة من دون إشراك الدبلوماسيين، وهو ما تكرر بشكل خاص في أفغانستان، أو ضمن التحالفات العسكرية لمحاربة الإرهاب، ومن ثم أصبحت العلاقات العسكرية أقوى وأكثر أهمية من العلاقات والمسارات الدبلوماسية.

تزامن ذلك مع توجه آخر، رصده فارو وآخرون، وهو الاتجاه لتعظيم دور وسيطرة البيت الأبيض على القرارات، مقابل تهميش الوزارات والإدارات المختلفة. فمن اللافت ما صرح به وزير الخارجية السابق كولين باول لفارو، من أنه لم يحط علماً بقرار الرئيس بوش بالانسحاب من اتفاقية كيوتو للمناخ قبل اتخاذه، وإنه "توسل" لدوائر البيت الأبيض لإرجاء إعلان القرار لحين إبلاغ الحلفاء به، لكن طلبه قوبل بالرفض، فيما يذكر بتهميش وزير خارجية ترامب السابق تليرسون فيما يتعلق بالانسحاب من اتفاقية باريس للمناخ.

وفي الوقت نفسه، زاد التوجه لتولية أفراد من خلفية عسكرية مناصب في البيت الأبيض، خاصة في المناصب

المتعلقة بالأمن القومي، وبينما زادت سطوتهم ، وتصاعد إنخراطهم في اتخاذ القرار في البيت الأبيض، زاد تهميش الدبلوماسيين) .)

ولم تكن إدارة أوباما استثناء في هذا الأمر، فعلى الرغم من الجهود الدبلوماسية التي أسفرت عن التوصل للاتفاق النووي مع إيران واتفاق باريس بشأن تغير المناخ، فقد كان للعسكريين دور كبير في البيت الأبيض أثناء إدارة أوباما، وقد شكل الاستخدام المتصاعد للدرونز في الحرب على الإرهاب، وعقد الاتفاقات والتحالفات مع الميليشات على الأرض محاور أساسية لعسكرة السياسة الخارجية في عهده.

خام�ساً: ال�سيا�سة الخارجية في عهد ترامب

يمثل كل ما سبق السياق التاريخي والاستراتيجي والمؤسسي الذي ظهرت فيه سياسة ترامب الخارجية. حيث أدى التهميش وتقليص دور المؤسسة الدبلوماسية في الولايات المتحدة منذ انتهاء الحرب إلى غياب الرؤية الاستراتيجية، ونقص الكفاءات الدبلوماسية، بحيث أصبحت السياسة الخارجية الأمريكية تتعامل مع التطورات والأزمات بطريقة "تكتيكية"، وعزز من ذلك التوجه ما أصبح يعرف ب "عسكرة" السياسة الخارجية الأمريكية، والذي يعني تصاعد دور العسكريين في رسمها وإدارتها من جانب، والاعتماد على القوة "الصلبة" وحدها، مع غياب آليات القوة "الناعمة"، التي كانت تمثل فيما سبق رصيداً هائلاً يدعم نفوذ الولايات المتحدة.

وبينما عززت تهديدات الاتحاد السوفييتي من اهتمام الولايات المتحدة بالتحالفات والمؤسسات التي شكلت النظام الدولي الليبرالي، فإن غياب القوة التي يمكن أن تمثل تحدياً أو تهديداً حقيقياً للولايات المتحدة على المستوى العسكري قلل من أهمية هذه التحالفات بالنسبة لترامب. وإذا كان تأسيس هذا النظام الليبرالي خياراً مبنياً على القيم الأمريكية كما يرى الكثير من المحللين، فإن الشاهد أن الولايات المتحدة في عهد ترامب، بحسب روبرت كاجان، قد اعتمدت خياراً مختلفاً) .)

ويرى روبرت كاجان في مقاله "أمريكا ترامب لا تعبأ" أن النقاش حول السياسة الخارجية لترامب قد انصب على أن الولايات المتحدة أمام خيارين، إما أن تدافع عن النظام الدولي الليبرالي، وإما أن تجنح إلى الانعزالية وتنسحب من التفاعلات الدولية وتتخلى عن دورها القيادي. لكن ترامب أوضح أن هناك خياراً آخر، وهو الانخراط المستمر على الساحة الدولية اعتماداً على القوة الأمريكية "الفجة" وحدها، من دون الاعتداد بقواعد النظام الدولي أو التعهدات السياسية أو الاستراتيجية التي أخذتها الولايات المتحدة على عاتقها في عهود سابقة.

وتحصر "أمريكا ترامب" تعريفها للمصلحة القومية والأمن القومي في إطار "السنتات والدولارات" التي تدفع مقابل الحماية من الاعتداء الخارجي. وفي الوقت نفسه، لا ترغب واشنطن في الحرب وسوف تهادن القوى التي تستطيع إلحاق الضرر بها، وتعاملهم باحترام وتسمح لهم بالاحتفاظ بمناطق نفوذهم، في إشارة واضحة لروسيا.

وفي المقابل، سوف تعامل الولايات المتحدة من يعتمدون عليها بازدراء، وسوف "تقايضهم" في مقابل تحقيق مصالحها، حيث إن موازين القوى قد تغيرت، وأصبح تحمل تكلفة "حماية الحلفاء" من غرب أوروبا إلى شرق آسيا، في غير مصلحة الولايات المتحدة وفقاً لهذا الاتجاه.

وتنبع هذه السياسة الخارجية، بحسب ستيفن سيستانوفيتش، من إدراك ترامب أن قاعدته الشعبية تعبت من تحمل أعباء القيادة العالمية، خاصة مع التكلفة العالية التي رتبتها الحرب العالمية على الإرهاب، وحربي العراق وأفغانستان، لكن هذه القاعدة الشعبية لا تريد في الوقت نفسه التخلي عن الإحساس بأن الولايات المتحدة قادرة على إملاء شروطها على الآخرين) .)

ختاماً، يهيمن على السياسة الخارجية الأمريكية تناقض رئيسي بين رغبة ترامب في أن تظل الولايات المتحدة في اللعبة الدولية، لكن بشروط أفضل وأن يكون لها سياسة خارجية نشطة، ورؤيته لتقليل أعباء وتكلفة هذا الدور القيادي، ويقدم ترامب وعوداً لمساندية بتحقيق كل ذلك عبر قدرته "الفذة" على عقد الصفقات، ومن خلال التلويح "الفج" بقوة الولايات المتحدة وقدرتها على إيذاء من لا يستجيب لأوامرها.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.